عربي
يستعد البرلمان العراقي لعقد جلسة حاسمة غداً السبت، لانتخاب رئيس للجمهورية في خطوة تهدف إلى كسر حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد منذ أشهر، غير أنّ مؤشرات التوافق بين القوى السياسية لا تزال ضعيفة، ما يضع الجلسة أمام احتمالات التعثر أو التأجيل. وأعلن مجلس النواب العراقي، مساء أمس الخميس، جدول أعمال جلسته رقم 17، محدداً فقرة واحدة تتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، على أن تنعقد عند الساعة الحادية عشرة صباحاً بالتوقيت المحلي، في محاولة لاستكمال الاستحقاقات الدستورية المتأخرة.
وتأتي الخطوة في ظل أزمة سياسية ممتدة، أدخلت العراق في فراغ دستوري تجاوز مهله الزمنية، إذ مضى نحو 70 يوماً على تجاوز الاستحقاق الدستوري، وأكثر من 140 يوماً من دون تشكيل حكومة جديدة، وسط تحديات أمنية واقتصادية متصاعدة تضغط على المشهد الداخلي.
ورغم التعقيدات، أعلنت قوى سياسية رئيسية عزمها حضور الجلسة، في إشارة إلى محاولة توفير النصاب القانوني. وأكد تحالف "قوى الدولة الوطنية" بزعامة عمار الحكيم حضوره الكامل، معتبراً أن انتخاب رئيس الجمهورية "استحقاق دستوري لا يحتمل التأجيل"، ومشدداً على ضرورة إنهاء حالة الانسداد السياسي.
كما أعلن حزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي التزامه بحضور جميع نوابه، كما أكدت كتلة "الإعمار والتنمية" التي يتزعمها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مشاركتها الكاملة، داعية إلى "تغليب منطق الدولة وتجاوز الخلافات السياسية لضمان استقرار المؤسسات". هذه المواقف تعكس رغبة معلنة لدى بعض القوى في دفع العملية السياسية إلى الأمام، إلا أنها لا تعني بالضرورة وجود اتفاق فعلي على المرشح، وهو ما يظل العقدة الأساسية أمام نجاح الجلسة.
في المقابل، برزت مواقف معترضة على عقد الجلسة من دون توافق مسبق، أبرزها ما صدر عن نائب رئيس البرلمان العراقي فرهاد الأتروشي، وهو قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي حذر في بيان من أنّ "المضي في جلسة انتخاب الرئيس في ظل غياب التفاهمات قد يؤدي إلى تعميق الخلافات بدلاً من حلّها".
وأشار إلى أنّ "القوى السياسية ما زالت بحاجة إلى مزيد من الحوارات للوصول إلى مرشح يحظى بقبول واسع"، لافتاً إلى أنّ "الخلافات لا تقتصر على منصب رئيس الجمهورية، بل تمتد أيضاً إلى منصب رئيس الوزراء، الذي لم يُحسم اسمه حتى الآن". ويعكس هذا الموقف حجم التعقيد في المشهد السياسي، حيث تتداخل الاستحقاقات الدستورية مع حسابات التوازنات الحزبية والقومية.
وتتمحور أبرز نقاط الخلاف حول المرشح الكردي لمنصب رئيس الجمهورية، الذي جرت العادة أن يكون من حصة القوى الكردية، إلا أن الانقسام بين الحزبين الرئيسيين ما زال قائماً. وبحسب مصدر سياسي مطلع، فإنّ "الحزب الديمقراطي الكردستاني ما زال متمسّكاً بمرشحه للمنصب فؤاد حسين، في حين يصرّ حزب الاتحاد الكردستاني على مرشحه نزار آميدي، دون أن يبدي أي طرف استعداداً للتنازل حتى الآن".
وأكد المصدر، لـ"العربي الجديد"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أنّ "الاتصالات لا تزال مستمرة في الساعات الأخيرة قبل الجلسة، إلا أنّ التوافق لم يتحقق بعد، ما يجعل احتمالات فشل انعقاد الجلسة أو تأجيلها قائمة بقوة". ولا يقتصر التعقيد على الخلاف الكردي، إذ يواجه "الإطار التنسيقي" الشيعي بدوره صعوبات في حسم مرشح رئاسة الوزراء، ما يضيف تعقيدات أخرى على المشهد.
ووفق معطيات سياسية، تراجعت حظوظ عدد من الأسماء المطروحة سابقاً، من بينها نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، مع تصاعد الحديث عن البحث عن مرشحين جدد قد يشكّلون مخرجاً توافقياً للأزمة. هذا التداخل بين مساري اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء يجعل من الصعب الفصل بين الاستحقاقين، رغم أن انتخاب الرئيس يمثل المدخل الدستوري لتكليف رئيس الحكومة.
في ظل هذه المعطيات، تبدو جلسة البرلمان العراقي السبت أمام سيناريوهات ثلاثة رئيسية، بحسب المصدر المطلع، مبيناً أنّ "السيناريو الأول هو نجاح القوى السياسية في تأمين النصاب والمضي بالتصويت رغم غياب التوافق الكامل، والثاني هو انعقاد الجلسة دون التمكن من انتخاب رئيس بسبب الانقسام، أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً، فيتمثل بتأجيل الجلسة لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات".
وفي الأحوال كلها، يبقى استمرار الفراغ السياسي مصدر قلق متزايد، مع تحذيرات من تأثيره على الاستقرار الأمني والاقتصادي، في بلد يواجه تحديات داخلية وإقليمية معقدة. ويبدو أنّ حسم هذا الاستحقاق لن يكون ممكناً من دون تسوية سياسية شاملة، تتجاوز الخلافات الحالية وتعيد ترتيب التوازنات بين القوى الرئيسية، بما يسمح بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة وإنهاء واحدة من أطول أزمات الانسداد السياسي في البلاد.
وتبرز أهمية جلسة البرلمان العراقي السبت، التي خُصصت لانتخاب رئيس للجمهورية، في كون الدستور نصّ على أن يتم تكليف رئيس الوزراء فيها من قبل رئيس الجمهورية المنتخب، وهو ما يجعل أهميتها تتجاوز مجرد اختيار الرئيس، رغم أن الدستور العراقي لم يمنح هذا المنصب صلاحيات تنفيذية واسعة. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الخلافات الحادة بين القوى السياسية حول مرشح رئاسة الجمهورية، إضافة إلى الخلافات المستمرة على مرشح "الإطار التنسيقي" لمنصب رئاسة الوزراء، ما يعكس عدم وجود توافق واضح بين الأطراف الكبرى على تشكيل الحكومة الجديدة.
الخبير بالشأن السياسي العراقي مجاشع التميمي أوضح لـ"العربي الجديد" أّن "احتمال نجاح جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية غداً السبت ضعيف"، مرجعاً ذلك إلى "عدم حسم أزمة اختيار رئيس الوزراء الذي يوجب الدستور تسميته في نفس جلسة اختيار رئيس الجمهورية، إضافة إلى أنّ نصاب الثلثين يمنح الكتل قدرة التعطيل إذا لم يتحقق توافق واسع، وهو ما يزال غائباً حتى الآن".
استمرار الخلافات بين الحزبين الكرديين، بالتوازي مع الانقسام داخل قوى "الإطار التنسيقي" نفسها، يعزز احتمالات تأجيل الجلسة مجدداً. ويوضح ذلك السياسي العراقي الكردي ياسين عزيز لـ"العربي الجديد"، مشيراً إلى عدم التوصل إلى أي اتفاق بين الحزبين الكرديين على منصب رئاسة الجمهورية.
واعتبر عزيز أنّ إمكانية عقد الجلسة السبت "بعيدة"، مبيناً أنّ "الخلافات ما تزال قائمة بين الأحزاب الكردية على منصب رئيس الجمهورية، وليس هناك تواصل جدي بين الحزبين الرئيسيين لحسم هذا الموضوع، كما لا تزال الخلافات العميقة في ما يتعلق بمرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الحكومة مستمرة، وسط أفكار مختلفة لإيجاد مخرج لم يُحسم حتى الآن".
وأضاف أنّ "ظروف الحرب الدائرة في المنطقة وتأثر العراق بها تبدو عائقاً كبيراً أمام حسم الخلافات، لا سيما المتعلقة برئاسة الحكومة، لا سيما أنّ أطراف الحرب لها آراء متناقضة بشأن مرشح الإطار، ولهذا تشير التوقعات إلى تأجيل حسم المناصب الرئاسية إلى ما بعد انتهاء الحرب".
وعلى الرغم من وجود 13 مرشحاً يتنافسون على منصب رئاسة الجمهورية، تبقى المنافسة محصورة بين مرشحَي الحزبين الرئيسيين؛ نزار آميدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، ووزير الخارجية الحالي فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.
