عربي
بات العنف الرقمي يؤرق شريحة واسعة من المغاربة بالنظر إلى مخاطره المتنامية، ومحدودية الحماية القانونية، فضلاً عن التطور التقني العالمي.
كشفت رئاسة النيابة العامة في المغرب عن تصاعد العنف الرقمي ضد النساء، وسجلت في تقرير "تنفيذ السياسة الجنائية"، الصادر أخيراً، قفزة مقلقة في ظاهرة التحرش عبر الرسائل الإلكترونية فاقت نسبتها 42% في عام 2024 مقارنة بعام 2023. وتتعرض النساء والفتيات في المغرب لأشكال متعددة من العنف الرقمي، من بينها التحرش والابتزاز الإلكترونيّين، والتشهير، وانتهاك الخصوصية من خلال نشر الصور والمعلومات الخاصة، والتهديد، والترهيب. ورغم إقرار المغرب قانوناً يجرم العنف ضد النساء، دخل حيز التنفيذ في 12 سبتمبر/ أيلول 2018، تواجه صعوبات مختلفة تطبيقه على أرض الواقع، كما أن القانون يثير جدلاً واسعاً بين من يعتبرونه قانوناً "ثورياً" ينصف المرأة ويضع حدّاً لمعاناتها، وبين من يشككون في قدرته على حفظ كرامة النساء وحمايتهن.
وتؤكد رئيسة "شبكة إنجاد ضد عنف النوع"، نجية تزروت، لـ"العربي الجديد"، أن "الأرقام التي كشف عنها التقرير الأخير لرئاسة النيابة العامة ليست مجرد معطيات إحصائية، بل مؤشر واضح على تحوّل عميق في طبيعة العنف الممارس ضد النساء"، مشيرة إلى أن "التراجع المسجل في شكاوى العنف التقليدي لا يعني بالضرورة أن تلك الظاهرة في انحسار، بل يعني أن قدراً كبيراً منها انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت جرائم التحرش والابتزاز والتشهير تمارس خلف الشاشات، وفي بيئة يصعب أحياناً تعقب مرتكبيها، أو إثبات جرائمهم قانونياً".
وترى تزروت أن هذا التحول هو إشكال حقيقي يتعلق بمدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة تطور الجريمة، لافتة إلى أن "القانون المتعلق بمكافحة العنف ضد النساء، رغم أهميته والرمزية التي شكلها إقراره، إلا أنه لم يعد كافياً لمواجهة الأشكال المستجدة من العنف، وعلى رأسها العنف الرقمي. استمرار هذا الفراغ التشريعي، أو الاكتفاء بالاستناد إلى نصوص عامة لا تعالج خصوصية هذه الجريمة، يحد من فعالية المتابعات القضائية، ويجعل العديد من الضحايا يترددن في التبليغ عنها، كما أن تعقيد إثبات الجريمة، وطول الإجراءات يفاقمان معاناة النساء، ويجعلان الحماية القانونية أقل نجاعة".
وتضيف: "يفرض الواقع الحالي ضرورة مراجعة المنظومة القانونية، سواء عبر تعديل القانون القائم، أو من خلال إصلاح شامل للقانون الجنائي، ما يسمح بإدماج تعريف صريح للعنف الرقمي وغيره من أشكال العنف المستحدثة، مع توفير آليات فعالة للتبليغ والحماية. لا يمكن أيضاً الاكتفاء بالعقوبات وحدها؛ فمواجهة هذه الجريمة تقتضي تعزيز التوعية المجتمعية بمخاطر العنف الرقمي، خاصة في صفوف الشباب والمراهقين، والتعريف بالآليات المتاحة للتبليغ، حتى لا تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاءات مفتوحة لانتهاك كرامة النساء أو ابتزازهن من دون رادع. حماية النساء في العصر الرقمي لم تعد مطلباً حقوقياً، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على حماية كرامة النساء الإنسانية".
وتقول مديرة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، بشرى عبده، إن ظاهرة العنف الرقمي باتت تمثل خطراً كبيراً، خاصة أننا نسجل ارتفاعاً ملحوظاً في التحرش الرقمي ومحاولات الابتزاز الإلكتروني، خصوصاً بالقاصرات. وتؤكد لـ"العربي الجديد": "حان الوقت للاعتراف بالعنف الرقمي كجريمة، وإقرار قانون خاص بهذه الجريمة، مع تشديد عقوبات التعنيف عموماً في القانون الجنائي، وكذلك توفير الحماية اللازمة للضحايا، وتسهيل إجراءات التبليغ، وتشجيع الضحايا عليه، لأن غالبية الضحايا، من القاصرات والراشدات على حد سواء، لا يبلغن خشية الوصم من الأقارب والمحيط".
بدورها، تقول الكاتبة الوطنية لمنظمة "النساء الاتحاديات"، حنان رحاب، إنه لا يمكن قراءة الأرقام الصادرة عن رئاسة النيابة العامة بمعزل عن السياق العام. وتؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "هذه الطفرة في معدلات التحرش الرقمي ليست مجرد تفصيل إحصائي، بل هي انعكاس لواقع سوسيولوجي مرير، يؤكد أن الفضاء الرقمي بات يشكل امتداداً عنيفاً للفضاء العام الذي لا يزال يقاوم حضور المرأة".
وتضيف رحاب: "نحن أمام مفارقة حقوقية تستوجب التأمل، فمن جهة، يعكس هذا الارتفاع وعياً متنامياً لدى النساء بضرورة التبليغ، ورفض التطبيع مع الإهانة الرقمية، وهذا انتصار حقيقي على منطق الصمت. لكن من جهة أخرى، نجد أنفسنا أمام استشراء ثقافة الإفلات من العقاب خلف الشاشات، حيث يعتقد المتحرش أن الوسيط الرقمي يمنحه حصانة ضد المساءلة القانونية، ما يحول الرسائل الإلكترونية إلى سلاح لترهيب النساء، والتضييق على حريتهن في التعبير والوجود الرقمي".
وتؤكد أن "معركة المدافعات عن حقوق النساء من أجل تحقيق مساواة جوهرية حقيقية تفرض عليهن مطالبة المشرع بضرورة الانتقال من مقاربة الرصد إلى مقاربة الزجر الاستباقي. القانون الحالي، رغم أهميته، بات أمام اختبار حقيقي لتحديث آلياته وتطوير إجرائاته كي تتلاءم مع الجريمة الرقمية؛ فالعدالة البطيئة في قضايا التحرش نوع من هدر الحقوق. حماية النساء في الفضاء الرقمي ليس ترفاً حقوقياً، بل ركن أساسي في بناء دولة القانون، فلا ديمقراطية بلا أمان، ولا أمان رقمي من دون سياسة جنائية حازمة".

أخبار ذات صلة.
ماذا نريد أن نتذكر؟
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة