عربي
لم يكن العالم ينتظر أن يخطئ كريستوفر كولومبس في حساباته، ولا أن تقوده الرياح بعيداً عن خرائطه. لكن الخطأ، كعادته، كان يحمل مخيلة أكثر خصباً واحتمالات من كل الخطط. وصل الرجل إلى أرض لم يكن يقصدها، فاستيقظت جغرافيا جديدة تحت قدميه، ومعها بدأ عالم كامل يكتب نفسه من سوء فهم جغرافي وحكائي. لم يكن الأوروبيون يعرفون أن هذا الخطأ الجغرافي سيمنح الأدب لاحقاً قارةً أخرى، قارة تُروى بلغتها الخاصة، ولم يكن أحد يتخيل أن المزيج الغريب بين ذاكرة قديمة وأرض بكْر سيخلق مرويات لا تشبه شيئاً مما عرفه العالم آنذاك.
حين ظهر الأدب اللاتيني أول مرة، استقبله الناس كما لو أنه هبة. وصفوه بالسحري والغرائبي، وكأن كتّابه وُلدوا من آلهة. وكلما سُئل أحدهم عن سرّه، هُمس بالكلمة السحرية: "المخيلة". جوابٌ يطفئ الحوار في لحظته، ويترك السامعين يتخبطون جزعين في خيباتهم اليومية، فمن أين تأتي بالمخيلة لجائع، خائف، غاضب، من أين تأتي بالمخيلة في مدنٍ لم تعد ترى فيها سوى الغبار؟ في أرض تُهدر فيها القصص والحكمة معاً؟ لكن ومع كل هذا القحط، لا تأتي المخيلة كهبة، لا تنبت تحت المطر. إنها تنمو حين يحدث خلل في الفهم، حين يتعثر العقل للحظة أمام مشهد لا يعرف كيف يقرأه.
في يوم من الأيام، وصل الجنود الإسبان إلى العالم الجديد. جاع الرجال والخيول، فطلب الجنود طعاماً لأحصنتهم. رأى السكان الأصليون اللجام المعدني يلمع في أفواه الخيول، تمضغ بتؤدة واعتياد، فذهبوا إلى كنوزهم وجاؤوا بمعدنهم الوحيد: الذهب. وهكذا في لحظة، من سوء فهم، أتت المخيلة وقصت حكاية.
وهكذا من مثل هذا الشرخ، وُلدت "الواقعية السحرية". يقف السوري اليوم في مكان شبيه بذلك الشرخ. عالمه يتبدل أسرع مما يستطيع أن يلتقطه. الأيام تمر بشكل لا يحب اعتياده، بينما الخرائط تُرسم وتمحى، والذاكرة تتشقّق تحت وطأة الدم. تحكي صديقة سورية عن تنقلها بين الحسكة وحلب والشام كمن يحكي عن حلم عاشه يوماً، عن انتماء لسورية، كما لو أن تلك السورية قد اختفت. الصديقة ليست من مصر التي باتت حردة منا بقرار سياسي، ولا من لبنان بعد إغلاق حدودنا، ولا من فلسطين بعد خجلنا وعجزنا أمامها ولأجلها، أميرة أبو الحسن تسكن، منذ حروب العار، في السويداء.
ربما عبر منطق كسيح أعوج، نستطيع قراءة الأشياء خارج صلابتها الظاهرة. ربما يرى السوري في هذا العطب فرصة صغيرة ليختبر مخيلته، التي ليست امتيازاً ماركيزياً، ولا سراً محفوظاً في غابات "ماكوندو" وأعوامها المئة. ربما يولد في قلبنا وروحنا طريقاً حين يضطر السوري لخلق تفسير لائق للنجاة. شيء يشبه تلك "الربما" الصغيرة في تفاصيل الحكاية "الذهبية" التي حملها سكان الأرض الجديدة لخيول المخيلة البرّية بجموحها.
ربما، في قلب هذا الخراب، يحتاج السوري إلى أن يسيء فهم الواقع كما صُدّر له، أن يراه من زاوية لم تُفرض عليه، أن يزيح عن الخيال الستار ولو لنصف خطوة، ليمرّ الضوء. علّ المخيلة هنا، تصبح بديلاً من الحقيقة البليدة، عديمة الحس والأخلاق. ربما خارج الواقع الآن، أعود أنا من ثلوج القطب، وتأتي أميرة من حصارها، لنحتسي القهوة كما فعلنا مرة، من دون أن تكون تلك الأمنية مستحيلاً، بل مجرد تخطيط أولي لرواية سورية سهلة. لم تحتج لعبقرية أدبية مستوردة، ولا لاغتيال قادة، أو لانقلاب عسكري: أن يحصل كل هذا من مخيلة اختارت أن تقع من سوء فهمٍ متعمد لواقع سوري بذيء.
