قانون خفض النقد في فلسطين يثير جدلاً اقتصادياً واسعاً
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تباينت ردّات الأفعال من المختصين الاقتصاديين بشأن القرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن "خفض استخدام النقد" الذي يهدف إلى الانتقال التدريجي نحو اقتصاد منخفض النقد وتعزيز توسّع الدفع الإلكتروني في فلسطين. وأصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ودخل حيّز التنفيذ بعد نشره في جريدة "الوقائع الفلسطينية" الرسمية في 27 فبراير/شباط، وناقشته سلطة النقد الفلسطينية والمجلس التنسيقي للقطاع الخاص يوم الخميس الماضي. ويحظر القرار، الدفع النقدي في أي معاملة تتجاوز قيمتها 30 ألف شيكل (نحو 10 آلاف دولار)، أو ما يعادلها بالعملات المتداولة قانوناً، على أن يجري السداد عبر وسائل دفع غير نقدية. ونصّ على غرامة مالية لا تقل عن 5% ولا تزيد على 15% من القيمة الإجمالية للمعاملة النقدية محل المخالفة، على أن تُضاعف العقوبة عند تكرار المخالفة أو عند تجزئة المعاملة بقصد التهرب من السقف المحدد. خصوصية الاقتصاد الفلسطيني وقال أمين سر الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين، نصر عطياني، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "العالم يتجه بخطى متسارعة نحو الخدمات الإلكترونية، وفلسطين باعتبارها جزءاً من المنظومة الاقتصادية العالمية لا يمكنها أن تبقى بمنأى عن هذا التحول"، وشدّد على ضرورة مراعاة خصوصية الاقتصاد الفلسطيني الذي يعمل في ظل الاحتلال، إذ تتحكم إسرائيل في كثير من مفاصله الحيوية. وتساءل عطياني عن مدى إمكانية تحقيق أهداف القانون في ظل استمرار الاحتلال في تكريس أزمة تكدس الشيكل داخل السوق الفلسطينية، الأمر الذي يدفع البنوك إلى رفض استقبال إيداعات تتجاوز خمسة آلاف شيكل. وضرب مثالاً على ذلك بأنه في حال تمت معاملة بقيمة 50 ألف شيكل بين طرفين، وجرى دفع 30 ألفاً نقداً، فإن إيداع الـ 20 ألفاً المتبقية قد يُرفض من البنك. وفي ما يتعلق بقدرة البنية التحتية المصرفية الفلسطينية على مواكبة التحول السريع نحو التعاملات الإلكترونية، أوضح عطياني أن الأمر يتطلب العمل على مستويين متوازيين، الأول يتمثل في رفع وعي المواطن، سواء كان مستهلكاً أم تاجراً، بأهمية وأمان المعاملات الإلكترونية، والثاني تطوير الجوانب الفنية والتقنية وتعزيز الجاهزية الإلكترونية للقطاع المصرفي. وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يظل عائقاً أساسياً أمام أي تقدم اقتصادي أو مالي فلسطيني، مشيراً إلى استمرار القيود المفروضة على إدخال عملة الدينار الأردني منذ أشهر، رغم استخدامها الواسع في السوق الفلسطينية إلى جانب الدولار. تحول ملحوظ ويرى الخبير الاقتصادي شادي حمد، أن تطبيق السقف الجديد للتعاملات النقدية سيُحدث تحولاً ملحوظاً في سلوك المدفوعات داخل السوق الفلسطينية، خاصة في قطاعات السيارات والعقارات وتجارة الجملة والخدمات ذات الفواتير المرتفعة. وقال حمد، لـ "العربي الجديد"، مع "تجاوز أي صفقة حاجز 30 ألف شيكل، سيغدو التحويل المصرفي أو الدفع الإلكتروني الخيار الإلزامي، بما يعزز قابلية تتبع الأموال ويرفع مستوى الامتثال الضريبي، ويحد من مخاطر تكدّس النقد"، ولفت إلى أن "هذا التحول يضع تحديات أمام الأنشطة الأقل ارتباطاً بالجهاز المصرفي، وهو ما يفسر منح مهلة لتصويب الأوضاع وإقرار استثناءات ذات طابع اجتماعي". ملاحقة التهرب الضريبي وعن المستفيدين من القانون، أشار حمد إلى أن الجهات الضريبية ستكون في مقدمة المستفيدين، إذ سيشكل القرار مصدراً مهماً للبيانات حول الحركة التجارية، كما ستستفيد البنوك من زيادة عدد الحسابات المصرفية وكثافة العمليات والعمولات، إلى جانب الجهات الرقابية المحلية والدولية، وكذلك سلطة النقد التي ستتمكن من إظهار التزامها أمام الأطراف الدولية والسعي لمعالجة أزمة تكدس الشيكل في البنوك. في المقابل، حذر حمد من تداعيات محتملة على قطاعات واسعة، وعلى رأسها الاقتصاد الموازي الذي تُقدَّر قيمته بنحو 15 مليار دولار، إضافة إلى التجار والمستثمرين نتيجة ارتفاع مستوى الانكشاف الضريبي، والمواطنين الذين قد يشعرون بتراجع في الخصوصية واحتمال ارتفاع الأسعار مستقبلاً بفعل زيادة الأعباء الضريبية، ولفت إلى أن الفئات غير المتعاملة مع البنوك قد تجد نفسها خارج دائرة النشاط الاقتصادي المنظم، مع احتمال تأثر الحركة التجارية وتجفيف جزء من السيولة المتأتية من المعاملات الكبيرة مع فلسطينيي الداخل. رفض مجتمعي ولقي القانون ردّات أفعال على منصات التواصل الاجتماعي، وقال رجل الأعمال عاصف جودة في منشور له على منصة فيسبوك "قانون خفض استخدام النقد، يهدف إلى تقليل التعاملات النقدية وتعزيز وسائل الدفع غير النقدي في فلسطين، لكنه يهدف أيضاً إلى رفع الأسعار، ولتكبيل الناس وابتزازهم وسهولة التحكم بهم، وخنقهم ودفعهم للهجرة"، وأضاف "مع الأسف لا نزال نصدق الوعود الكاذبة. لا المقاصة سوف تحّل أو الاقتصاد سيتحسن". أما السياسي غسان حمدان فعلق قائلاً "فلسطين تحت الاحتلال وأي قانون يجب أن يرتبط بتعزيز الصمود وألا يدفع لتهجير الناس وخاصة رأس المال"، وتابع: "غياب السيولة في غزة تسبب بمأساة لكثير من المواطنين. فماذا لو حصل ذلك في الضفة!". موقف سلطة النقد وكان رئيس سلطة النقد يحيى شنّار، قال في تصريحات صحافية سابقة، "إن مشروع القانون أعد بالتشاور مع عدد من الجهات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص، واستناداً للمعايير الدولية وتجارب دول العالم التي لديها قوانين مماثلة"، وأوضح أن الهدف من القانون تطوير بيئة مالية أكثر كفاءة وأماناً، والتغلب على مشكلة تراكم النقد، خاصة الشيكل، في السوق الفلسطيني، وتشجيع التحول نحو وسائل الدفع الإلكترونية بما يخدم الأفراد والمؤسسات على حد سواء. وبين شنّار، أن سلطة النقد رحّلت مبلغ 18 مليار شيكل (5.5 مليارات دولار) لعام 2025، وتواصلت مع العديد من الأطراف الدولية، للضغط على الجانب الإسرائيلي لرفع "الكوتا" من 18 إلى 30 ملياراً، أو إزالتها نهائياً، إذ إن البنك المركزي الإسرائيلي الذي يصدر العملة ملزم بتسلم عملته، مشيراً إلى تعاملات مالية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية بمليارات الشواكل شهرياً. ووفقاً للمعطيات التي نشرتها سلطة النقد، فإنّ حوالى 81% من الإيداعات النقدية بعملة الشيكل أقل من 5 آلاف شيكل، وحوالى 10% من الإيداعات من 5 إلى 10 آلاف شيكل، وحوالى 5% من الإيداعات من 10إلى 20 ألف شيكل، و4% من الإيداعات تتجاوز 20 ألف شيكل. بنود القانون ولم يكتفِ المشرّع بتحديد السقف، بل منح سلطة النقد صلاحية تعديل هذا السقف بقرار يصدر عنها بعد التنسيق مع وزارة المالية، بما يتيح مرونة في التعاطي مع المتغيرات الاقتصادية، كما خوّلها، بالتنسيق مع وزارة المالية ووزارة الاقتصاد الوطني، إصدار تعليمات تتعلق برفع مؤقت للسقوف في حالات الأزمات والطوارئ أو لفئات محدّدة، وتنظيم سقوف السحب والإيداع وتبديل العملة، ووضع حدود للمعاملات التي يكون موضوعها نقداً، وتنظيم تداول وتظهير الشيكات ومواصفاتها، وتحديد معاملات يجب أن تجري حصراً عبر وسائل الدفع غير النقدي. وتسري أحكام القانون على كل المعاملات التي تتجاوز السقف النقدي، بما يشمل المعاملات ذات الأثر المالي أو التجاري، والدفع الدوري أو غير الدوري، وأياً كانت العملة المتداولة. واستثنى القانون صرف الإعانات والتبرعات والنفقات الموجهة لأغراض التنمية الاجتماعية والعمل الأهلي للأشخاص الطبيعيين في حال تعذر استخدام وسائل الدفع غير النقدي أو وجود صعوبات في الوصول إليها، وذلك وفق التعليمات الصادرة لهذه الغاية. في حين ألزم القرار الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة بتنفيذ معاملاتها بوسائل دفع غير نقدية، وإتاحة هذه الوسائل للمتعاملين معها، كما ألزم المؤسسات الخاصة، بما فيها الشركات والمنشآت وأصحاب العمل ومزودو الخدمات، بتقييد المعاملات التجارية أو الخدمية والاحتفاظ بالسجلات والمستندات التي تُثبت وسيلة الدفع، وفق التشريعات النافذة. وبالتوازي، كُلِّفت الجهات الحكومية وسلطة النقد والمصارف ومزودو خدمات الدفع بتعزيز البنية التحتية للمدفوعات غير النقدية، وتنظيم حملات توعية ودعم للتجار والأفراد لتسهيل الانتقال، بما يعكس توجهًا رسميًا نحو توسيع الشمول المالي وتقليل مخاطر النقد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية