عربي
في اليوم الذي أوردت فيه الأخبار نبأ سقوط طائرة أميركية ثانية من طراز A10 فوق مضيق هرمز، عقب ساعات من سقوط طائرة F15، الأولى، فوق الأراضي الإيرانية، ضمن العمليات الأميركية الإسرائيلية هناك، كتب أحد متابعي صفحة وكالة الأنباء الصينية على الإنترنت ممن خلطوا بين الطائرتين، محاولاً تصحيح ما اعتبره خطأ من الوكالة الصينية في نقل المعلومة، ليقول إن "المقاتلة الصليبية التي سقطت هي من طراز F15 وليس A10 أيها البوذيون الكفرة".
تذكّرك تلك العبارة التي تصنّف الناس على أساس أديانهم، لا قومياتهم ولا طبقاتهم ولا مواقفهم السياسية ولا تاريخهم المعاصر، بما جرى في الليلة التي سبقتها حين احتفل بعض مشجّعي منتخب إسبانيا بفريقهم بعد انتهاء مباراته الودّية مع منتخب مصر، تحضيراً لمشاركة الفريقين في كأس العالم المقبلة، بأن راحوا يتقافزون داخل المدرّجات وهم يهتفون :"من لا يقفز يكون مسلماً"؛ أي إن من لا يقفز يكون في نظرهم منحازاً إلى الفريق الخصم. وهذا يعني أنهم ينظرون إلى منتخب مصر فريقاً من المسلمين، لا فريقاً مصرياً ولا عربياً (ولا فرعونياً كما يلقب المنتخب المصري نفسه)، ولا حتى شرق أوسطياً يعيش حالة صراع واحتقان في منطقة متوترة بدا أخيراً أن الحكومة الإسبانية تدعم قضاياها. لا، كل ما في الأمر أنهم يصنفون الناس على أساس أديانهم، فالمنتخب الخصم في المباراة في رأيهم "فريق من المسلمين"، ليس إلا، متناسين أن نجم فريقهم الأول، الإسباني من أب مغربي الأمين جمال مسلم هو أيضاً، وقد خرج من الملعب غاضباً بعد أن سمع تلك الهتافات العنصرية من دون أن يشارك زملاءه تحية الجماهير.
وليس بعيداً عن هذه التصنيفات ما يذهب إليه قادة دولة اعتقدنا سنوات طويلة أنها تأسّست على المساواة القانونية والعدالة في حقوق الإنسان، مثل الولايات المتحدة التي انتهى بها الأمر إلى أن تخوض حربها في الشرق الأوسط بإيحاءاتٍ دينية، فيجتمع رجال دين حول رئيسها في البيت الأبيض لمباركته، ثم تشبّهه إحداهن بالمسيح، بينما يبرّر سفيرها في تل أبيب خطط إسرائيل للاستيلاء على الأراضي العربية بأن الربّ منحهم إياها، هذا بينما يشم وزير حربها يده بكلمة "كافر" بالعربية.
مناطحة الأديان بغرض هزيمتها وإخراجها من الوعي الإنساني تشبه مناطحة صخرة قاسية بقرنين من البلاستيك
لا بأس لو قاد اختلاف الناس في الدين إلى تعارفهم على أساس ثقافي، كما مؤدّى الآية القرآنية "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا". المشكلة أنه تصنيف ذو غرض عنصري فوقي، فالإشارة إلى دين الآخر يرمي إلى التقليل منه، لأن العنصري يرى الآخرين أدنى منه بسبب قناعاتهم الدينية، كما لو أن قناعاته هو حقيقة دامغة مطلقة بينما قناعاتهم تصدُر عن قصر نظر وقلة فهم وغباء. وهكذا يكون مبرّراً أن يخسر الآخر مباراة كرة القدم، لأنه أقلّ جودة رياضية، وأن يخسر أرضه لأنه أقل استحقاقاً لها، وأن يخسر حياته لأنه شرّير يستحق الموت.
لا يكون الحل بالقضاء على الأديان، ولا تخليص الناس من إيمانهم كي يصيروا جميعاً متساوين، بل بإعادة تعريف تلك الأديان بوصفها وعاءً ثقافياً. الأديان ضاربة في عمق ثقافات البشر المعاصرين، ويمكن استعمالها كالسيف ذي الحدّين: إما للكراهية وإما للتفاهم، وما يجري في العالم اليوم هو استعمالها للغرض الأول؛ المظلم، فهناك قتل على أساس الدين، واعتداءات على أساس الطائفية، وصلف وفوقية وظلم على أساس أنواع الإيمان، تماماً كما ثمة مثل ذلك على أساس العرق والأصل واللون، غير أن الأديان تمنح لصاحبها إذناً إلهياً متخيلاً لارتكاب الفظائع، بدعوى الدفاع عن أوامر الرب المفترضة وطلب مرضاته وبركاته، وهو عنصر غير متوفر في الفظائع القومية والعرقية لأن ذرائعها في حماية الوطن والدفاع عن الأمة تظل دنيوية الطابع.
هناك قتل على أساس الدين، واعتداءات على أساس الطائفية، وصلف وفوقية وظلم
في هذه المرحلة التاريخية التي يعبرها تطوّر الوعي البشري، ثبت أن مناطحة الأديان بغرض هزيمتها وإخراجها من الوعي الإنساني تشبه مناطحة صخرة قاسية بقرنين من البلاستيك، بخاصة في المجتمعات الأكثر محافظة ومنها مجتمعات في دول صناعية كما في دول نامية. الحل يكمن في إعادة صياغة التعامل مع الأديان سواء للمتدينين أو لغيرهم، عبر الاعتراف بأنه وعاء ثقافي يعبّر عن هوية الأمة، أي بإضفاء طابع ثقافي جمعي إضافي يفيض عن حدود الفقه والشعائر والمعاملات باعتبارها أحكاماً للثواب والعقاب بعد الموت، وهكذا يظل المتدين على دينه؛ مسلماً أو مسيحياً أو غير ذلك، ويصير غير المتدين كذلك باعتبار الدين هوية ثقافية لا مسألة إيمانية فحسب. والأهم أن الدين لا يكون باباً لإدانة الآخر واتهامه في فهمه وذكائه ومعتقده، على اعتبار أنه يؤمن بخرافات، بل يصير منظومة ثقافية تشرح القيم المشتركة للأمة وتاريخها وفلكلورها.
صحيح أن من يستعمل الدين لأغراض عدوانية، خصوصاً على مستوى الجيوش والدول، لن يتوانى عن استعمال أي ذريعة أخرى سعياً لتحقيق أغراضه السياسية أو التوسعية، لكن التوظيف الثقافي للأديان سيمنع على الأقل أن يتقافز مجموعة من الصبية والمراهقين وقليلي العقل أمام فريق كرة قدم مردّدين: "من لا يقفز يكون مسلماً"، متناسين أنهم مجموعة من اللاعبين المشاركين في كأس العالم ليس إلا، ولا يقرأ امرؤ مسترخٍ على كرسيه الدوافع الدينية المتخيلة وراء بث الأخبار؛ فذاك يقول هذا لأنه بوذي، وهذا يقول ذاك لأنه مسيحي، لا لأنهم صحافيون ينقلون الأخبار لا غير.

أخبار ذات صلة.
مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
الشرق الأوسط
منذ 52 دقيقة