عربي
سيُسجّل على العدالة الفرنسية ان القضاء قد وجّه في أقلّ من عامين 16 دعوى على النائبة الأوروبية الشابة من أصل فلسطيني ريما حسن، وسيُسجّل عليه أيضاً أنه رغم إغلاق 13 منها لم يتم، والجزم هنا أنه فعل هذا مع سبق الإصرار والترصّد، إعلامُ النائبةِ بإغلاق هذه الدعاوى ليبقي الضغط المتصاعد عليها من كل الجهات. فهي ملاحقة بشكل كثيف من جهات اللوبي المتعدّدة التي ترصد حركاتها وتصريحاتها وسفرها ومشاركتها في التظاهرات العامة، بدليل عدد الشكاوى التي تتابع جميع الناشطين بشكل عام، وقد تركزت بشكل استثنائي منذ اختيار مجلة فوربس النائبة من ضمن 40 امرأة فرنسية الأكثر تأثيراً منذ عام 2024، حيث استدعيت ريما حسن قبل أيام للمثول أمام الشرطة الفرنسية بشكل غير قانوني، فحصانتها البرلمانية لم تمنع عدالة بلد فولتير ليس فقط من استدعائها والتحقيق معها عشر ساعات بسبب نشرها على منصّة X مقولة للمقاوم الياباني والعضو السابق في الجيش الأحمر كوزو أوكاموتو عام 1972 "كرّست شبابي للقضية الفلسطينية ... طالما هناك ظلم فالمقاومة ليست حقاً فقط بل واجب"، لتقوم الدنيا عليها من كل الجهات، واعتبار ما نشرته "تمجيداً للإرهاب"، رغم أنها حذفت الجملة بعد فترة وجيزة، أو بعد تسريب حكومي خبراً إلى الإعلام، من دون فحص ولا تدقيق، عن كيس صغير عن وجود مادّة مخدّرة في حقيبة "المدافعة عن شعبها وحقوقه". تلقّفت القنوات الخبر، ونشرت عنه 16 مانشيت في ساعات، للانتقاص من ريما حسن وتشويهها، وقد كانت ما تزال في الاستجواب مع محاميها، ليظهر لاحقاً أن المادّة الموجودة في الحقيبة لاستعمالات طبيّة تباع بشكل قانوني من الصيدليات. وللتحقّق أكثر، أجرت حسن اختباراً طبّياً كذّب ادّعاءات موظفي وزير الداخلية، لوران نونيز، الذي يقف بنفسه وراء التسريبات الكاذبة للإعلام، ومعه الناطق الرسمي له. وحدث أول من أمس الخميس أن محامي النائبة أعلن أن العدالة أغلقت ملفّ "المادّة المخدّرة".
هذا التنسيق الذي انكشف إلى العلن بين الداخلية والجهات الإعلامية ملاحقة منظّمة ومرتبة من الحكومة الفرنسية للنائبة ولحزبها (فرنسا الأبية)، ولداعمي الحق الفلسطيني، ومن يقف ضد حرب الإبادة. يضاف إلى هذا كله ما حصل قبل أسابيع في مؤتمر للنائبة الأوروبية في مدينة ليون، دعا إليها طلاب العلوم السياسية، إذ شهد الحي القريب لانعقاد المؤتمر تظاهرة لليمين المتطرّف الذي وجد جنباً لجنب مع جمعية نسوية حديثة التشكيل، مقرّبة من مليشيات منظّمة الدفاع اليهودي "بيتار"، الإرهابية المعروفة في الكيان والممنوعة في الولايات المتحدة وليس في فرنسا، ورغم أن أي تظاهرة تتطلب الموافقة من وزارة الداخلية، وتكون الشرطة حاضرة بشكل إجباري، كانت هذه التظاهرة غريبة إذ لم يكن هناك أي وجود بوليسي؟ أدت مشادات مفتعلة فيها إلى مقتل شاب من التنظيم النازي في ظروف غامضة امتنع المدعي العام عن التصريح بها وكذلك فعلت أجهزة الشرطة، وبدأ تطبيل الإعلام الفاشي بالربط بين مقتل شاب بسبب انعقاد مؤتمر تحضره النائبة ريما حسن، مطالبين بمنع انعقاد المؤتمرات في الجامعات، وهو ما يريد اللوبي الحصول عليه. وكما عادة هذا الإعلام الصهيوني المتواطئ مع حرب الإبادة على غزّة بطريقة بشعة، لم يتحدّث عن تاريخ الشاب الفاشي الذي امتنعت عائلته عن حضور التشييع، بسبب وجود أصدقائه في التنظيم اليميني الإرهابي المعروفة علاقاته الوطيدة بالمنظمات الصهيونية، ومنها رابطة الدفاع اليهودي "بيتار" التي تدير الهجمات المنظمة في التظاهرات الداعمة للشعب الفلسطيني وغزّة.
أكثر ما يزعج المنظمات الصهيونية خطاب ريما حسن الخالي من الهجوم والعنف، المهني في القانون الدولي
انكشاف تورّط وزارة الداخلية في تسريب محتويات حقيبة النائبة الأوروبية إلى الإعلام كان فضيحة لوزيري العدل جيرالد دارمنان والداخلية لوران نونيز الذي قدّم اعتذراً عما حصل من وزارته، لكن زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلينشون لم يصمت على ما يجري للنائبة من الحزب، وأدان بشدّة ما سمّاه القمع السياسي الذي يتعرّض له المدافعون عن الشعب الفلسطيني، خصوصاً الهجمة والملاحقة الممنهجة ضد ريما حسن منذ عامين. ومن منبر الجمعية الوطنية، وقف النائب من "فرنسا الأبية"، توما بورت، موجّهاً كلامه إلى الحكومة ووزرائها وأحزابها بقوله "رفيقتنا النائبة الأوروبية ريما حسن تعرضت لاستدعاء غير قانوني وجائر، لا يليق ببلد قانون، تستهدفها ملاحقة قانونية سياسية وإعلامية منذ عامين بسبب التزامها بالوقوف ضد حرب الإبادة الجماعية في غزّة، والتي تشهد على الاختفاء التدريجي للقانون، في ظل حكم إيمانويل ماكرون". وأدان النائب التزام فرنسا الصمت في الوقت الذي يتوسّع فيه الاستيطان والاعتداء الإسرائيليان في الضفة الغربية ولبنان. وبدل اتخاذ فرنسا إجراءات ضد هذه الممارسات، تعتمد الحكومة أساليب مختلفة لملاحقة داعمي الشعب الفلسطيني وتجريمهم. كذلك اعتبرت صحيفة لوكانار أونشينيه ما حصل لريما حسن فضيحة حكومية، وتوجّهاً إلى القيام بحملة منظمة ومنسقة بين عدة أطراف، في طليعتها اللوبي الصهيوني المتغطرس والإعلام ضد أهم حزب من المعارضة لتشويه حزب فرنسا الأبية وإفشاله قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2027.
لقد وصلت الشرطة السياسية التي تلاحق المدافعين في فرنسا عن الشعب الفلسطيني إلى مدىً فادح من الانحطاط في المضايقات والملاحقات القضائية والإعلامية، وإلى مستوى مخيف في بلدان تدّعي الديمقراطية، وتتباهى بحقّ حرية التعبير وتدّعي عدم نسيان جرائم الماضي وعدم تكرارها، لكنها تستخدم كل الطرق والوسائل لحصار (وخنق) حرية التعبير والدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي يباد ويهجّر من أرضه. وكثيرون ممن يديرون هذا، في فرنسا (غيرها) منحدرون من عوائل فقدت في جرائم الحرب العالمية الثانية التي أقسم الأوروبيون عدم نسيان ما حصل خلالها، لكن جمعيات عديدة هي من ترفع الشكاوى وتتواصل مع الجهات الحكومية، خصوصاً الغربية، لمنع الأنشطة الداعمة للشعب الفلسطيني والمناهضة للحرب عليه، فقد تكالبت وبالأسماء ومن دون أي صدىً لاحتجاج حكومي او إعلامي: الرابطة الدولية لمكافحة العنصرية ومعاداة السامية والمنظمة الأوروبية اليهودية والمرصد اليهودي بالتحريض والعمل على منع سفر ريما حسن إلى كندا للقاء النائبين هارون بوازي وربى غزال عن حزب كيبك سوليدير اليساري، بحجة أنها توظف الطلبة في جامعات العلوم السياسية لصالح "الإرهاب ودعم حماس".
الحراك الحكومي في فرنسا للحدّ من توسع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني ومع أهلنا في غزّة يعبر عن ارتباك وخوف واضح أمام تقدّم السردية الفلسطينية
أكثر ما يزعج هذه المنظمات الصهيونية خطاب ريما حسن الخالي من الهجوم والعنف، المهني في القانون الدولي، وخطاب التمرّس في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية بضوابطه، وبتجربتها العملية في مؤسّسات دولية. وللأمر نفسه، تحظى النائبة باحترام رفاقها وزملائها في حزب فرنسا الأبية الذين يساندونها ويدعمونها كلياً في التعبير عن التزامها بقضية شعبها وبأصولها الفلسطينية ومعاناة أجيال بضمنها عائلتها في خيام اللجوء في سورية. وقد دفعت هذه الهجمة الشرسة ضد النائبة زملاء لها إلى التعبير عن غضبهم وتأثرهم من تعامل اللوبي ومنظّماته ومراجعهم الدينية مع ريما، ومع ما يحدُث لشعبها. كتبت النائبة كليمنس غيتا: تخيلوا لحظة أن يتهم شخص من الناجين من معسكر أوشفيتز بتمجيد الإرهاب!. فرنسا المريضة بالسرطان الصهيوني تتهم واحدةً من ضحايا النكبة، الهولوكوست الذي سبّبه أبناء يهود معسكرات الاعتقال. ومع ذلك، كل من هو ضد ريما حسن ومنذ بداية عملها من أجل فلسطين في ميدان السياسة، هم وبدرجات متفاوتة من أبناء ضحايا النازية!. هل يعتقد اليهود أنهم الوحيدون الذين لهم الحق الإلهي لإدانة جلادي أسلافهم دون الآخرين؟ وكتبت غيتا تقول: لقد أسّس هرتزل الصهيونية منذ مؤتمرها الأول في بازل، وأعطى وصاياه "لإنهاء وجود الفلسطينيين" التي تبنّاها رجال الدين اليهود، بدليل عدم إدانتهم ما حصل ويحصل، هؤلاء الذين اقترفوا أعمال إرهاب في فلسطين هم من يحكمون اليوم على ريما حسن بتمجيد الإرهاب!؟ منهم النائبة كارولين يادان التي تتفاخر بنتنياهو وبالجيش الموصوف كذباً "الأكثر أخلاقية" صاحب إبادة القرن ضد الشعب الفلسطيني، تتجرّأ هذه، وتقترح قانوناً لاعتبار نقد إسرائيل وحكومتها الإجرامية ورئيس وزرائها مجرم الحرب جريمة في القانون الفرنسي، ليقف بوجهها حزب فرنسا الأبية، ويجمع أكثر من نصف مليون توقيع لمناقشة تمرير التصويت على مقترح القانون، وأكثر من سبعمائة ألف صوت لإنهاء الشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال ومستوطناتها الإرهابية.
الحراك الحكومي في فرنسا، كما في أوروبا والولايات المتحدّة، للحدّ من توسع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني ومع أهلنا في غزّة يعبر عن ارتباك وخوف واضح أمام تقدّم السردية الفلسطينية التي يتبنّاها المواطن الغربي العادي، كما السياسيون والإعلاميون أكثر وأكثر. إنها حملة لمواجهة جرف التيار الذي بدأ مع "7 أكتوبر" (2023)، ويتسع يوماً بعد آخر، وعاماً بعد عام، والشعور بطوفان هذا التغيير أصبح حقيقة ملموسة في أنحاء العالم.

أخبار ذات صلة.
مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
الشرق الأوسط
منذ 49 دقيقة