عربي
ليست هذه المرّة الأولى التي تفتح فيها بلدة دير الأحمر اللبنانية أبوابها للنازحين من الجوار، فلطالما كانت ملاذاً آمناً للآلاف في ظلّ تكرار العدوان الإسرائيلي على القرى والبلدات القريبة.
بينما يتصاعد خطاب تحريضي ضدّ النازحين في مناطق لبنانية عدة، تحرص بلدة دير الأحمر في قضاء بعلبك (شرق)، على أن تكون مثالاً للاحتضان والتضامن، وهي تستضيف حالياً أكثر من 10 آلاف نازح، موزعين بين البيوت ومراكز الإيواء. ويحرص الأهالي، رغم شحّ المساعدات وقلة المبادرات، على توفير الحاجيات الأساسية والمواد الغذائية للعائلات النازحة،
علماً أن غالبية سكانها ينتمون سياسياً إلى حزب القوات اللبنانية، وهو حزب مسيحي يميني، ويُعتبر من أشدّ المعارضين لحزب الله.
وتبعد دير الأحمر نحو 100 كيلومتر من العاصمة بيروت، ونحو 17 كيلومتراً من مدينة بعلبك، وتقع على ارتفاع 1000 متر تقريباً عن سطح البحر، وقد سارع أهلها منذ بدء العدوان على لبنان في 2 مارس/ آذار الماضي، إلى فتح المنازل ومراكز الإيواء في المدارس والمعاهد والكنائس لاستقبال النازحين من عدة مناطق كانت عرضة للقصف، مثل بوداي، ومقنة، وشعث، واليمونة، وشمسطار، ودورس، وبعلبك، ويونين، بعد أن خلفت اعتداءات جيش الاحتلال على البقاع مجازر بحق العائلات. فتحت كنيسة مار نهرا قاعاتها للنازحين، كما فعلت في الحرب الماضية، بمبادرة من كاهن الرعية، الأب جهاد سعادة، الذي يرفض بقاء النازحين في العراء، ويحرص على استقبال أكبر عددٍ ممكن منهم، مع تأمين الحاجيات الأساسية من مواد غذائية ووسائل تدفئة، رافضاً الخطاب التحريضي ضد النازحين، أو أن تُقفَل الأبواب في وجوههم.
في ثانوية دير الأحمر الرسمية، اختفت ملامح الصفوف، وحلّت مكانها خيام ضيّقة، يختلف حجمها حسب عدد أفراد كل عائلة، تفصل بينها حواجز للحفاظ على بعض الخصوصية، وفيها فرش وبطانيات ومخدّات، وبعض لوازم الطبخ، ووسائل تدفئة. أما الباحة الخارجية، فتحوّلت إلى متنفّس رغم الطقس الماطر، يتبادل فيها النازحون الأحاديث السياسية والاجتماعية، والتوقعات حول مصير الحرب. كذلك فإنها ملعب للصغار الذين غادروا منازلهم من دون إحضار ألعابهم أو أغراضهم، وهم يحاولون الاستفادة من الأشياء الموجودة لتمضية الوقت.
يحرص كثير من النازحين على تغطية وجوههم في مواجهة الكاميرا، ويفضّل أغلبهم عدم الحديث لوسائل الإعلام، لكنهم في الوقت نفسه، ورغم ضيق الحال، أصرّوا على "إكرام الضيف" في الثانوية التي باتت بيتهم المؤقت، فمن الصعب أن تدخل أي بيت في البقاع ولا تشرب القهوة أو تتناول الطعام. ورغم تحفّظهم، فتح بعض النازحين قلبهم، بينما تعبّر وجوههم المتعبة عن واقعهم، ولسان حالهم يقول: "تعبنا، ونريد العودة إلى منازلنا"، وخلف كل شخص قصّة معاناة، ما بين خسارة شهيد من الأقارب أو الرفاق أو الجيران، أو خسارة منزل تهدّم، أو مصدر رزق تحوّل إلى ركام.
نزح محمد صلاح من بلدة يونين، شمال مدينة بعلبك، ذات الغالبية الشيعية، وهو أب لسبعة أولاد، ولا يكفّ في حديثه عن شكر أهالي بلدة دير الأحمر على الاستقبال، ويقول: "نجلس بين أهلنا وناسنا. هؤلاء إخوتنا". ويضيف: "نزحت في عدوان 2024 إلى بلدة عرسال، في قضاء بعلبك، ذات الغالبية السُنّية، لكن في هذه الحرب نزحت إلى دير الأحمر. الحمد لله مستورون، ولدينا سقف يؤوينا. لا أخفي نقص وسائل التدفئة، خصوصاً في ظلّ البرد القارس في هذه الفترة من السنة، فالحرارة تنخفض ليلاً إلى نحو ستّ درجات مئوية، ما يؤثر فينا جميعاً، وفي الأطفال بشكل أكبر".
رغم اضطراره إلى النزوح السريع على وقع القصف الإسرائيلي، لم ينسَ محمد إحضار طيوره من نوع "الحجل البري"، التي يربّيها منذ سنوات، ويأخذها معه خلال رحلات الصيد، وهو يضعها داخل أقفاص خشبية، ويغطّيها، ويحرص على تفقّدها باستمرار.
من جانبه، يقول رئيس اتحاد بلديات دير الأحمر، هنري فخري، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك نحو 780 نازحاً في ثانوية دير الأحمر الرسمية، وبين 1700 إلى 1800 نازح في مراكز الإيواء الأخرى، فضلاً عن النازحين الذين يعيشون في المنازل، وهؤلاء يتخطى عددهم في دير الأحمر 7700 نازح تقريباً. لا دعم ملموساً من الدولة ومؤسساتها حتى الساعة، ونعمل وفق قدراتنا الفردية، مع بعض المساعدات التي تأتي من منظمات غير حكومية. في حرب عام 2024، استقبلنا بين 14 إلى 15 ألف نازح في مراكز الإيواء، لكن في تلك الفترة كان الوقت صيفاً، وكان بوسعنا الاستفادة من الباحات الخارجية، لكننا حالياً في نهاية فصل الشتاء، ولا يمكن أن نستقبل أكثر من هذه الأرقام، فهذا هو الحدّ الأقصى الذي يمكننا استيعابه".
نسأله إن كان الفارق الكبير في أعداد النازحين بين عدوان 2024، والعدوان الحالي له علاقة بحملات التحريض التي يتعرّض لها النازحون، فيقول فخري إن "السبب الأساسي لتراجع الأعداد هو أن هناك من اعتادوا الوضع الأمني خلال الحرب، مقارنة بعام 2024، بمعنى أنه بات معروفاً لكثيرين ما هي المناطق الأكثر تعرّضاً للقصف، كذلك فإن برودة الطقس لا تساعد العائلات على قرار مغادرة منازلها، خصوصاً من لديهم أطفال". ويؤكد أن "عدم استقبال أعداد أكبر من النازحين يتّصل فقط بالقدرة الاستيعابية، وليس هناك أسباب أخرى. بالنسبة إلى أوضاع مراكز الإيواء، يظل حجم المواد الغذائية المتوفرة مقبولاً، لكن هناك نقص في الوقود، المازوت والبنزين، وهناك مصاريف كبيرة على عاتقنا، من بينها رواتب الشرطة، التي زاد عددها بنحو خمسين فرداً، بينما ميزانية البلديات كما هي. لكن علينا أن نعمل على ضبط الأمن، ومنع حصول أي فوضى، سواء في البلدة، أو في مراكز الايواء، التي بلغ عددها 5 مراكز". ويشدد فخري على أن "الناس في دير الأحمر ردّة فعلهم دائماً إنسانية تجاه النازحين، بغضّ النظر عن الخلاف السياسي. نتعامل مع جميع النازحين كأنهم إخوتنا، ولا أحد من سكان البلدة يخطئ بحقهم، وفي حال حصول أي إشكال، يكون فردياً، وينتهي سريعاً. التنظيم جيد في مراكز الإيواء، فهناك أساتذة متطوعون يتولّون التنظيم، وغالبية النازحين من بعلبك وضواحيها، مثل بوداي، ومقنة، وحدث بعلبك، وبدنايل وغيرها من قرى المحيط".
بدوره، يقول الناشط السياسي صبحي منذر ياغي لـ"العربي الجديد"، إن "منطقة بعلبك - الهرمل تعتبر صورة حقيقية للتنوّع الطائفي والسياسي اللبناني، وتعتبر منطقة نموذجية يتنوّع فيها النسيج الطائفي، وعلى الرغم من التنوّع المذهبي والسياسي والحزبي في بعض البلدات، إلا أنّ المنطقة تعيش حالة من الوئام نتيجة التاريخ المشترك، والقرابة، والمصاهرة، ونتيجة العلاقات التجارية والعلاقات المعيشية اليومية". ويضيف ياغي: "تعتبر منطقة دير الأحمر خزاناً شعبياً لحزب القوات اللبنانية بشكل خاص، وإن كانت تضمّ مناصرين أو ناشطين في أحزاب أخرى، كالحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب الكتائب اللبنانية، لكن هذه القلعة المارونية، إذا صحّ القول، كانت وفيّة للجوار من باقي القرى الشيعية، خصوصاً في الأزمات والحروب، وهي دوماً تفتح أبواب منازلها وكنائسها ومدارسها للنازحين إليها من بعلبك وقرى المنطقة، كما حصل في حرب يوليو/ تموز 2006، وحرب سبتمبر/ أيلول 2024، وفي الحرب الحالية كذلك. ورغم التشنج والخطاب الطائفي المتصاعد في مناطق أخرى، تميزت دير الاحمر بتجاوز كل هذه الخلافات، والتمييز بين ما هو سياسي وما هو إنساني، وهذا بشهادة كل أبناء بعلبك".
ويرى أن "المخاوف من انفلات الوضع الأمني الموجودة في العاصمة بيروت ليست قائمة في بعلبك، نتيجة ترابط المجتمع بسبب القرابة والمصاهرة والجوار والعيش الواحد، وعادات العشائر، رغم أن ذلك لا ينفي التحسب من حصول أحداث أمنية، ومن لجوء أهالي دير الأحمر للتدقيق بانتماء بعض النازحين خشية وجود مسؤولين أو ناشطين في حزب الله في صفوفهم، كي لا تتعرض المنطقة للقصف، كما حصل في مناطق لبنانية أخرى. تراجع أعداد النازحين من بعلبك إلى دير الاحمر في هذه الحرب يعود إلى كون معظم أهالي مدينة بعلبك وقراها فرروا البقاء في منازلهم، فضلاً عن كون المنطقة حتى الآن لم تتعرض لقصف عنيف كالذي شهدته خلال الحرب الماضية".

أخبار ذات صلة.
ماذا نريد أن نتذكر؟
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة