يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
بينما تنفس العالم الصعداء مع إعلان “هدنة الأسبوعين” بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية (7-8 أبريل/نيسان 2026)، تبرز صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي كـ “بقعة عمياء” في خارطة التهدئة الإقليمية.
ففي الوقت الذي بدأت فيه قعقعة السلاح تخبو في مياه الخليج العربي عقب الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز، لا تزال طبول الحرب تقرع بقوة في باب المندب، مما يطرح سؤالاً استراتيجياً ملحاً: هل باتت جماعة الحوثي “لاعباً مستقلاً” يملك أجندة تتجاوز سقف التفاهمات الإيرانية-الأمريكية؟ أم أنها مجرد “خنجر احتياطي” تُبقيه طهران مغروساً في خاصرة الملاحة الدولية لتحسين شروط التفاوض القادم في إسلام آباد؟

مفارقة “هرمز” و”المندب”
وضعت الهدنة الأخيرة المنطقة أمام مشهد سريالي؛ ففي حين وافقت إيران على خفض التصعيد مقابل تجميد ضربات واشنطن على أهداف داخل أراضيها، جاءت تصريح علي العماد عضو المكتب السياسي للحركة عبر وكالة “تسنيم” الإيرانية لتؤكد أن “جبهة اليمن” مرتبطة بوقف شامل “للعدوان على كافة جبهات المقاومة”، وهو مصطلح فضفاض يمنح الجماعة مرونة للمناورة بعيداً عن قيود الهدنة الرسمية.
وألمح محمد علي الحوثي القيادي البارز في الحركة وعضو المجلس السياسي الأعلى لهيئة حكم الأمر الواقع في مناطق سيطرة الحوثيين إلى تصعيد الهجمات ضد إسرائيل دعماً لحزب الله في لبنان. في الوقت الذي أعلنت فيه الفصائل العراقية في وقت مبكر يوم الأربعاء الالتزام بالهدنة.
في بيان التدخل الأول في 27 فبراير/شباط حددت الحركة دوافع عمليتها الجديدة في البحر الأحمر، وربطت وقف العمليات بوقف “العدوان على إيران ودول محور المقاومة، ورفع العقوبات عن اليمن”؛ مهددين بنفس الوقت من استخدام العقوبات كأداة ضد الجماعة لثنيها عن دعم المحور واستخدام الملاحة في البحر الأحمر والأمن الإقليمي كرافعة سياسية لتحسين شروطها للخروج من الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرتها، وتعوّل على “رضوخ” دول الخليج للتهديدات ودفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتهم والتي يقولون إنها مليارات الدولارات.
كان تدخل الجماعة في الحرب ببطء وتدريج حتى لا تجلب الحركة لنفسها غضباً دولياً في مراحله الأولى، وفي نفس الوقت يحاول الحوثيون فرض واقع سياسي جديد، مفاده أن قرار السلم والحرب في البحر الأحمر يُصنع في صنعاء وليس في طهران على الرغم من أن تدخلهم العسكري جاء بطلب مباشر من إيران مع بدء المفاوضات الإيرانية والأمريكية بوساطة باكستان. ومن منظور استراتيجي، هذا السلوك يخدم الطرفين؛ فهو يمنح إيران “نفي القابلية للتحكم” أمام واشنطن، بينما يمنح الحوثيين فرصة للظهور كقطب إقليمي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
الحوثيون.. الاستثناء الخطير
تكمن خطورة تحويل الحوثيين إلى “استثناء” من الهدنة، إلى إبقائهم كحالة قلقة لأمن المنطقة والتجارة الدولية، وهو ما يعكس حاجة إيرانية في ظل التفاوض المعقد الذي سيحدث في إسلام أباد خلال الأسبوعين القابلين للتمديد. وقبل الإعلان عن الهدنة حذر علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الأسبق ومستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، من أن “جبهة المقاومة” قد تستهدف مضيق باب المندب في البحر الأحمر.
واستمر الحوثيون في التهديد بإغلاق مضيق باب المندب، وقال مستشار المجلس السياسي الأعلى للحوثيين عبدالله النعيمي إن الحركة تضع باب المندب في خياراتها للتصعيد من أجل الضغط على الاقتصاد العالمي.
وتعكس التهديدات الأخيرة بإغلاق باب المندب رغبة حوثية في انتزاع اعتراف دولي مباشر، بالتواصل مع الحركة لتأمين مرور السفن كما فعلت إيران في مضيق هرمز، بعيداً عن عباءة الوساطة العمانية التقليدية أو الإملاءات الإيرانية اللحظية.
ويشير ربط الحوثيين تهديد الملاحة بملفات إقليمية معقدة (غزة، لبنان، والعقوبات على مناطق سيطرة الحركة)، فإنهم يضعون واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما توسيع الهدنة لتشمل مطالب الحركة السياسية والاقتصادية (الرواتب والموانئ والمطار)، أو إبقاء الملاحة الدولية معلقة تحت تهديد “زناد الحوثيين” الذي يتحرك دعماً لكل جبهة مفتوحة في الإقليم؛ وسيُحمل الحوثيون الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة رغم هدوء جبهة طهران.
وقال مسؤول من الحوثيين في صنعاء لـ”يمن مونيتور” إن الرياض تبرر رفضها المضي قدماً في خارطة الطريق الأممية بأنها مخاطرة بالوقوع في “العقوبات الأمريكية ورفض الولايات المتحدة”. وصنفت إدارة ترامب الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية بشكل كامل، وهو مسار بدأت دول في الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا المضي فيه.
كما أن بقاء الحوثيين في حالة “حرب مفتوحة” بحرياً، بينما الجيران يسعون للهدوء، ينسف جهود المبعوث الأممي ويجعل من فكرة “السلام اليمني” رهينة لصراع إقليمي أكبر لم ينتهِ بعد، بل دخل مرحلة جديدة من استخدام الملاحة الدولية كرافعة سياسية لتحقيق المكاسب في وقت يبقى خصوم الحوثيين في حالة من الفوضى الداخلية مع استمرار الجماعات التابعة للإمارات في العمل منفردة رغم إخراجها من التحالف ومن اليمن، رافضين توحيد القوات.
يشير مسؤولون في صنعاء إلى أن الجماعة تراهن على أن واشنطن (في ظل إدارة ترامب الحالية 2026) لن تجازف بفتح جبهة برية في اليمن أثناء انشغالها بتثبيت الهدنة مع إيران؛ وانشغال الحزب الجمهوري بالانتخابات النصفية. هذا “التقدير الخاطئ” قد يقود الجماعة إلى مقامرة كبرى في حال قررت واشنطن أو تل أبيب توجيه ضربات على صنعاء وصعدة كرسالة لطهران بأن “الوكلاء” ليسوا خارج نطاق الحساب.
The post هدنة “تحت النار”: هل يتحول الحوثيون إلى “استثناء” في تفاهمات واشنطن وطهران؟ appeared first on يمن مونيتور.
أخبار ذات صلة.