محل "الزمن الجميل"... ذكريات الجزائريين تضمحل لكنها لا تموت
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ينبض متجر "الزمن الجميل" بالحياة والحنين، وهو يقع داخل زقاق ضيق في مدينة بالحراش العريقة في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، وقد تحول إلى ما يشبه متحفاً حياً لذكريات الطفولة، إذ يستعيد زواره قصص الماضي بكل تفاصيلها، فالرفوف مكتظة بأغراض قديمة متنوعة كانت قبل عقود جزءاً من حياة الجزائريين، لكنها اختفت في زحمة التحولات الاجتماعية. على الرفوف تصطف دمى معدنية قديمة رافقت طفولة الجزائريين، من بينها سيارات خشبية صغيرة، ونماذج من مواد تموينية وغذائية اختفت، وأحذية قديمة، وأجهزة راديو وأدوات منزلية قديمة، وأدوات مدرسية وكتب قديمة، لكنها ما زالت حاضرة في الذاكرة، وكذا صور للمدن الجزائرية قديماً، وألبومات نادرة لشخصيات ورياضيين وفنانين، فضلاً عن عملات نادرة تحكي المرجعية المالية للجزائريين، وكل قطعة في المحل تحكي قصة. يدير المحل حوفة إدريس (45 سنة)، ويقول لـ"العربي الجديد": "انطلقت القصة قبل 30 سنة حين بدأت بهواية جمع الطوابع البريدية والقطع النقدية القديمة، وكنت أعرضها على طاولة في سوق شارع بورسعيد بوسط العاصمة، كانت مقصداً للسياح، ومصدر دخلي الرئيسي، وقد اكتسبت شهرة، وجمعت الكثير من القطع القديمة والأوراق النقدية والطوابع البريدية والصور النادرة، لكن سنة 2015، كانت نقطة تحول كبيرة في حياتي، إذ قررت السلطات إزالة السوق، فوجدت نفسي بلا مكان أبيع فيه معروضاتي، واضطررت إلى تخزينها عند أحد الأصدقاء، لكني بقيت متمسكاً بحلم استعادة عملي الذي أحبه، وتمكنت من ذلك لاحقاً حين افتتحت محل الزمن الجميل". أنشأ إدريس صفحة خاصة بمقتنياته على منصة فيسبوك، يعرض عبرها مقتنيات المحل، ليتزايد عدد المتابعين من أجيال الستينيات حتى نهاية الثمانينيات، ليصبح المحل أكثر شهرة، ويتدفق عليه الزوار، كما ساعده ذلك في الحصول على الكثير من الأغراض القديمة، بعضها كانت هدايا يقدمها له الزوار ممن يعتقدون أن أغراضهم القديمة مكانها الأفضل هو "المحل المتحف". يمتلك إدريس أول إصدار للعملة الجزائرية بعد الاستقلال في سنة 1964، إضافة إلى عملة خمسة دنانير التي رسمها الفنان محمد إيسياخم. يفتح صندوقاً يحتفظ به ليخرج منه جريدة "المجاهد" المعنونة في صفحتها الأولى "جيبوها يا لولاد"، مع صور اللاعبين الذين صنعوا ملحمة خيخون في مونديال إسبانيا 1982. وفي الفترة الأخيرة، بادر إدريس إلى تصوير مقاطع فيديو من داخل المحل، ونشرها عبر مواقع التواصل، يقدم فيها تاريخ بعض الأغراض القديمة، ويحكي قصصاً مرتبطة بها.  ويتوافد على "الزمن الجميل" عشرات الزبائن يومياً من جميع الأعمار والفئات الاجتماعية، كما يزوره فنانون وجامعيون ومهتمون بالتراث من مختلف الولايات. يقول إدريس: "يأتي بعض المسؤولين الحكوميين رفقة أبنائهم ليطلعوهم على مظاهر طفولتهم وألعابهم القديمة. يسعدني أن المحل أصبح قبلة لآلاف الجزائريين، وبصمة مميزة في محيطه، إذ يلتقي الماضي بالحاضر في صورة متوازنة تحترم الذاكرة من دون أن تنفصل عن الواقع. في كل مرة يزور الناس المحل يتأثرون عندما يتذكرون تفاصيل طفولتهم، أو يلمسون أشياء عاشت معهم لسنوات، وباتت جزءاً من ذكرياتهم، وفي بعض الأحيان تدمع عيونهم. أتذكر زيارة سيدة مغتربة مع قريبتها، وكيف بدأت بالبكاء حين شاهدت بعض القطع القديمة التي ذكرتها بطفولتها". داخل المحل الصغير، يقلب الأكاديمي الجزائري عباد بشير في كتب مدرسية قديمة ما زالت عالقة بذهنه من ذكريات طفولته، ثم يقلب نعلاً بلاستيكياً قديماً لم يعد متداولاً في الأسواق، لكن آلاف الجزائريين ارتدوه في العقود الأولى عقب الاستقلال. يقول لـ"العربي الجديد"، وهو يغالب دموعه: "مجرد الدخول إلى المحل يمنحك شعوراً بالراحة، وكأنك عدت إلى بيت العائلة. يستخرج المحل منك الطفل الصغير، ويعيدك إلى عبق الماضي وذكرياته. وجدت في المحل لعبة تشبه ألعاب طفولتي". بدوره، يقول علي جنادي، القادم من مدينة البليدة، لـ"العربي الجديد": "في  كل مرة أزور هذا المحل أشعر كأنني عدت إلى طفولتي، وأتذكر رائحة الحلوى، وألوان الألعاب التي تأخذني بعيداً عن صخب المدينة. لا يمكن أن تجد هذه الألعاب القديمة في أي مكان آخر، والمحل يشعرك كأنك تسافر عبر الزمن، لتكتشف أن الجمال الحقيقي يكمن دائماً في الذكريات التي نحملها في قلوبنا". بينما يؤكد نسيم بن فروفود، القادم من محافظة تيبازة، لـ"العربي الجديد"، أن "أهمية هذا المحل الجميل أن يحافظ على الذكريات كون الحياة تتغير بسرعة، والذكريات تضمحل، لكنها لا تموت. إنه وجهة مهمة لجعل الناس يتذكرون كيف كانت تعيش العائلات الجزائرية قبل عقود سابقة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية