عربي
رحّبت الحكومة السورية بالتقارير الثلاثة الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، والتي تغطّي السنة الأولى بعد سقوط نظام الأسد. ووصف وزير الخارجية، أسعد الشيباني، نتائج اللجنة وتوصياتها بأنَّها "خريطة طريق" لمواصلة تقدّم سورية. وتنطلق هذه المقالة من هذا الموقف المعلن لتبحث فيما تقتضيه النتائج الموثقة التي خلصت إليها اللجنة من الحكومة على نحو ملموس. واستنادا إلى التقرير السنوي الرئيسي، والتقرير المفصّل عن العنف في الساحل والوسط الغربي في مارس/ آذار 2025، والتقرير الخاص بأحداث العنف في السويداء في يوليو/ تموز 2025، يحدّد التحليل التالي المجالات الرئيسة التي يبدو فيها تحرّك الحكومة عاجلاً وممكناً من الناحية العملية. وينصب التركيز على ما ينبغي أن تقوم به الحكومة بنفسها، لا على ما يمكن أن يقدّمه الفاعلون الخارجيون، إلا في الحالات التي يكون فيها التعاون الخارجي شرطاً لازماً للإصلاح الداخلي.
إصلاح القطاع الأمني
تلتقي النتائج الواقعية التي خلصت إليها اللجنة في تقاريرها الثلاثة حول تشخيص بنيوي واحد، فقد شكّل دمج الفصائل المسلحة السابقة في وزارتي الدفاع والداخلية من دون تدقيق حقوقي، إلى جانب ضعف الانضباط القيادي والإبقاء إلى حد كبير على خطوط التبعية الفصائلية، شرطاً مباشراً لوقوع موجتي العنف الجماعي في 2025. ففي المناطق الساحلية، قتل أفراد من القوات المسلحة الحكومية وآخرون يعملون إلى جانبهم أكثر من 1400 شخص، كان معظمهم من المدنيين العلويين. وفي السويداء، ارتكبت القوات الحكومية التي دخلت المحافظة برفقة مقاتلين من العشائر انتهاكاتٍ واسعة النطاق بحقّ المدنيين الدروز، قبل أن ترتكب الجماعات المسلحة الدرزية انتهاكات جسيمة بحقّ المجتمعات البدوية. وفي الحالتين معاً، وجدت اللجنة أنَّ فصائل سابقة بكاملها، بما في ذلك قادة خاضعون لعقوباتٍ بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، قد أُدمجت في الهيكل العسكري الجديد مع احتفاظها باستقلالها العملياتي ومصادر دخل منفصلة.
على الحكومة إجراء عملية تدقيق شاملة وفرز مؤسّسي لجميع الأفراد المنضوين تحت لواء قوات الأمن. وينبغي وقف الأفراد الذين تثار بحقهم ادّعاءات موثوقة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان عن العمل إلى حين استكمال التحقيقات. كما يجب إبعاد الأفراد الخاضعين لعقوبات دولية بسبب انتهاكاتٍ سابقةٍ من مواقعهم القيادية. وقد مثّل إصدار وزارة الداخلية للتعميم رقم 57، الذي يحظر المعاملة اللاإنسانية للمحتجزين، خطوة إيجابية، إلا أنَّ اللجنة وثّقت استمرار التعذيب في مراكز الاحتجاز في حمص ودمشق بعد أشهر من صدوره. ولا يمكن اعتبار التعاميم إصلاحًا مؤسّسيّاً ما لم تقترن بإنفاذ فعلي ومتابعة تأديبية صارمة.
كما أنَّ توثيق اللجنة المتكرّر حالات مسلحين مجهولي الهوية يرتدون زيّاً موحّداً غير منسق، بعضهم ملثمون وبعضهم يضع عصابات رأس بألوان مختلفة، ويرتكبون انتهاكاتٍ ثم يتوارون، يكشف عن متطلب تشغيلي محدّد يتمثل في توحيد هوية جميع الأفراد، وفرض شاراتٍ تعريفية واضحة، ووضع علامات مميّزة على المركبات، وحظر تغطية الوجه في أثناء العمليات، فإخفاء الهوية يسهّل الإفلات من العقاب. وينبغي أيضاً تنويع تكوين الوحدات المنتشرة في المناطق ذات الغالبية من الأقليات، بحيث لا تقتصر على مجتمع واحد أو فصيل سابق بعينه. ويجب أن يصبح التدريب على حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، الذي بدأ بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان في منتصف عام 2025، شرطأً أساسيّاً للاستمرار في الخدمة. كما يتعيّن إنشاء آلية رقابة مدنية مستقلة تتمتع بسلطات فعلية في التحقيق والإحالة، وتُمنح صلاحية اتخاذ إجراءات ملزمة استناداً إلى نتائجها.
على الحكومة إنهاء ممارسة الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وإنفاذ تعليماتها القائمة التي تُلزم بإخطار العائلات خلال أربع وعشرين ساعة وإحالة القضية إلى النيابة العامة
الاحتجاز وحظر التعذيب
وثّقت اللجنة حالات تعذيب وسوء معاملة في 18 مركز احتجاز رسميّاً، و12 موقعاً مؤقتاً في ثماني محافظات، إضافة إلى نقاط تفتيش في حمص وطرطوس، من ديسمبر/ كانون الأول إلى يناير/ كانون الثاني 2025. وفي 24 حالة موثقة، احتُجز أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي فترات بين خمسة أيام وسنة. وفي ثماني حالات كانت لا تزال قائمة حتى ديسمبر 2026، أنكرت القوات الحكومية احتجاز أشخاص شوهدوا للمرّة الأخيرة وهم في عهدتها، وهو ما يرقى إلى اختفاء قسري.
على الحكومة إنهاء ممارسة الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وإنفاذ تعليماتها القائمة التي تُلزم بإخطار العائلات خلال 24 ساعة وإحالة القضية إلى النيابة العامة. كما ينبغي توسيع قاعدة بيانات المحتجزين القابلة للبحث، لتشمل جميع أماكن الاحتجاز. ويجب ضمان وصول منتظم وغير معلن لهيئات المراقبة المستقلة، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية، إلى جميع المرافق، لا إلى السجون المركزية وحدها التي أفادت التقارير بتحسّن أوضاعها بعد السماح للمراقبين بزيارتها في منتصف 2025.
ويجب إجراء تحقيق مستقل في كل حالة وفاة في أثناء الاحتجاز. وتستند اللجنة في ذلك إلى التعليق العام رقم 36 للجنة حقوق الإنسان، الذي يفيد بأنَّ وفاة أي شخص في أثناء وجوده في عهدة الدولة تنشئ قرينة على الحرمان التعسفي من الحياة، ولا يمكن دحض هذه القرينة إلا بتحقيق سليم يُثبت امتثال الدولة لواجبها في حماية الحق في الحياة.
ويجب وضع حد لممارسة إجبار المحتجزين على توقيع أوراق فارغة، أو تعهدات بالصمت، أو تسجيل مقاطع فيديو يُنكرون فيها تعرّضهم لسوء المعاملة. كما يجب إبلاغ جميع المحتجزين بالتهم الموجهة إليهم، وتمكينهم من الاستعانة بمحام، وعرضهم على قاض خلال مدة معقولة. وقد وثّقت اللجنة حالات لم تُحترم فيها هذه الضمانات. أما احتجاز الفتيان في مرافق مخصصة للبالغين، كما وثّقته اللجنة في سجن حماة المركزي، ومرفق الأمن العسكري في اللاذقية، وفرع أمن الدولة في الحولة، وفي مواقع أخرى عديدة، فيتطلب معالجة عاجلة، بما يشمل الإفراج عنهم متى كان احتجازهم غير قانوني، وتوفير برامج تأهيل وحماية ملائمة لأعمارهم.
المساءلة والعدالة الانتقالية
تُظهر نتائج اللجنة أنَّ على الحكومة أن تتحرّك عبر ثلاثة مسارات متوازية في آن. يتعلق الأول بالمساءلة عن الانتهاكات المرتكبة بعد ديسمبر/ كانون الأول 2024. وقد شكّل إنشاء لجان تحقيق وطنية بشأن أحداث الساحل والسويداء خطوة بنّاءة، كما مثّلت المحاكمات العلنية ل14 متهماً بارتكاب أعمال عنف في الساحل، بحضور مراقبين مستقلين، بداية مهمة. إلا أنَّ اللجنة تفيد بأنَّ المسؤولية على مستوى المسؤولين لم تتضح بعد. فقد اتخذ العنف في الساحل طابعاً واسع النطاق ومنهجيّاً في مواقع متعدّدة، رغم أنَّ اللجنة لم تجد دليلاً على وجود سياسة حكومية تقضي بإصدار أوامر بمثل هذه الهجمات. ولهذا التمييز أهمية قانونية، لأنَّه يترك الباب مفتوحاً أمام إمكان أن تكشف تحقيقات إضافية في سياسات الفصائل أو الجماعات عن عناصر قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وينطبق الإطار التحليلي نفسه على السويداء، حيث وجدت اللجنة أسباباً معقولة للاعتقاد بأنَّ القوات الحكومية ومقاتلي العشائر المرتبطين بها ارتكبوا انتهاكاتٍ ترقى إلى جرائم حرب، مع الحاجة إلى مزيدٍ من التحقيق في احتمال ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ويتناول المسار الثاني اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية. وتفيد اللجنة بأنَّ المرسوم المنشئ لها يبدو أنَّه يحصر ولايتها في الانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة السابقة، كما أنَّ اللجنة الوطنية نفسها أبلغت لجنة التحقيق بأنَّ ولايتها محددة بفترة حكم النظام السابق. إنَّ أي إطار للعدالة الانتقالية يستبعد انتهاكات ما بعد ديسمبر/ كانون الأول 2024، أو الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعات. ولتجاوز هذه الثغرة، لا بدَّ من توضيح نطاق ولاية اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية، وبيان مضمون مشروع قانون العدالة الانتقالية على نحو صريح. وقد كان تعيين مدافعين بارزين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم نساء، في اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للأشخاص المفقودين مؤشّراً إيجابيّاً، غير أنَّ سلامة التصميم المؤسسي واتساع الولاية القانونية يظلان أهم من هوية الأعضاء المعينين في المرحلة الأولى.
أما المسار الثالث فهو الإصلاح القضائي. وتفيد اللجنة بأنَّ النظام القضائي ومنظومة إنفاذ القانون المختلّين، الموروثين من عهد الأسد، يشكلان عائقاً بنيويّاً أمام المساءلة. وقد اتخذت الحكومة بعض الخطوات الأولية، منها عزل القضاة الذين شغلوا مناصب سياسية في حزب البعث، وإحالة قضاة محكمة مكافحة الإرهاب إلى التحقيق، وتشكيل لجنة متخصّصة لمراجعة أحكام تلك المحكمة، ورفع رواتب القضاة. لكن اللجنة تسجل، في المقابل، تعيين أشخاص لا يحملون المؤهلات القانونية المطلوبة في مناصب رؤساء محاكم، الأمر الذي يثير مخاوف جدّية بشأن استقلال القضاء وكفاءته. إنَّ تحويل جهاز قضائي استُخدم عقودأً أداةً للقمع إلى جهاز قادر على إرساء عدالة نزيهة ومستقلة هو مسار طويل الأمد، لكنَّه شرط لازم لكل مسار آخر من مسارات المساءلة.
يجب أن تتضمن تدابير بناء الثقة اعترافًا بالأضرار التي لحقت بالمجتمعات المتضررة على أيدي أفراد من القوات الحكومية
حماية الأقليات ومنع العنف الطائفي
تُظهر الوقائع التي وثقتها اللجنة أنَّ موجتي العنف الجماعي في عام 2025 اتخذتا تنظيماً قائمأً على أسس طائفية. ففي المناطق الساحلية، سُئل الضحايا عما إذا كانوا سنّة أم علويين قبل فصلهم وقتلهم. وفي السويداء، استهدفت القوات الحكومية والمقاتلون القبليون المدنيين الدروز، ثم استهدفت الجماعات الدرزية المسلحة المدنيين البدو. وفي الحالتين، اقترن العنف بإهانات طائفية، واعتداءات على مواقع دينية، وأنماط من الإذلال المقصود استهدفت تقويض الهوية المجتمعية. كما وثّقت اللجنة حالات فردية مقلقة حُرم فيها مدنيون علويون وبدو أُصيبوا في أثناء العنف من الرعاية الصحية في المستشفيات بسبب انتمائهم الطائفي، وهو ما أدّى في بعض الحالات إلى الوفاة.
ويقع على عاتق الحكومة واجب توفير حماية فعلية، لا الاكتفاء بإدانة خطابية، للمجتمعات المستهدفة على أساس الهوية الدينية أو العرقية. وتتعامل اللجنة مع خطاب الكراهية والتحريض الإلكتروني باعتباره عاملاً مؤثراً يسرّع التعبئة، ويعمّق التأطير الطائفي، ويساهم في تحويل الاشتباكات المحلية إلى أعمال عنف انتقامية واسعة النطاق، سواء في الساحل أو في السويداء. ومن ثم على الحكومة اتخاذ تدابير ملموسة لمكافحة التحريض، تشمل التعاون مع الزعماء الدينيين والمجتمعيين، واتخاذ إجراءات فعالة إزاء المنصّات الإلكترونية التي تُستخدم في تنسيق أعمال العنف أو التحريض عليها.
كما يجب أن تتضمن تدابير بناء الثقة اعترافاً بالأضرار التي لحقت بالمجتمعات المتضرّرة على أيدي أفراد من القوات الحكومية. ولا يمكن للحوار المجتمعي أو المصالحة أن يتقدّما من دون توفير الأمن أولاً، فيما يظل توفير الأمن نفسه رهناً بالإصلاحات المؤسّسية المشار إليها آنفاً. وقد شكّل المرسوم الرئاسي الصادر في يناير/ كانون الثاني 2026، الذي أكد الحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للأكراد السوريين الذين حُرموا منها طويلًا في ظل الحكومات المتعاقبة بقيادة الأسد، خطوة إيجابية في هذا الاتجاه. غير أنَّ الحاجة ما زالت قائمة إلى تدابير مماثلة تعالج الهواجس الأمنية والسياسية الخاصة بالمجتمعات العلوية والدرزية والبدوية.
الإسكان والأراضي والعقارات
توثق اللجنة انتهاكات جديدة في مجال الإسكان والأراضي والعقارات تُضاف إلى عقود من المصادرات في عهد الأسد، بما يُحدث مشكلة مركّبة لا يمكن معالجتها بإجراءات إدارية جزئية. فخلال عمليات التمشيط وأعمال العنف التي اندلعت في مارس/ آذار، نُهبت منازل العلويين في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، واستولت عليها القوات الحكومية ومسلحون متعاونون معها واحتلوها. وفي السويداء، نُهبت جميع المنازل والمتاجر تقريباً فيما لا يقل عن 35 قرية ذات غالبية درزية، وأُحرقت عمداً على يد القوات الحكومية والمقاتلين القبليين، كما تعرّضت جميع المواقع الدينية الدرزية تقريباً في تلك القرى للتخريب والنهب والحرق. وبالمثل، دُمّرت منازل البدو وممتلكاتهم واحتُلّت بعد تهجيرهم القسري. وفي دمشق، أُجبر سكان السومرية والزهريات على إخلاء مساكنهم العسكرية والاجتماعية قسراً، في بعض الحالات تحت تهديد السلاح والتهديدات الطائفية، وفي حالات أخرى، عبر أساليب حصار شملت قطع الكهرباء والمياه والإمدادات الغذائية.
ويكمن جوهر المشكلة في تعارض فئتين من المظالم المشروعة، فكثير من النزاعات الحالية في مجال الإسكان والأراضي والعقارات تعود إلى عمليات استيلاءٍ حدثت في عهد الأسد، وتسعى المجتمعات النازحة اليوم إلى استرداد ما فقدته بسببها. واللجنة لا تنكر الأساس المشروع لهذه المطالبات، لكنَّها توثق بوضوح أنَّ غياب آليات قانونية عادلة وفعّالة لتسويتها يفضي إلى عنف انتقامي، وعقاب جماعي، وموجات نزوح جديدة.
وتواجه الحكومة في هذا المجال مجموعة من الالتزامات المحددة. أولاً، تعمل اللجان الإدارية المنشأة على مستوى المحافظات لتلقي مطالبات الإسكان والأراضي والعقارات ومعالجتها من دون تفويض موحد، أو إطار قانوني معياري، أو تنسيق مركزي فعال. أما اللجان المجتمعية التي شُكلت بالتوازي، فتُصدر قراراتٍ غير ملزمة قانوناً، وتختلف في تشكيلها ومعاييرها ومدى تنسيقها مع السلطات القضائية. وقد أفضى هذا إلى حالة من عدم الاتساق والغموض وانعدام الثقة لدى أصحاب المطالبات. ومن ثم تبرز حاجة ملحّة إلى إطار وطني موحد لتسوية منازعات الإسكان والأراضي والعقارات، يستند إلى معايير دولية، بما في ذلك مبادئ بينيرو.
ثانياً، يُعد المرسوم رقم 16 لسنة 2025، الذي رفع الحجز الاحترازي المفروض من الأجهزة الأمنية بموجب القانون رقم 63 لسنة 2012، خطوة أولية بناءة، لكنَّه لا يشمل الحجوز التي تأمر بها الهيئات القضائية، مثل محكمة مكافحة الإرهاب، ولا المصادرات التنفيذية الدائمة. ولذلك، ما زال عديدون من مالكي العقارات عاجزين عن استرداد ممتلكاتهم رغم صدور المرسوم، وهو ما يقتضي من الحكومة توسيع نطاق تدابير المعالجة والتعويض ليشمل هذه الفئات.
ثالثاً، واصلت الحكومة مشاريع التنمية الحضرية التي بدأت في عهد الأسد، وأطلقت مشاريع جديدة في دمشق وحمص وحلب. ورغم أنَّ هذه المشاريع تُقدَّم في إطار التجديد الحضري والتحفيز الاقتصادي، لا يزال من غير الواضح كيف ستُعالج آثار نزع الملكية المرتبطة بها. وتفيد تقارير اللجنة بأنَّ المجتمعات المحلية لم تُستشر على نحو كاف، بما يزيد من خطر أن تؤدّي هذه المشاريع إلى تعميق التهميش المكاني، والإخفاق في تلبية الحاجات السكنية الفعلية، وإنتاج انتهاكات جديدة بدلاً من معالجة الانتهاكات القائمة.
رابعاً، يجب التعامل مع قضايا الإسكان والأراضي والعقارات والحماية المدنية بوصفها جزءاً من العدالة الانتقالية، فالأدلة التي عرضتها اللجنة تُظهر أنَّ المظالم العقارية العالقة منذ عهد الأسد تؤجّج بصورة مباشرة العنف الانتقامي ودوامات النزوح الجديدة. وما لم تُدمج تعويضات الإسكان وتدابير الحماية المدنية في إطار العدالة الانتقالية، فستظلّ هذه القضايا مصدرًا للنزاع بين المجتمعات بدلاً من أن تتحوّل إلى أداة للإصلاح.
خامساً، لا بدَّ من معالجة الوضع الخاص بالنساء. فغالبًا ما تُسجل ملكية العقارات باسم الزوج وحده، كما تحد قوانين الميراث التمييزية من نصيب المرأة في الأصول الموروثة، وتدفع الأعراف الاجتماعية باتجاه انتقال الملكية إلى الورثة الذكور. وتشكل هذه العوامل مجتمعة عقبات خاصة أمام عودة الأسر التي تعيلها نساء، وهي فئة اتسعت خلال سنوات النزاع، كما تزيد من مخاطر الحماية التي تواجهها النساء اللواتي فقدن أقاربهن الذكور.
اتُّخذت خطوات بنّاءة، ومنها إنشاء لجان العدالة الانتقالية والمفقودين، والسماح للجنة بالوصول إلى المعلومات لأول مرة منذ 2011
المقاتلون الأجانب
توثق اللجنة وجود مقاتلين أجانب يعملون ضمن هيكل وزارة الدفاع، ويتمتّعون بدرجة من الاستقلالية ومصادر دخل منفصلة، ومتورّطين في عمليات اختطاف وتعذيب وعنف طائفي، لا سيما في اللاذقية وإدلب. ولا تزال جماعاتٌ، مثل الحزب الإسلامي التركستاني وفرقة الغرباء، ناشطة في الشمال الغربي. ويتمثل واجب الحكومة في إخضاع هذه العناصر لقيادة وسيطرة فعالتين، وإلزامها بالمعايير نفسها المتعلقة بالتدقيق والانضباط المطبقة على سائر القوات، ومحاسبتها على الانتهاكات الموثقة. ويُظهر توثيق اللجنة مقاتلين أجانب يحملون رايات تنظيم داعش خلال عمليات التمشيط في حمص، واختطاف نساء علويات على يد مقاتلين أجانب يعملون في اللاذقية مع إفلات فعلي من العقاب، خطورة دمج عناصر مسلحة في هياكل الدولة على نحو اسميٍّ فقط، من دون إخضاعها لانضباط الدولة وسيطرتها الحقيقية. استمرار وجود مثل هؤلاء الفاعلين تحت مظلة السلطة الحكومية يقوّض مصداقية أي إصلاح آخر تدعي الحكومة المضي فيه.
اختبار الالتزام المعلن
رحّبت الحكومة بتقارير اللجنة ووصفتها بأنَّها خريطة طريق. فهي تقدم تشخيصًا دقيقًا لمواطن الضعف الأساسية في المرحلة الانتقالية، بما في ذلك انضباط القيادة، وحماية الأقليات، والسيطرة على الفصائل المسلحة، وإمكانية الوصول إلى العدالة، ومواجهة التحريض الطائفي، وسيادة القانون في النزاعات المتعلقة بالإسكان والملكية.
وقد اتُّخذت بعض الخطوات البنّاءة، ومنها إنشاء لجان العدالة الانتقالية والمفقودين، والسماح للجنة بالوصول إلى المعلومات لأول مرة منذ عام 2011، وبدء المحاكمات العلنية، ورفع حظر السفر، وكثير من القيود التي كانت مفروضة في عهد الأسد، وإصدار إعلان دستوري يكرّس معايير حقوق الإنسان الدولية. لكن اللجنة وثّقت، إلى جانب ذلك، انتهاكات استمرت حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وما بعده، بما في ذلك التعذيب في مراكز الاحتجاز، والإخلاء القسري، واختطاف النساء. وسيتوقف تحديد ما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع نتائج اللجنة باعتبارها برنامجاً حقيقيّاً للإصلاح المؤسّسي، لا مجرّد موقف دبلوماسي قابل للإدارة، على ما ستفعله خلال عام 2026. لقد قدّمت المجتمعات المتضرّرة، ما يكفي من الأدلة؛ وما يبقى هو الاستجابة.
