أعد القصة لـ”يمن ديلي نيوز” محمد العياشي: الحافظ الخطاط الدكتور حسن البكولي من مديرية أرحب بمحافظة صنعاء، حاصل على درجة البكالوريوس في علوم القرآن الكريم عام 2018، ثم الماجستير في التفسير الموضوعي في العام نفسه، وأخيرًا الدكتوراه في التفسير عام 2024، وكلها من جامعة صنعاء.
في حديثه مع “يمن ديلي نيوز” يروي البكولي تفاصيل رحلته الطويلة مع كتابة المصحف الشريف بخط يده، وهي رحلة امتدت لسنوات من الصبر والتأمل، وجمعت بين الفن والعبادة، وبين جمال الحرف وجلال المعنى.
يقول إن مشروعه يتمثل في كتابة المصحف الشريف كاملًا بخط يده، وهو عمل يتطلب دقة عالية وصبرًا طويلًا وخشوعًا عميقًا. وخلال هذه الرحلة التي عاش فيها مع آيات القرآن الكريم صفحة بعد صفحة – أعلن البكولي – مؤخرًا إنجازه لكتابة ثلثي المصحف الشريف، في محطة مهمة من مسيرته.
ويضيف لـ “يمن ديلي نيوز”: هذه الرحلة لم تكن مجرد عمل فني، بل تجربة روحية عميقة عاش فيها مع كلام الله تعالى، مستحضرًا المشاعر التي ترافق كتابة الآيات واللحظات التي يلتقي فيها جمال الخط بعظمة القرآن الكريم.
وفي سياق حديثه عن هذه التجربة، يوضح البكولي كيف يوازن بين البعد الفني والروحي في عمله، قائلاً: الفن يمنح النص وضوحًا ودقة، والروح تمنحه حياة ومعنى. أتعامل مع القلم كأداة فنية، ومع النص كرسالة إيمانية، فيذوبان معًا لتكون كل كلمة لوحة فنية وعبادة في الوقت ذاته.
بعد إنجازه كتابة ثلثي المصحف الشريف، يصف البكولي شعوره قائلاً: أشعر بفرحٍ عميق، لكنه فرحٌ ممزوج بالهيبة. فكلما تقدمت في الكتابة أدركت أكثر عظمة الأمانة التي أحملها. كتابة القرآن الكريم ليست مجرد عمل فني، بل شرف عظيم ومسؤولية كبيرة.
بداية الحلم
ويروي البكولي لـ “يمن ديلي نيوز” أن حلم كتابة المصحف الشريف رافقه منذ سنوات تعلمه الأولى لفن الخط العربي، إذ كان يتأمل المصاحف المخطوطة ويتساءل إن كان سيأتي يوم يكتب فيه مصحفًا كاملًا بيده.
ويضيف: مع مرور السنوات شعرت أن الوقت قد حان لأبدأ هذه الرحلة التي كنت أعدّ لها في صمت.
ويكشف البكولي عن الطقوس التي يحرص عليها قبل الشروع في كتابة آيات القرآن الكريم، قائلاً إنه يتوضأ ويصلي لله ركعتين، ثم يجلس في مكان هادئ موجّهًا طاولته نحو القبلة.
ويتابع: عندما أمسك القلم أشعر أنني أدخل في حالة من السكون والتركيز العميق، وكأن العالم كله يختفي ولا يبقى إلا الآيات أمامي.
وعن أصعب اللحظات التي يعيشها خطاط المصحف، يوضح البكولي أن الرهبة هي التحدي الأكبر في هذه المهمة.
ويقول: كل حرف يُكتب تحت شعور دائم بالمسؤولية، وأي خطأ قد يضطرني إلى إعادة الصفحة كاملة. لكن هذه الرهبة هي نفسها التي تمنح العمل قيمته وجلاله.
وخلال حديثه يشير البكولي إلى أن هناك آيات كثيرة أثرت فيه أثناء الكتابة، ومن أشدها تأثيرًا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا…﴾
ويضيف: عندما كتبتها شعرت برهبة شديدة حتى أن يدي ارتجفت. تلك اللحظة ذكرتني أنني لا أكتب كلمات فحسب، بل أعيش رسالة القرآن بكل معانيها.
وفي هذا السياق، يستعيد البكولي بعض الإشارات والمواقف التي رافقته خلال رحلته، قائلاً: نعم، كثيرًا ما وجدت توافقات بين ما أعيشه وما أخطه من آيات: كتبت آيات الصيام في أول رمضان، وآيات الحج مع دخول ذي الحجة، وآيات الموت وبر الوالدين أثناء مرض والدي. هذه الآيات وغيرها جعلتني أشعر بأن كتابة المصحف ليست عملًا فنيًا فقط، بل عبادة ورسائل إيمانية متجددة.
ويشرح البكولي أن إنجاز صفحة واحدة من المصحف قد يستغرق عدة ساعات طويلة، وأحيانًا يمتد العمل إلى يومين كاملين.
ويؤكد لـ “يمن ديلي نيوز” أن العمل لا يقتصر على كتابة الكلمات فقط، بل يشمل ضبط الحروف والمسافات وتحقيق التوازن الجمالي للصفحة بأكملها.
وعن خصوصية الخط اليدوي، يقول البكولي إنه رغم الالتزام الصارم بقواعد الخط والرسم العثماني، يبقى لكل خطاط إيقاعه الخاص في توازن الحروف وجمال السطور.
وفي عصر الخطوط الرقمية، يطرح البكولي رؤيته لمستقبل الخط العربي، قائلاً: الخط العربي فن حيّ، سيبقى أصيلًا مهما تطورت الخطوط الرقمية.
الكتابة اليدوية تحمل روح الخطاط وخشوعه، وهو ما لا تمنحه التقنية. المستقبل في الجمع بين الأصالة اليدوية والتكنولوجيا الحديثة للنشر والتوثيق، دون أن تحل الرقمية محل الكتابة التقليدية.
تخاطب القلب
ويضيف البكولي شارحاً تأثير كتابة القرآن الكريم عليه قائلاً إن كتابة القرآن الكريم تجعله أحيانًا يشعر بأن الآيات تخاطبه شخصيًا.
ويضيف: أحيانًا أكتب آية فأشعر أنها جاءت في لحظة أحتاج فيها إلى معناها تمامًا، وكأن القرآن الكريم يربّي القلب أثناء الكتابة.
ويعتمد البكولي في كتابة المصحف على أربعة أقلام بمقاسات مختلفة، القلم الرئيسي منها لكتابة النص القرآني، بينما تُستخدم الأقلام الأخرى للتشكيل والحركات. كما يحرص على اختيار ورق وحبر بجودة عالية، مؤكدًا أن الأدوات تؤثر كثيرًا في جمال النتيجة النهائية.
صفات خطاط المصحف
ويرى البكولي أن خطاط المصحف يحتاج إلى مجموعة من الصفات الأساسية، في مقدمتها إتقان قواعد الخط العربي، والمعرفة الدقيقة بالرسم العثماني، إضافة إلى الصبر الطويل الممزوج بخشوع دائم.
ويؤكد لـ “يمن ديلي نيوز” أن الخطاط في هذه الحالة لا يؤدي عملاً فنياً فحسب، بل يحمل أمانة عظيمة.
وفي حديثه عن رسالته من هذا المشروع، يقول: رسالتي أن أُعيد التذكير بأن الخط العربي نشأ ليكون وعاءً للقرآن الكريم. خدمة القرآن لا تقتصر على التفسير والقراءة، بل يمكن أن تكون عبر الجمال الفني للحرف. أطمح أن يشعر القارئ أن المصحف المخطوط حيّ نابض، وأن جهد الفرد يمكن أن يترك أثرًا خالدًا.
لحظات لا تُنسى
ومن أكثر اللحظات التي لا ينساها خلال هذه الرحلة، لحظة الانتهاء من كل صفحة من صفحات المصحف.
يقول: أضع القلم جانبًا وأنظر إلى الصفحة في صمت، فأشعر وكأنني خرجت من عبادة طويلة.
ويؤكد البكولي أن كتابة القرآن الكريم غيّرته كثيرًا، إذ علّمته الصبر وقرّبته من معاني الآيات بشكل عميق.
ويضيف في حديثه لـ “يمن ديلي نيوز”: عندما تكتب القرآن حرفًا حرفًا، تقرأه بقلب مختلف تمامًا.
وبينما يواصل رحلته نحو إتمام المشروع، يسلّط الضوء على دور المؤسسات في دعم هذا الفن، قائلاً: إقامة معارض ومتاحف دائمة، تقديم منح مالية لمشاريع كتابة المصاحف، إدخال الخط العربي في المناهج، تكريم الخطاطين، وتوثيق أعمالهم بالتقنيات الحديثة. دعم الخطاطين ليس تكريمًا فرديًا بل حفاظ على هوية الأمة.
وبعد إنجاز ثلثي المصحف، يواصل البكولي رحلته نحو إتمام المشروع كاملًا، معبرًا عن أمله في أن يرى هذا المصحف النور مطبوعًا بين الناس.
أمنية البكولي
يأمل البكولي أن يكون هذا المصحف صدقة جارية وأثرًا يبقى بعد العمر، “كما أتمنى أن أساهم في تعليم جيل جديد من الخطاطين ليبقى جمال الحرف في خدمة القرآن الكريم.”
وفي ختام حديثه، استعاد البكولي اللحظة التي بلغ فيها كتابة ثلثي القرآن الكريم في ليلة الخامس والعشرين من رمضان، قائلاً: الحمدُ لله الذي شرّفني ببلوغ كتابة ثلثي القرآن الكريم في ليلة (٢٥) من رمضان. وهذا ليس إنجازًا يُقاس بالعدد، بل شرفٌ يُقاس بالقرب من كلام الله؛ فالقرآن هو الخير كلّه، وخيره أعظم من كل ما يُجمع من متاعٍ يفنى.
ويختم بالدعاء: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ اللهم كما أعنتَ على البدء، فأتمم بالقبول، واجعل هذا العمل خالصًا لوجهك الكريم.
ظهرت المقالة الدكتور البكولي” يروي لـ “يمن ديلي نيوز” تجربة سنوات في كتابة القرآن الكريم (قصة صحفية) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.