يجد مزارعو القمح في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أنفسهم اليوم في الخطوط الأمامية لمواجهة أزمة مناخية لم تعد مجرد تنبؤات علمية، بل واقعاً يومياً يفرض إعادة صياغة جذرية لممارساتهم الزراعية المورثة.
وفي ظل الارتفاع المتسارع في درجات الحرارة وتذبذب معدلات هطول الأمطار، بات الاستقرار الإنتاجي لمحصول القمح الذي يمثل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والعمود الفقري للاستقرار الاجتماعي في المنطقة على المحك.
يؤكد تقرير المعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية المستدامة «IRD» إلى أن حقول القمح في المنطقة بدأت تستشعر وطأة التحولات المناخية بشكل ملموس؛ حيث تضافرت عوامل الجفاف المتكرر وعدم انتظام المواسم لتضع المزارع الريفي أمام تحدٍ وجودي يمس ربحيته وتوفر الموارد المائية الأساسية لاستمراره.
مواضيع مقترحة
- مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
- زراعة القمح في شبوة بين التوسع والتحديات
- زراعة القمح في لحج: نجاح واعد رغم التحديات
في دراسة شملت مئات المزارعين في ست دول هي: الجزائر، المغرب، تونس، الأردن، العراق، وإيران، كشف علماء معهد IRD بالتعاون مع شركاء دوليين عن وعي جماعي لافت بحجم التغير المناخي. فلم تعد ظاهرة الاحتباس الحراري بالنسبة لهؤلاء المنتجين مفهوماً مجرداً، بل تحولت إلى ضغوط يومية تتطلب حلولاً ابتكارية فورية.
وتعكس نتائج الدراسة حقيقة مفادها أن المزارع في هذه المناطق لا يقف موقف المتفرج؛ إذ تؤكد الشهادات الميدانية، ومنها ما صرح به عالم الهيدرولوجيا “جيل ماهي”، أن المزارعين بدأوا بالفعل في تبني استراتيجيات تكيف ذاتية دون انتظار توجيهات خارجية.
ويبحث المزارعون عن حلول مرنة تدمج بين الخبرة التقليدية والضرورات البيئية الجديدة، مؤكدين أن التكيف لم يعد خياراً ثانوياً، بل صار جزءاً لا يتجزأ من ديمومة العمل الزراعي في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة تجاه التغيرات البيئية.
التكيف ومواصلة الإنتاج
في مواجهة التغيرات المناخية، لم يتردد منتجو القمح في تعديل ممارساتهم الزراعية، حيث تسلط الدراسة الضوء على مجموعة من استراتيجيات التكيف المطبقة على نطاق واسع، ومن بين أكثر الاستجابات شيوعًا، تغيير مواعيد الزراعة لتجنب فترات الحر الشديد، واختيار أصناف قمح أكثر مقاومة للجفاف، وتحسين تقنيات الري، وتعديل استخدام الأسمدة.
تعكس الإجراءات رغبة قوية في الحفاظ على الإنتاج مع الحد من الضغط على الموارد الطبيعية، في منطقة تعاني من ندرة المياه، يصبح تكييف الزراعة وسيلةً لتقليل سحب المياه والاستفادة الأمثل من كل هكتار مزروع.
وتُظهر الدراسة التكيف يمكن أن يُسهم في زراعة أكثر استدامةً وأكثر ملاءمةً للظروف المحلية مع ذلك، لا تتمتع جميع المزارع بنفس القدر من التجهيز للتعامل مع الظروف المناخية المتغيرة، إذ تُشير النتائج إلى أن المزارعين الأكثر تدريبًا، والذين يتمتعون بإمكانية وصول أفضل إلى المعلومات المناخية والمعدات الحديثة والتمويل، هم الأكثر ترجيحًا لتبني استراتيجيات متنوعة.

في المقابل، يظل صغار المنتجين، الذين غالبًا ما يكونون أكبر سنًا أو ذوي موارد محدودة، أكثر عرضةً للصدمات المناخية. ويؤكد سعيد خبا، المتخصص في الزراعة والموارد المائية في جامعة القاضي عياض في مراكش، أن التكيف موجود، لكنه يعتمد بشكل كبير على الوصول إلى الموارد والتقنيات والدعم الفني.
الاستدامة
إلى جانب خيارات المزارعين الأفراد، تُسلط الدراسة الضوء على قضية محورية لمستقبل الزراعة المستدامة في المنطقة: الحاجة إلى دعم جماعي ومؤسسي. فبدون سياسات عامة مناسبة، من المرجح أن تبقى جهود المنتجين متفرقة وغير كافية في مواجهة حجم التغير المناخي المتوقع.
ويؤكد العلماء على أهمية تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، وتيسير الحصول على البذور المُتكيفة مع الظروف المناخية الجديدة، والاستثمار في بنية تحتية أكثر كفاءة للري.
وتُعد الأدوات أساسية للحد من التفاوتات بين المزارع، وتمكين التحول الزراعي المستدام على المستوى الإقليمي. كما تُظهر الدراسة أيضاً أن التكيف لا يقتصر على الاستجابات التقنية، بل يشمل تحولاً شاملاً للنظم الزراعية، يدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وفي منطقة تعاني أصلاً من شح المياه، والنمو السكاني، والاعتماد على واردات الحبوب، يبدو هذا النهج المتكامل ضرورياً.
وعلى الرغم من أهمية السياسات والمعرفة التقنية، إلا أن الوصول إلى الموارد، لا سيما المياه والتمويل والمدخلات عالية الجودة كالبذور والأسمدة، يُعد العامل الأكثر حسمًا. يدرك العديد من المزارعين الإجراءات التي من شأنها تحسين الإنتاجية والقدرة على الصمود، لكنهم يفتقرون إلى الوسائل اللازمة لتنفيذها.
ويلخص باستيان دييبوا، عالم المناخ في مركز علم البيئة الزراعية والمياه والقدرة على الصمود بجامعة كوفنتري، الوضع قائلاً: “بدون معالجة هذه المعوقات، ستعود عملية التكيف بالفائدة بشكل رئيسي على المزارع الأكبر حجمًا والأفضل تجهيزًا، وستزيد من حدة التفاوتات القائمة”.
الأمن الغذائي والمناخ
مع استمرار ارتفاع الطلب على القمح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باتت قدرة المزارعين على التكيف مع تغير المناخ قضية محورية تتعلق بالأمن الغذائي.
يعد القمح الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والعمود الفقري للاستقرار الاجتماعي
وتشير الدراسة إلى أن المنتجين ليسوا مجرد ضحايا لتغير المناخ، بل هم أيضاً فاعلون أساسيون في التحول نحو زراعة أكثر استدامة. إلا أن هذا مشروط بدعم جهودهم على المدى الطويل. فبدون دعم أقوى من السلطات العامة والمؤسسات الزراعية، من المرجح أن تبقى استراتيجيات التكيف متقطعة وغير موزعة بالتساوي.
ومن خلال دعم الابتكار والتدريب وتوفير فرص متكافئة للحصول على الموارد، يمكن للمنطقة تحويل تحدي المناخ إلى فرصة لبناء قطاع زراعي أكثر استدامة قادر على إطعام السكان مع الحفاظ على النظم البيئية.