يمن ديلي نيوز: في هذا المقال التحليلي يتحدث مستشار وزير الصناعة والتجارة اليمني، الاقتصادي محمد الجماعي، عن اليمن كبيئة استثمارية واعدة رغم الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن الأزمات التي تمر بها البلاد شكّلت خبرة تراكمية وقدرة فريدة على التكيف، تجعلها أكثر جاهزية لاقتناص الفرص المستقبلية.
يشدد الجماعي على أن الأسواق العالمية لم تعد ملاذاً آمنًا كما يُعتقد، في ظل تصاعد التوترات الدولية والتضخم، معتبراً أن بقاء رأس المال داخل اليمن يمثل خياراً استراتيجيًا أكثر أماناً على المدى البعيد.
وأشار إلى أن القطاع الخاص اليمني لعب دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار الاقتصاد وتماسك المجتمع، عبر توفير السلع والخدمات وتجاوز التحديات.. مضيفاً بأن السوق اليمنية لا تزال “سوقاً واعدة” تحتاج إلى استثمارات في مجالات حيوية مثل الغذاء والطاقة والبنية التحتية.
نص المقال
:
لماذا تُعد اليمن الملاذ الأفضل لرجال الأعمال؟
محمد الجماعي
لم تكن اليمن يوما غريبة على الأزمات، ولا جديدة عليها، بل هي بكل اعتزاز “خريجة” كوارث وأزمات، مع مرتبة الشرف. هي الأرض التي لم تنكسر أمام أي عاصفة، بل حولت كل ركام إلى منصة للنهوض.
وإذا كان العالم يرتجف اليوم قلقاً من التصعيد الإقليمي، فإن اليمن تبرز كتجربة ملهمة في تحويل المخاطر إلى فرص للبقاء… دعونا نناقش هذه الجزئية المهمة بوطنية وواقعية.
يعيش العالم حالة غليان أمنية وعسكرية متصاعدة. أزمات في أمريكا وحروب في قلب أوروبا، توترات ونذر صدام في شرق آسيا، تصعيد خطير يحيط بمنطقتنا إحاطة السوار بالمعصم. الأسواق التي كانت تُصنف “آمنة” تعاني اهتزازات كبرى.
الأسواق التي كان يظنها البعض “ملاذات آمنة” باتت تهتز اليوم تحت وطأة التضخم العالمي الذي يلتهم القيمة الشرائية للأموال المهاجرة إلى الخارج بأنياب أشد قسوة من المخاطر المحلية.
الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها المهاجرون بأموالهم: أن الهروب بالمال إلى الخارج لم يعد ضمانة للحماية؛ بل هو مخاطرة بمجهول دولي لا يرحم. البقاء هو استثمار في سوق المستقبل الذي سيعقب هذا التصعيد حتماً.
من راهن على البقاء في اليمن وقت الأزمة، سيكون هو الرابح الأكبر عند انفراجها. ومن غادر البلاد بحثا عن ملاذ آمن، يقول اليوم للباقين: تكيفوا مع أوضاعكم واستمتعوا بخلق الفرص وأنتم الى جانب أولادكم وبناتكم.
في الخارج، أنت مجرد رقم في سجلات ضريبية غريبة، وأول من يدفع ثمن التقلبات القانونية. أما في اليمن، فأنت تمتلك “الميزة التنافسية” الأغلى: الخبرة بالبيئة.
أنت هنا تعرف كيف تدير المخاطر، تملك شبكة العلاقات، وتجيد قراءة نبض الشارع الذي تنتمي إليه.
لا يوجد ملاذ آمن في الخارج، استثمروا في العتمة واصنعوا فجركم بصبركم وحرصكم وسترون النتائج. تعاملوا مع الأزمة كفرصة لا كتهديد!
رأس المال الحكيم، هو من يشتري وقت الخوف، ويبني في وقت الأزمات. بدلاً من الانتظار أو الهروب، قم بترتيب أوضاعك وكن ضمن الرابحين في بيئة المخاطر. كثيرون يربحون مع المخاطرة.
العالم كله ينافس في أسواق مشبعة وفرص شحيحة، بينما اليمن “سوق جائع” جائع لكل شيء؛ من رغيف الخبز إلى تكنولوجيا الطاقة ومواد البناء. من يبدأ اليوم، هو من سيحتكر الحصة السوقية غداً عندما تهدأ المدافع.
إن العائق أمام توطين رأس المال اليمني ليس عائقاً أمنياً فحسب، بل هو عائق ذهني، يحتاج إلى ثورة في التفكير. لا تخبرني عن بيئة استثمارية صعبة في بلدي، لا تجادلني أيها الاقتصادي بالأرقام والمؤشرات، بل حدثني عن معجزة القطاع الخاص اليمني الذي منع تحلل الدولة وانهيار اقتصادها.
على مدى عقود، عبر الرؤساء والأنظمة واحداً تلو الآخر، وظلت قلاعنا الصناعية الوطنية هي الثابت الوحيد. تمر أمام عيني صور محطات قاصمة للظهر، فلا أرى إلا منتجاتنا الوطنية “أبو ولد” و”يماني” إلى “نانا” و”سمن القمرية” تكبر معنا وسط كل حريق.
هذه العلامات ليست مجرد سلع، بل أوسمة صمود تقلدتها بيوت تجارية وطنية عظيمة، هائل سعيد، الشيباني، إخوان ثابت، بازرعة وأمثالهم من العظماء.
هؤلاء هم “وزراء الدفاع الحقيقيون” الذين أطعموا الشعب وقت المسغبة، وحافظوا على تماسك النسيج الوطني حين غابت السياسة.
حين أغرق الحوثي – أسوأ كارثة في تاريخنا – البلاد في الظلام، أحدث التجار ثورة ضوئية وأمطروا بيوت صنعاء والمدن الأخرى بألواح الطاقة الشمسية الزرقاء.
وحين استحدث أهل الكهف الحواجز الجمركية والجبايات، شعرت بروحي وهي تعبر مع شاحنات القطاع الخاص، كنفاثة تحمل أطنان الخير لشعبي بكل تحدي وأنفة!!..
أواخر ٢٠١٩ قسم الحوثي الوطن الى منطقتين اقتصاديتين، عملتين وسعرين متفاوتين للسلع، فمد الكريمي جسورا من ورِق بين ضفتي وطنه.
القطاع الخاص اليمني، قطاع “عابر للأزمات” وقادر على ابتكار طرق لتأمين القمح من أوكرانيا إلى أقصى “خبت النويرة”، في أقسى الظروف! كل أزمة تترك وراءها خبرة تراكمية.
رسالتي لكل مستثمر: لا تنتظر الفرج لتبدأ، بل كن أنت “صانع الانفراج” باستثمارك. احجز مقعدك الآن في مشاريع البنية التحتية، الطاقة البديلة، وسلاسل الغذاء.
اليمن ليست مشروعاً خاسراً؛ اليمن هي الرهان الرابح غداً. من يصمد اليوم، هو من سيحتكر الحصة السوقية عندما تهدأ المدافع.
استقرار بلدك هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن أمان مالك وكرامة أهلك. استثمر في العتمة، فالفجر لا يصنعه إلا صابر حريص.
هذه هي “غريزة التكيف” الفريدة التي نراهن عليها اليوم.. لقد أثبتنا براعتنا في كل أصقاع الأرض كيمانيين، وحان الوقت لنفعلها هنا، في قلب الأرض التي لا تخون من يزرع فيها ثقته.
•صحفي واقتصادي يمني
•مستشار وزير الصناعة والتجارة
ظهرت المقالة مقال تحليلي لمستشار وزير الصناعة اليمني حول اليمن كملاذ أفضل لرجال الأعمال أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.