عربي
قبل شهرين، أخبر أحمد قعبور عائلته بأنه اشترى قبراً بعدما تلقى عرضين من القائمين على مقبرة الشهداء في شاتيلا: قبر مفرد يتسع لشخص واحد، وآخر دوبلكس يتسع لشخصين.
وقبل شهرين أيضاً، أرسل أحمد إلى صديق له اسمه أحمد أغنية مسجلة، لخّصت كل شيء بوصفها موقفاً مكتوباً بالصوت، بوصفها، لنقل، جردة حساب، أو مرافعة المغني قبل أن يغلق الباب.
هي آخر أغنية سجلها في استوديو في أنطلياس. كان الشخص النحيل دائماً مرهقاً يرشح آخر قطرات الوجود، وعنيداً كعِرق ياسمين يريد حسم أمرين: شراء القبر وتسجيل أغنية "الحجة فطّوم".
تعرفتُ إلى الأغنية بعد رحيله (26 مارس/آذار الحالي) بيومين، منشورة فقط على فيسبوك في صفحة الصديق ومن ثم في واحدة من صفحات اليسار اللبناني.
مباشرة يبدأ المغني بالقول "في الخمسة وسبعين". هذا التاريخ هو المفتتح الذي ستقوم عليه الحكاية. "في الخمسة وسبعين كنا في العشرين". هذه الحقيقة الروزنامية التي ينبغي التأكيد أنها في مكانها بالضبط.
كان هو مع رفاقه في العشرين، وكنتُ أنا مع رفاق مدرسة وكالة إغاثة اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في الرصيفة (15 كيلومتراً شمال شرقي عمّان) نتلقف شريط الكاسيت الأول وتصدع فيه أغنية "أناديكم" في سماعة المدرسة.
كان ذلك العام الأوسط في العقد الذي يجب أن تلحقه لازمة تفيد أنه من القرن المنصرم. لا يوجد لدينا قرن منصرم سوى القرن العشرين، نصرمه حتى نميزه عن عقود ثانية في قرون أخرى، لها ما لها وعليها ما عليها من أحلام، وأوهام، وبطولات، وشهادات انحطاط.
تنقسم الأغنية إلى ثلاث حركات: تنفس هادئ متأمل، ثم محتج تحت سقف المراجعة النقدية، والختام جاء بيانياً. كيف وقع ذلك؟
في منتصف هذا العقد، اندلعت الحرب الأهلية، في الوقت الذي كان الشاب ابن العشرين منخرطاً في "أحزاب وحلقات وأيديولوجيات.. نعشق كلمة لأ ما بتفرق لمين". طحنت الحرب الأهلية أبناء البلد الواحد، ومنهم عاشق كلمة "لا" وهو ذاته في واحد من تصريحاته قال إنه كان يريد "تريد الكوكب".
ثم جاء حصار بيروت واحتلال أول عاصمة عربية بعد القدس، وانطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وفي الحركة الثالثة انطلق يلقي النص الآتي كأنه بيان مع موسيقى صاعدة كالتي ترافق نشرة إخبارية.
يقول: "شهدت الفترة الممتدة من أواسط السبعينيات إلى أواسط الثمانينيات عمليات اغتيال طاولت قامات فكرية وصحافية ونضالية خلال العمليات البطولية لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية دحراً للاحتلال الإسرائيلي".
يعدد أكثر من 15 اسماً من الشيوعيين الذي اغتيلوا برصاص لبناني أو رصاص الوصاية السورية. أراد قعبور أن تكون هذه آخر كلماته للتذكير بأسماء مثل مهدي عامل الذي نظّر للثقافة الثورية وكتب "لستَ مهزوماً ما دمت تقاوم"، قبل أن تغتاله رصاصة في شارع بيروتي في مايو/أيار عام 1987، وسبقه حسين مروة المفكر الطاعن في السن الذي اغتيل في شقته بكاتم صوت في شقته في فبراير/شباط من العام نفسه.
هذه ثلاث حركات، ثلاث مرايا للحرب الأهلية والعدوان الصهيوني والاغتيالات التي أطاحت مقاومين يساريين، تظهر بينها الحجة فطّوم، بوصفها مركزاً أخلاقياً للنص. فطّوم اسم التحبب لفاطمة الغول، والدة أحمد قعبور وقد رحلت في أكتوبر/تشرين الأول 2020.
فهي التي كانت ترد بإيقاع تربيتة مع صوت المغني الذي يشبه صوت لوحة الباستيل، صوت لون الباستيل. "والحجة فطّوم، بتنام وبتقوم، وعينيها عالباب. والحجة فطّوم، بتصلي وبتصوم، بتدعي للشباب. هن مش سامعين، عليها مش سائلين، هن مشغولين، والله بيكفي هموم، بهالعمر المظلوم".
حتى الحركة الأخيرة الدامية وصل المغني إلى استعمال ضمير المتكلم "نحن" بدل ضمير الغائب الخاص بالوالدة فطّوم، فيقول "وصرنا مع فطّوم بنّام وبنقوم... إلخ".
خلال سنوات الحرب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي وتجريف الوجود الثوري اليساري، أرادت الأغنية أن تعلن انحيازها بلا رجعة إلى من يرى مغنيها أنهم صفحة لبنانية تاريخية جامعة وعابرة للطوائف وفاعلة في الفكر والميدان وقتيلة بيد وفّرت على العدو رصاصة.
لا يحكم أحمد قعبور على أحد في الأغنية. لا على الشباب المشغولين ولا الجيل الذي صار فطّوماً. هو يصف، وفي الوصف الدقيق شجاعة أكبر من أي اتهام.
اتصلتُ بصديقه الذي نشر الأغنية، واسمه أحمد إسماعيل، وهو أسير محرر خرج بتبادل أسرى عام 1992، بعد قضائه عشر سنوات في عدة سجون صهيونية، ست منها في سجن عسقلان.
كان أحمد قعبور خلال الشهرين الأخيرين في حالة صحية متدهورة، الأمر الذي جعل صديقه يعاتبه على سواقته السيارة وبذل مجهود بدني غير مناسب لصحته. مع هذا، كان مصراً على استكمال الأغنية، التي ألف كلماتها أيضاً، لا بل إن تأليف هذا المانيفستو، لا يجدر بأحد سوى صاحب الشأن أن يفعله. حين سمعت منه كلمة دوبلكس ظننتها تعليقاً فكاهياً، إلى أن أعادها مرة ثانية فسألته إن كان جاداً.
هنا تنقلب اللغة فجأة إلى مفارقة مربكة. الدوبلكس كلمة من عالم آخر، من سوق العقار، من شقق تتسع لاختيارات الرفاه. تدخل إلى سياق الموت فتبدو نكتة في غير مكانها، ومع ذلك يضحك الناس. الضحك هنا ليس خفة، وإنما ردة فعل على ضيق يتكثف إلى حدّ السخرية.
فقد اختار الفنان قبراً مفرداً، مثلماً يختار البشر قبورهم، أو يختار ذووه أو البلديات قبوراً مفردة. أما خيار الدوبلكس فهو في الحال البيروتية إشارة إلى ندرة أماكن الدفن، وعليه فمن يستطِع النزول في الأرض أعمق يحصلْ على مدفن من طابقين، للميت السابق والآخر اللاحق.
قلتُ له: إن الدعاء الشامي على ميت بالويل والثبور الذي تلخصه عبارة "الله يغمّقله" تتغير في السياق البيروتي لتصبح دلالة على الوفرة المالية والوجاهة الاجتماعية.
التقيت أحمد قعبور مرتين في الدوحة عام 2012، في مهرجان "وطن يتفتح في الحرية"، إذ قال "لتحرير فلسطين يجب تحرير كل قدس في العواصم العربية" وغنّى "أناديكم". والمرة الثانية عام 2024 في مهرجان كرامة السينمائي في عمّان وغنّى "أناديكم".
في ثلاثة أماكن كانت الأغنية تعبر النداء الإنساني قبل السياسي. فهي ليست نشيداً بزيّ سياسي معيّن. هي خارج التعيين ذاهبة إلى أن تكون دائماً في علاقة شخصية وجماعية بين المغني وبينك ثم بسهولة وبينكم، حين يختم النداء بضمير المخاطب الجماعي.
مع ذلك، لا يمكن تتبع مسيرة الفنان بتنوعاتها إلا من خلال زاوية النظر التي تجعله ينظر إلى العالم يساراً من دون أن يكون عبد المقرر، ومنفتحاً من دون أن يتخلى عن التزامه، ذلك الالتزام الذي يريد اختيار الطريق، طريق ما يراه حقاً لا يستوحشه لقلة السالكين.

أخبار ذات صلة.
جيش الاحتلال ينهي بنك أهداف الحرب على إيران
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة
جيش الاحتلال ينهي بنك أهداف الحرب على إيران
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة