عربي
يستذكر أهالي ريف دير الزور، شرقي سورية، في أواخر مارس/ آذار من كل عام مجزرة وقعت في بلدة الباغوز؛ التي كانت آخر معقل لتنظيم "داعش"، في سورية، بحق عدد كبير من الأطفال والنساء كانوا في مخيّم قرب البلدة، تُتهم بها "قوات سوريا الديمقراطية"، (قسد) والتي كانت تخوض في ذلك الحين معارك مع التنظيم تحت غطاء ناري من التحالف الدولي. ونشر ناشطون مقاطع فيديو تظهر العثور على رفات وعظام ضحايا قضوا في تلك المجزرة التي وقعت أواخر مارس من عام 2019. وكانت قوات "قسد"، قد أعلنت في ذلك الحين "النصر"، والسيطرة على آخر جيب لتنظيم "داعش" في سورية، وهو بلدة الباغوز على الحدود السورية العراقية بعد معارك وحصار استمر طويلاً، استخدمت فيه كل الأسلحة. وتجمعت عائلات في مخيم قرب البلدة تعرّض لقصف وُصف بـ"الوحشي"، قُتل فيه العشرات، وشوهدت أشلاء الضحايا من النساء والأطفال وجثث مقاتلي التنظيم. وفُتحت بعد ذلك ممرات "آمنة"، لمن لم يلق حتفه في القصف، فنقل المقاتلون إلى سجون، والمدنيون إلى مخيم الهول الذي فُكك الشهر الفائت؛ بعد استعادة الدولة السورية السيطرة على ريف الحسكة الجنوبي. وروى ناجون من المجزرة لوسائل إعلام، أن القوات الكردية اقتحمت المخيم من عدة محاور، وارتكبت مجازر بحق الأطفال والنساء. وفي مايو/ أيار من عام 2022، خلُص تقرير للجيش الأميركي إلى أنه لم ينتهك قوانين الحرب، إبّان معركة الباغوز، مشيراً إلى أن قوات سوريا الديمقراطية طلبت إسناداً جوياً دفاعياً في أعقاب تعرّضها لهجوم مضاد من التنظيم.
وقال الجنرال مايكل غاريت، الذي قاد تحقيق البنتاغون إن "قائد القوات الأميركية البرية المسؤول عن الإسناد تحقق من صحة العمل العدائي أو النية العدائية لمسلحي تنظيم الدولة، حيث تلقى مراراً تأكيداً بعدم وجود مدنيين في مناطق الهجوم، وأعطى الإذن بتنفيذ الضربات الجوية الإسنادية".
مقبرة جماعية في الشدادي
وغير بعيد عن بلدة الباغوز، عثر الأهالي في بلدة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي، خلال الأيام القليلة الماضية، على مقبرة جماعية، قرب سجن يُعرف باسم "الكم الصيني"، وفق مديرية الإعلام في محافظة الحسكة، والتي ذكرت في منشور لها، السبت، على "فيسبوك"، أنه عُثر على مقبرة جماعية بالقرب من سجن الكم الصيني، تضم تسع جثث لأشخاص كانوا محتجزين في السجن قبيل بسط سلطة الدولة على المنطقة.
من جانبه، قال المتحدث باسم الوفد الرئاسي لتطبيق الاتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية"، أحمد الهلالي، إن الأمطار الغزيرة والسيول أدت إلى انكشاف عشرات الخنادق التي تحتوي على جثث مدفونة بشكل جماعي، في مشهد يعكس حجم الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
ويُعتقد بأنّ الجثث التي عثر عليها في المقبرة تعود لأشخاص كانوا محتجزين لدى "قسد" قبل بسط سيطرة القوات الحكومية السورية على المنطقة، حيث تعرّف الأهالي إلى جثة الضابط المنشق عواد الحسين الخليف، المعروف بـ"أبو عدي". وكان الخليف برتبة ملازم أول، ويتحدر من ناحية الصور شمال دير الزور شرقي سورية، وقد انشق عن قوات نظام الأسد عام 2012 وانضم إلى صفوف المعارضة السورية، واعتُقل من قبل قوات "قسد" عام 2021 بتهمة التواصل مع "الجيش الحر". وقالت الهيئة الوطنية للمفقودين، في بيان، إنه اتُّخذت الإجراءات اللازمة لحماية الموقع "بما يضمن الحفاظ على الرفات ومنع العبث بالموقع، مع مراعاة متطلبات السلامة وسلسلة الحفظ، وتنفيذ تدخل محدود، وفق الإجراءات الفنية المعتمدة عند الضرورة".
ومنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول، العام قبل الفائت، اكتُشفت عشرات المقابر الجماعية في عموم البلاد، ولا سيّما في أرياف دمشق وحلب وحماة. ولعلّ أكبر المقابر المكتشفة تقع في منطقة القطيفة بريف دمشق، بحسب تقرير نشرته وكالة رويترز في عام 2025، بيّنت فيه أنّ نظام الأسد نقل بين عامَي 2019 و2021 آلاف الجثث لمعتقلين قضوا تحت التعذيب من مقبرة جماعية في القطيفة وحفر ثانية ضخمة في الصحراء خارج بلدة الضمير.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه في 28 مارس/آذار 2026، كشف أهالي الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي عن مقبرة جماعية في محيط ما يُعرف محلياً بـ"الكم الصيني" أو "الكامب الصيني"، وهي منشأة كانت تستخدمها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مقراً عسكرياً ومركزاً للاحتجاز. وأضاف: "كما كشفت السيول الأخيرة في الحسكة عن عدد من المواقع في محيط الشدادي، يُقدَّر أنها تضم عشرات الخنادق ومئات الجثث لمجهولي الهوية". وأوضح أن هذا الاكتشاف أتى بعد نحو شهرين من انسحاب "قسد" من الشدادي في 19 يناير/ كانون الثاني 2026.
أما في الباغوز بريف دير الزور، فلا يزال الأهالي يعثرون دورياً على مقابر جماعية منذ نهاية معركة القضاء على آخر معاقل داعش في مارس 2019. وتابع عبد الغني: "تقع هذه المقابر ضمن رقعة لا تتجاوز عشرة كيلومترات مربعة. وقد وثقنا حتى الآن خمس مقابر جماعية ظاهرة: اثنتان في المخيم القديم وسط الأراضي الزراعية، وواحدة بجانب المستوصف، واثنتان داخل شوارع القرية. في الباغوز، تُنسب توثيقاتنا، بحسب الأدلة الميدانية المتاحة، الحصة الأكبر من المقابر إلى داعش، ولا سيما تلك التي تضم جثث إيزيديات ومدنيين خضعوا لحكم التنظيم بين عامي 2014 و2019. غير أن وجود مقابر متعددة في المخيم القديم وداخل النسيج العمراني يثير تساؤلات بشأن انتهاكات ارتُكبت أثناء المعارك أو في أعقابها المباشرة".
وتابع مدير الشبكة الحقوقية: "أما في الشدادي، فإن وقوع المقبرة الجديدة في محيط سجن "الكم الصيني" الذي أدارته "قسد"، وما يُروى عن كونها تضم رفات معتقلين سابقين، يُرجّح بدرجة عالية مسؤولية "قسد". وتؤكد قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن "قسد" تتحمل مسؤولية واسعة عن الاختفاء القسري لقرابة 3000 شخص شمال شرقي سورية".
واجبات الدولة السورية
وأوضح عبد الغني أن الدولة السورية، "تحمل بموجب القانون الدولي العرفي، جملة من الواجبات القانونية إزاء المقابر الجماعية. أولها واجب الحماية الفورية لمواقع الجرائم وصونها من أي عبث. وثانيها واجب التحقيق الفعّال، الذي يقتضي استقلالية الجهة المحققة وكفاءتها الفنية"، مبيناً أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان أصدرت في يناير 2026 نداءً عاجلاً بشأن الحاجة الملحّة إلى حفظ مواقع الجرائم في مراكز الاحتجاز السابقة التي كانت تحت سيطرة "قسد"، وهو توثيق استباقي يكتسب أهمية قانونية بالغة في ضوء الاكتشافات الراهنة.
وتتوزّع مسؤوليات المنظمات الحقوقية على ثلاثة محاور حسب المصدر ذاته، وهو "التوثيق الجنائي وفق بروتوكول مينيسوتا بما يضمن صلاحية الأدلة أمام المحاكم الدولية، ومناصرة الضحايا عبر التواصل المباشر مع ذوي المفقودين وتوفير آليات الإخطار، والإحالة إلى الآليات الدولية، ولا سيما المفوضية السامية لحقوق الإنسان والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، التي تتمتع بولاية على الانتهاكات المرتكبة في سورية منذ مارس 2011".
