عربي
قال نزار قباني: "كان أبو خليل القباني إنساناً حالماً، أراد أن يحوّل خانات دمشق إلى مسارح للفن والجمال، وأن يجعل دمشق برودواي ثانية".
بهذه البلاغة الشعرية يرسم نزار قباني ملامح فضاء للطموح، أو للحلم، الذي راود القباني في ذلك الزمن البعيد. لكن المناخ الاجتماعي والثقافي آنذاك لم يكن مهيّأً لاحتضان فن "الكوميضة" بلفظ أهل الشام، والمشتقة من كلمة "كوميديا"، هذه البدعة الجديدة، على الرغم من الرعاية الرسمية، المادية والمعنوية، من والي دمشق المتنوّر مدحت باشا. فبقي الحلم معلّقاً في فضاء المدينة، حكاية بطل سيزيفي بذل كل جهده وماله وهو يدرك حجم المواجهة والرفض والصعوبات التي ستقف عقبة كبيرة في طريق محاولاته لزرع جذور لهذا الفن الوافد، إذ قوبل بتحريض ورفض كبيرين ممّن رأوا فيه خروجاً على القيم الاجتماعية والأخلاقية الراسخة، وقد نجحوا في دفع أصحاب القرار في إسطنبول إلى إصدار الأمر بإغلاق مسرحه. فبادرت جموع من العامة إلى تحطيم المسرح ونهب مقتنياته، ومن ثم حرقه.
ومع ذلك، لم تنطفئ جمرة هذا الفن، بل بقيت تحت رماد الأيام، تنتظر سنوات طويلة، حتى نهض مجدداً عبر مغامرين جدد أحيوا ذلك الحلم. وُلد أحمد أبو خليل القباني عام 1833، وتعلّم القراءة والكتابة في أحد الكتاتيب، لينتقل بعدها إلى مدرسة ابتدائية. ومع الوقت، راح يحضر حلقات الدرس في المساجد والبيوت، وتعلّم تجويد القرآن وإنشاده. بدأ مبكراً بالتعرّف على بعض البيوتات الفنية، ما ساعد على تنمية ميوله الموسيقية والغنائية، حتى إنه شارك في بعض الحفلات، وكوّن "فرقة" صغيرة مع زملائه لإحياء حفلات غنائية بدأها في دارة والده، الذي ما إن اكتشف الأمر، حتى طرده من البيت، فاحتضنه دار خاله.
وتعرّف القباني على المسرح من خلال عرض "البخيل" لموليير، الذي قُدّم في مدرسة العازرية بدمشق، وكان تأثيره كبيراً في عقله وروحه، حتى بدا وكأنه اكتشف الطريق التي يريد سلوكها حتى النهاية، فأقدم على هذا الفن إقدام الظمآن. لكن القباني، برؤيته المتبصّرة وحساسيته الفنية وإدراكه ذوق معاصريه، وجد أن من الضروري أن يضفي لمسة فنية مختلفة على القالب الذي شاهده، وذلك من خلال إدخال الغناء والرقص والفرجة باعتبارها عناصر جديدة وأساسية في بناء المشهدية التي يتخيّلها.
من الطرائف التي تُروى أنّ لحّاماً دمشقيا باع قبر أبيه ليشاهد بثمنه عروض أبو خليل القباني المسرحية
وبذلك انتهج نهجاً مغايراً لما سبقه من أعمال مسرحية. فقد كان اللبناني مارون النقاش قد قدّم عرضه الأول "البخيل" ملتزماً المدرسة الأوروبية، لا سيما الإيطالية، وهو ما لم يرق لذائقة الجمهور كما كان يأمل، بينما نجح القباني في ما أضافه، ولقي إقبالاً لافتاً على عروضه. القباني ومدحت باشا عندما قَدِم مدحت باشا إلى دمشق والياً، وكان صاحب مشروع تنويري، وجد ضالّته، على المستوى الفني، في ما يقدّمه القباني، صاحب الموهبة والرؤية الجديدة. فمنحه الوالي مبلغ 900 ليرة ذهبية لإنشاء مسرح وشراء ما يحتاجه من أدوات تخدم مسرحه الناشئ. سارع القباني إلى تأسيس مسرحه الخاص في "خان الجمرك – حي باب توما"، وكان أول عروضه "ناكر الجميل" عام 1873، وقد لقي استحساناً كبيراً بين الجمهور، الذي كان منه بعض علية القوم والمحافظين وإن على مضض، لأن حضورهم جاء تلبية لدعوة رسمية من دار الولاية. وتوالت العروض مثل "عنترة، الكوكبان، السلطان حسن، لوسيا، وأنس الجليس…".
ومن الطرائف التي تُروى أنّ لحّاماً باع قبر أبيه ليشاهد بثمنه عروض القباني! لم تلبث الظروف أن تغيّرت إثر عرض "أبو الحسن المغفّل"، الذي مثّل ضربة قاصمة لمسرح القباني بسبب ظهور هارون الرشيد على الخشبة بزي "أبي الحسن المغفّل". وكان الوالي مدحت باشا قد أُقصي عن منصبه، ما جعل جبهة القباني مكشوفة تماماً، كما يورد عادل أبو شنب في كتابه "رائد المسرح الغنائي العربي". ونجحت مساعي التحريض، بذريعة فساد هذا الفن وإفساده، في صدور قرار بإغلاق المسرح وطي صفحته في دمشق. تجربة ناجحة ومريرة في مصر بعد خيبة الأمل المريرة، غادر القباني دمشق إلى مصر التي تميّزت بالانفتاح على الفنون والثقافة الواردة من الغرب. وهناك بدأ مرحلة جديدة وغنية من الإبداع في مسيرة طويلة امتدت سنوات، تخللتها عودة إلى دمشق على أمل إحياء مسرحه، لكن جهوده فشلت فعاد إلى مصر ثانية. بدأ عروضه في أحد الكازينوهات في الإسكندرية، فلاقى نجاحاً كبيراً وإقبالاً من الجمهور والفنانين المصريين، الذين لم يترددوا في إظهار إعجابهم الشديد بعروضه المبتكرة التي جمعت التمثيل والغناء والرقص والدبكة وألعاب السيف والترس. وانتقل بعدها إلى القاهرة حيث واصل عروضه الناجحة وسط حفاوة لافتة.
وصفه الموسيقي المصري كامل الخلعي بأنه "أستاذ التمثيل والموسيقى الشرقية". وأشار يوسف وهبي إلى فضله قائلاً: "أعطانا شيئاً لم نكن نعرفه في مصر". كما أشادت الممثلة المصرية مريم سماط في مذكراتها بفنه قائلة إن القباني وضع ألحاناً جديدة غاية في الإبداع، ما دفع الشيخ سلامة حجازي إلى تبجيل تجربته بدعوة أعضاء فرقته للانضمام إلى جوقة القباني لحفظ ألحانه وضبط توقيتها وإيقاعاتها. إلا أن التجربة المصرية لم تنجُ من الغيرة والحسد كما يشير أبو شنب، وكانت نهايتها شبيهة بنهاية مسرحه في دمشق. فعاد إلى الشام عام 1900، وراح يقدّم حفلات موسيقية وغنائية حتى وفاته عام 1903.
وحظيت تجربة القباني في مصر بمتابعة إعلامية مميزة من صحيفة الأهرام، التي كانت قد صدرت عام 1876، ووثقت أخبار حفلاته وأعماله المسرحية كلها. في شيكاغو كما تجدر الإشارة إلى تجربة القباني على المستوى العالمي، من خلال مشاركته في أحد المهرجانات في شيكاغو مع فرقة كبيرة تلبية لدعوة وصلت إلى السلطنة العثمانية، وتضمّن البرنامج مجموعة من العروض الجديدة والقديمة التي سبق للقباني تقديمها.
يرى الباحث الراحل سعد الله آغا القلعة أن القباني كان رائداً في المسرح العربي قياساً إلى نهجه وتجديده، فقد قدّم العرض المسرحي بقالب مختلف: مسرحيات ذات لغة عربية ومضمون عربي مستمدّ من التراث والتاريخ، تعالج موضوعات من المجتمع العربي، وتحمل رسالة تنويرية عبر العظات والأمثولات من الماضي والحاضر. وقدّم صيغة المطرب الملحّن، وأضاف إلى التأليف والتمثيل رقص "السماح". وبذلك يمكن القول إنه رائد ومبدع المسرح الغنائي العربي بمعناه الجديد.

أخبار ذات صلة.
باكستان تكثف اتصالاتها في مسعى لوقف الحرب
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة