عربي
انطلقت في قطاع غزة، اليوم الأحد، حملة التطعيم الاستدراكية الثالثة التي أعلنتها وزارة الصحة لتعزيز البرنامج الوطني لتطعيم الأطفال دون سن الثالثة، وذلك في محاولة لاحتواء التدهور المتسارع في الواقع الصحي للأطفال، وسدّ الفجوات والانهيار شبه الكامل في خدمات الرعاية الصحية الأساسية بعد حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدى أكثر من عامين بحق القطاع.
تمتد الحملة على مدار خمسة أيام، وتأتي ضمن جهود تعزيز برنامج التطعيم الوطني، إذ تسعى الجهات الصحية للوصول إلى آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين حُرموا من جرعاتهم الأساسية خلال الأشهر الماضية. وتُنفّذ هذه الحملة بتعاون مشترك بين وزارة الصحة في غزة وعدد من المؤسسات الصحية والإغاثية، من بينها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" ومنظمة الصحة العالمية.
وبحسب وزارة الصحة، تنتشر فرق التطعيم في 129 مركزاً صحياً موزّعة في مختلف مناطق القطاع، بحيث تشمل مرافق حكومية وأخرى تابعة للمؤسسات الدولية والأهلية، في محاولة لتوسيع نطاق الوصول رغم التحديات الميدانية الكبيرة.
في أحد المراكز الصحية المكتظة بالنازحين غربي مدينة غزة، وقفت أم أحمد خلف وهي تحمل طفلها الذي لم يتجاوز عامه الثاني، تنتظر دورها وسط الأمهات من أجل تطعيمه. تقول لـ"العربي الجديد": "منذ أشهر وأنا أخشى أن يمرض طفلي، خصوصاً أنه لم يحصل على التطعيم الأول في الحملة السابقة، بسبب الواقع الصعب الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية وعدم القدرة على التنقل المستمر". أم أحمد، الفلسطينية التي دمّر جيش الاحتلال منزل عائلتها، تضيف: "جئتُ اليوم مبكراً لأضمن أن يحصل طفلي على حقه في الحماية والرعاية الصحية".
تستقبل هذه المراكز الصحية الأطفال المشمولين بالحملة، وسط دعوات مكثفة للأهالي إلى ضرورة استكمال الجرعات التي لم يحصل عليها أطفالهم، مع إحضار بطاقات التطعيم إن توفرت، لضمان توثيق دقيق للجرعات.
قطعت الفلسطينية لينا صبيح مسافة طويلة للوصول إلى مركز التطعيم، وهي التي نزحت مرات عدّة خلال الحرب وما زالت نازحة حتى اليوم. تجلس لينا على كرسي بلاستيكي وهي تحاول تهدئة طفلتها جنى (3 أعوام) التي لا تتوقف عن البكاء. وتقول لـ"العربي الجديد": "فقدنا أشياء كثيرة، لكن صحة أطفالنا لا يمكن أن نغامر بها، لم أكن أملك بطاقة التطعيم بعد أن ضاعت أثناء النزوح، لكن الممرّضة طمأنتني بأنّهم سيسجّلون الجرعات، وأن طفلتي ستأخذ اللقاحات"، مؤكدةً حرصها على الالتزام بحملات التطعيم في سبيل حماية أطفالها من الأوبئة التي تحيط بهم.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة، تمكنت المؤسسات الصحية المحلية بدعم من المنظمات الدولية من تنفيذ حملات تطعيم محدودة في أوقات متفرقة، كان أبرزها حملة مكافحة شلل الأطفال التي جاءت بعد تسجيل إصابات داخل القطاع، حيث تلقى قرابة نصف مليون طفل في المرحلة الثانية لقاح التطعيم ضد شلل الأطفال في فبراير/ شباط 2025. وقد شملت إحدى المراحل السابقة مئات الآلاف من الأطفال، في محاولة عاجلة لاحتواء انتشار المرض ومنع تحوله إلى وباء واسع النطاق.
بعد تطعيم طفلها، تشير صابرين مريش إلى أن الأسر الفلسطينية تعاني واقعاً صعباً وأجواءً غير طبيعية. وتضيف لـ"العربي الجديد": "نعيش في خيمة، وكل شيء حولنا قد يسبّب الأمراض، من المياه غير النظيفة إلى الغبار والازدحام. التطعيم بالنسبة لنا ليس خياراً، بل ضرورة. وقد جئتُ اليوم خوفاً من أن يُصاب طفلي بأيّ مرض، خصوصاً بعد سماعنا بانتشار بعض الأوبئة".
تعكس هذه الشهادات حجم القلق الذي تعيشه الأمهات في غزة، وفي الوقت نفسه، إصرارهنّ على حماية أطفالهنّ رغم كل التحديات، حيث تحوّلت مراكز التطعيم إلى محطات أمل في واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
وخلال فترة الحرب الإسرائيلية، تعرّض النظام الصحي في غزة لضربات قاسية، إذ دمّرت أو تعطلت نسبة كبيرة من المرافق الصحية، سواء التابعة للجهات الحكومية أو الدولية والخيرية، ما أدى إلى انقطاع خدمات التطعيم لفتراتٍ طويلة. هذا الواقع ترك آلاف الأطفال من دون حماية كافية، وفتح الباب أمام عودة أمراض كان يُعتقد أنها تحت السيطرة.
بدوره، يقول طبيب الأطفال أسعد زهد إنّ هذه الحملة تمثل خطوة حيوية في ظل المخاطر المتزايدة لانتشار الأمراض المُعدية، لا سيّما بين الأطفال الذين لم يحصلوا على تحصين كامل، إذ يشكّل التطعيم خط الدفاع الأول في مواجهة أوبئة قد تتفشّى بسرعة في بيئةٍ مكتظة تفتقر إلى أبسط مقوّمات الصحة العامة. ويوضح زهد لـ"العربي الجديد": "نحن لا نتحدث عن حملة روتينية، بل عن تدخل طارئ لسد فجوة خطيرة في مناعة الأطفال، خصوصاً بعد أن حُرم عدد كبير منهم من الجرعات الأساسية خلال الأشهر الماضية. لذلك، فإنّ أيّ تأخير إضافي قد يفتح الباب أمام مزيدٍ من الأوبئة".
وينبّه طبيب الأطفال إلى أنّ البيئة الحالية في غزة، سواء لناحية الاكتظاظ السكاني أو لناحية نقص المياه النظيفة وتدهور خدمات الصرف الصحي، تُعدّ بيئة مثالية لانتشار الأمراض المُعدية، لذلك فإنّ التطعيم ليس فقط حماية فردية للطفل، بل هو حماية مجتمعية تمنع تفشّي الأوبئة، بحسب قوله.
ويعاني القطاع الصحي في غزة من انهيار نتيجة القيود الإسرائيلية المشددة عليه ومنع إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية بشكل دائم، فضلاً عن نقص الوقود والمواد التشغيلية اللازمة لتوفير التيار الكهربائي، ما يعرّض المستشفيات لضغط دائم ينعكس سلباً على صحة المرضى وحقهم في الرعاية اللازمة.
وبحسب منشور وزارة الصحة الفلسطينية في غزة اليوم الأحد، عبر حسابها على "فيسبوك"، فقد ناقش وكيل الوزارة المكلّف ماهر شامية مع وفد من منظمة الصحة العالمية سبل تعزيز الخدمة الصحية في القطاع وتحقيق مستويات التعافي. كما جرى التطرق إلى التحديات التي تواجه عمل المرافق الصحية، ومن بينها تفاقم أزمة نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، وعدم توفر الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولّدات الكهربائية.

أخبار ذات صلة.
هجوم أوكراني يستهدف تصدير النفط الروسي
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق