عربي
ليس لأننا عاجزون، ولا لأن في تكويننا نقصاً ما، بل لأننا ببساطة لم نسمح للعقل أن يكون حراً أصلاً. نحن نحتفي بالعقل في الخطاب، ونخافه في الواقع. نُدرّسه في المدارس كمفهوم، ونحاصره في الحياة كممارسة. وهذا التناقض هو أصل المأزق.
العقل الحر لا يولد في بيئة تخاف السؤال. ونحن، عبر قرون طويلة، صنعنا ثقافة تُجيد الإجابة أكثر مما تُجيد طرح الأسئلة. الإجابة تمنح الطمأنينة، أما السؤال فيُقلق. ولذلك، تم ترويض العقل العربي منذ وقت مبكر ليكون عقلاً مُجيباً لا مُفكّراً، عقلاً يُعيد إنتاج المعنى لا يُعيد خلقه.
المشكلة ليست في الدين، كما يُروّج البعض، بل في الطريقة التي تحوّل بها الدين إلى سلطة مغلقة. حين يصبح النص مقدّساً والفهم مقدّساً معه، يُغلق باب التأويل، ويُجرَّم الاختلاف. وهنا يفقد العقل وظيفته الأساسية: الشك، والمساءلة، وإعادة النظر. لم نعد نُميّز بين الإيمان كقيمة روحية، والتفسير كمنتج بشري قابل للنقد. فاختنق العقل بين قداسة النص وسطوة الشرح.
ثم هناك الخوف… الخوف الذي تسرّب إلى كل شيء. الخوف من الخطأ، من المجتمع، من السلطة، من العزلة، من الاتهام. العقل الحر يحتاج إلى شجاعة، لا إلى ذكاء فقط. لكننا ربّينا أجيالاً على السلامة لا على الجرأة، على التكرار لا على المغامرة. فصار التفكير الحر مخاطرة غير محسوبة، بينما الطاعة هي الطريق الأقصر للنجاة.
ولا يمكن تجاهل دور التعليم، ذلك المصنع الذي كان يفترض أن يُنتج عقولاً، فتحوّل إلى آلة لإنتاج نسخ متشابهة. تعليم قائم على الحفظ، لا الفهم؛ على الامتثال، لا النقد. الطالب الجيد هو من يكرر ما قيل، لا من يشكك فيه. وهكذا، منذ الطفولة، يُلقَّن الإنسان أن الحقيقة جاهزة، وأن دوره ليس البحث عنها، بل استرجاعها.
لكن ربما الأعمق من كل هذا هو علاقتنا باليقين. نحن شعوب تُحب اليقين، بل تتشبث به. اليقين يمنح راحة، لكنه يقتل الفكر. العقل الحر يعيش في المنطقة الرمادية، في الأسئلة المفتوحة، في القلق الخلّاق. أما نحن، فنخاف هذه المنطقة، فنفرّ منها إلى أجوبة نهائية، حتى لو كانت هشّة.
وهناك أيضاً وهم "الهوية" حين تتحول من سؤال مفتوح إلى قالب مغلق. يُطلب من الفرد أن يكون نسخة من ماضٍ ما، لا مشروعاً لمستقبل محتمل. كل خروج عن السائد يُرى كخيانة، لا كإضافة. وهنا يُخنق الإبداع، لأن الإبداع بطبيعته خرق، لا امتثال.
العقل العربي لم يفشل لأنه أقل قدرة، بل لأنه محاصر داخل منظومة لا تسمح له أن يفشل أو ينجح… فقط أن يطيع. نحن لا نعاني من غياب العبقرية، بل من غياب المساحة التي تسمح للعبقرية أن تُخطئ، أن تُجرب، أن تصطدم.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم ننتج عقلاً حراً؟ بل: من الذي يخاف هذا العقل؟ لأن كل بنية قائمة على السلطة، سواء كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، ترى في العقل الحر تهديداً. العقل الحر لا يُقاد، لا يُستَخدم، لا يُستثمر بسهولة. هو يرفض، يُراجع، يُعيد تعريف كل شيء.
ربما البداية ليست في إصلاح المناهج، ولا في تغيير الخطاب فقط، بل في إعادة الاعتبار لقيمة الشك. أن نُعلّم أبناءنا أن السؤال ليس وقاحة، بل فضيلة. أن الخطأ ليس عيباً، بل طريق. أن الاختلاف ليس خطراً، بل ثراء.
العقل الحر لا يُمنح… بل يُنتزع. ولا يولد في الفراغ، بل في بيئة تسمح له أن يتنفس دون خوف. نحن لم ننتجه بعد، لأننا لم ندفع ثمنه بعد. ثمنه هو مواجهة أنفسنا، وموروثنا، وخوفنا العميق من الحرية.
أخبار ذات صلة.
هدوء حذر في بغداد رغم تهديدات الفصائل
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق