عربي
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة خصوصاً تلك المرتبطة بالحرب في المنطقة، وما رافقها من توتر في ممرات الطاقة العالمية، يتصاعد الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي الكبرى، وفي مقدمتها مشروع "البحار الأربعة" الذي تحدث عنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال زيارته أمس الخميس إلى أنقرة، عنواناً لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين سورية وتركيا.
ويتقاطع هذا المشروع مع مبادرات تاريخية ومعاصرة مثل "طريق الحرير" و"خط التنمية" و"سكة حديد الحجاز" و"التابلاين"، ويعكس محاولة لاستخلاص فوائد من الحرب، وتحويلها من نقمة إلى "فرصة" وفق تعبير المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك.
وتشير التصريحات خلال المؤتمر الصحافي بين الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان، إلى تحول نوعي في العلاقات الثنائية، يقوم على توسيع التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والبنية التحتية، بما يضع الأساس السياسي لمشاريع عابرة للحدود، في مقدمتها "البحار الأربعة"، الذي يهدف إلى ربط الخليج العربي وبحر قزوين بالبحر المتوسط والبحر الأسود عبر شبكة متكاملة من الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية.
ويتجاوز هذا الطرح التعاون الثنائي ليشكل جزءاً من رؤية إقليمية أوسع، خاصة مع انخراط أطراف أخرى مثل أوكرانيا، التي أبدت استعدادها للتعاون في مجالات الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، ضمن مقاربة متعددة الأطراف تعزز من أهمية سورية ممراً لوجستياً.
من الفكرة القديمة إلى الحاجة الجديدة
وقال الصحافي الاقتصادي فؤاد عبد العزيز لـ "العربي الجديد" إن "مشروع جسر البحار الأربعة هو اقتراح طرحه الرئيس التركي السابق عبد الله غول عام 2009، خلال زيارته لسورية ولقائه بالرئيس المخلوع بشار الأسد، وكان يريد منه تعاوناً غير محدود بين أنقرة ودمشق، لكن الفكرة لم تنتعش بسبب الحرب في سورية، وتعقيدات المشهد الإقليمي".
وأضاف عبد العزيز إن "عودة مشروع البحار الأربعة إلى الواجهة، تبدو خياراً استراتيجياً يفرض نفسه في ظل التحولات الجيوسياسية وأزمات الطاقة العالمية المتسارعة، حيث تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة نقل الطاقة"، معرباً عن اعتقاده بأن الظروف الحالية تجعل المشروع أقرب إلى الواقعية بسبب تزايد المخاطر في الممرات البحرية التقليدية، وحاجة أوروبا إلى مصادر طاقة بديلة بعد تراجع الاعتماد على روسيا، وسعي تركيا لتكريس دورها مركزاً عالمياً للطاقة، فضلاً عن حاجة سورية لمشاريع اقتصادية استراتيجية تعيد تنشيط دورها الإقليمي.
وأعادت الحرب في المنطقة تسليط الضوء على هشاشة الممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز ومع التهديدات المتكررة تاريخياً بإغلاقه، برزت الحاجة إلى بدائل برية، ما أعاد إحياء مشاريع قديمة مثل خط "كركوك - بانياس" و"التابلاين"، إضافة إلى طرح مسارات جديدة لنقل النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا عبر سورية.
وفي هذا السياق، تبرز سورية خياراً جغرافياً منطقياً، نظراً لموقعها الذي يربط بين آسيا وأوروبا، وإطلالتها على البحر المتوسط. كما أن مشاريع مثل إعادة إحياء سكة حديد الحجاز وربطها بالشبكة التركية تعزز من فكرة تحولها إلى عقدة نقل إقليمية. ولا تقتصر هذه الطروحات على نقل الطاقة، بل تشمل بناء منظومة لوجستية متكاملة. فالمشاريع المطروحة تتضمن نقل النفط والغاز، إلى جانب إنشاء ممرات سريعة لنقل الغذاء والبضائع، وهذا يعكس تحولاً في التفكير نحو تقليل الاعتماد على النقل البحري وتعزيز الممرات البرية.
بين الطموح الاقتصادي وتعقيدات التنفيذ
وقال مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة القاضي لـ "العربي الجديد" إن "مشروع البحار الأربعة الذي طُرح خلال فترة الرئيس التركي عبد الله غُول، يحمل رؤية إقليمية طموحة لربط بحار المتوسط بالأسود وقزوين والخليج، بينما يأتي مشروعنا الوطني 4+1 الذي طرحتُه مع بداية أزمة مضيق هرمز والذي لاقى ترحيباً وطنياً وإقليمياً وعالمياً ليعزز هذه الرؤية من خلال وضع سورية في قلب هذه المنظومة، ليس ممراً للطاقة وحسب، بل مركزاً متكاملاً يربط بين البر والبحر والسكك الحديدية والأمن الغذائي، بما يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والاستقرار في المنطقة".
وأضاف القاضي وإذا كان مشروع البحار الأربعة يربط البحار، فإن "مشروع 4+1 الوطني يربط الاقتصادات فيما بينها، ويجعل من سورية القلب النابض لهذه المنظومة، ويضعها في مركز شبكة متعددة من الوسائط (بحرية وبرية وسككية)". وأضاف: "أجد أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تنافس، حيث يعزز كل مشروع الآخر لتحقيق الاستقرار والتنمية الإقليمية".
وأعرب القاضي عن أمله في أن تكون "أولى ثمرات التفاهمات التركية السورية الاقتصادية هي تسهيل حركة تصدير البضائع السورية من حلب عبر ميناء إسكندرون الذي يعد الميناء الطبيعي لمدينة حلب حوالي 155 كيلومتر براً وتصله الشاحنات خلال ساعتين مما ينشط حركة التصنيع السورية في مدينة حلب قلب الصناعة السورية".
وكان مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية طرح نهاية مارس/آذار الماضي مبادرة استراتيجية تهدف إلى إنشاء ممرات برية بديلة لنقل الطاقة، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها ممرات الإمداد العالمية، بما يحد من الاعتماد على مضيق هرمز.
وتقوم المبادرة المسماة (4+1) على تطوير شبكة قطارات سريعة حديثة وإحياء أنابيب النفط التاريخية "التابلاين"، بهدف تحويل الجغرافية السورية والسعودية إلى منصة لوجستية تربط بين آسيا وأوروبا. كما يتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز كجزء من الشبكة الحديثة، باتجاه تأمين تدفق نحو سبعة ملايين برميل نفط يومياً عبر مسارات برية آمنة.
ويرى مراقبون أنه رغم الجاذبية النظرية لهذه المشاريع، فإنها تصطدم بواقع معقد، مثل البنية التحتية في سورية التي تعرضت لدمار واسع، وتتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها. إضافة إلى أن نجاح هذه المشاريع يتطلب استقراراً سياسياً وأمنيا طويل الأمد، وهو شرط لم يتحقق بالكامل بعد.
