حين تتحول الفوضى إلى مشروع سياسي
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

ليست كل الفوضى صاخبة في الشوارع، ولا كل الانهيارات تبدأ من فوهة بندقية أو من منصة تحريض.

أحيانًا تبدأ الفوضى من لحظة اختلال الوعي، حين تُستبدل الدولة بالغلبة، والمؤسسات بالحشد، والسياسة بالانفعال، والشراكة الوطنية بمنطق الوصاية والاحتكار.

ومن هنا، فإن أخطر ما يواجهه هذا البلد اليوم ليس فقط هشاشة الدولة، ولا تعدد مراكز النفوذ فحسب، بل تحوّل الفوضى ذاتها إلى أداة سياسية، بل إلى مشروع يُدار ويُستثمر ويُعاد إنتاجه كلما اقترب الناس من أي أفق للتفاهم أو الاستقرار.

نحن لسنا مع الفوضى، أيًّا كان شكلها أو الغطاء الذي تتدثر به.

لسنا مع فوضى دولة تُدار فيها المؤسسات بعقلية الارتجال، وتُتخذ فيها القرارات المصيرية بمنطق ردّات الفعل، ولا مع فوضى جماهير تُدفع إلى الميادين وهي مشبعة بالشعارات ومجرّدة من الوعي، فتتحول من طاقة شعبية يُفترض أن تكون رصيدًا وطنيًا إلى أداة ضغط وصدام وفرض أمر واقع بالقوة.

ذلك أن الشأن العام لا يُدار بالهتاف، ولا تُبنى الأوطان بمنطق الغلبة، ولا يمكن لأي مجتمع أنهكته الحروب والانقسامات أن ينجو إذا استمر في تسليم مصيره للعصبيات المنفلتة والانفعالات غير المنضبطة.

المعضلة: حين يُقدَّم الحماس بوصفه وعيًا

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود التوتر أو التباينات السياسية، فهذا أمر طبيعي في المجتمعات الحية،

بل تكمن في طريقة التعبير عن هذه التباينات، وفي القوى التي تحتكر تعريف الوطنية، وتوزّع صكوك الشرعية، وتتعامل مع المجال العام وكأنه ساحة نفوذ مغلقة لا مكان فيها إلا لمن يهتف بالصوت نفسه ويرفع الشعار نفسه.

لقد أصبح من الواضح أن هناك بيئات ومناطق ومكونات تتعامل مع الشأن العام بدرجة أعلى من التعقّل والاتزان،

وفي المقابل هناك مساحات يغلب عليها الحماس غير الواعي، والشطط السياسي، والاستعداد السريع للانخراط في الصدام، ثم يجري تسويق هذه الحالة بوصفها تعبيرًا عن القوة والحسم والقدرة على فرض الإرادة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

لأن الحماس، حين لا يُضبط بالوعي، لا يصنع مشروعًا وطنيًا، بل يصنع قابلية دائمة للاشتعال.

والجمهور، حين يُعبَّأ خارج إطار الإدراك السياسي والنقدي، لا يعود قوة تغيير، بل يتحول إلى وقود جاهز لكل معركة عبثية.

ولعل المأساة الأكبر أن هذه الحالة لا تتحرك في فراغ، بل في سياق دولة هشة، وأطراف متصارعة، ومجتمع مستنزف، وتوازنات إقليمية ودولية لا تبحث عن عدالة بقدر ما تبحث عن إدارة المصالح ومنع الانفجار الشامل.

الانتقالي وإشكالية الوصاية على الجنوب

في قلب هذه الإشكالية يبرز المجلس الانتقالي، لا بوصفه مجرد فاعل سياسي له مشروعه ورؤيته — وهذا حقه الطبيعي ضمن أي مشهد تعددي — بل بوصفه تيارًا رسّخ في وعي جزء من أنصاره فكرة خطيرة مفادها أنهم وحدهم ممثلو الجنوب، ووحدهم حماة الأرض والهوية والقضية.

وهنا انتقل الخلاف من كونه خلافًا سياسيًا مشروعًا إلى كونه بنية إقصاء نفسي وسياسي وأخلاقي.

فكل من لا ينخرط في هذا المشروع، أو لا يسلّم له بالوصاية، أو يطالب بشراكة أوسع وتمثيل أكثر عدلًا، يُدفع فورًا إلى خانة الشك والتخوين والاتهام بالعمالة أو العداء للقضية.

وهذا أخطر من الخلاف نفسه،

لأن المجتمعات لا تنهار فقط حين تختلف،

بل حين تفقد القدرة على الاعتراف المتبادل بين مكوناتها،

وحين تتحول السياسة من مساحة تنافس إلى محكمة تفتيش وطنية لا يُقبل فيها إلا المطيع، ولا يُسمح فيها إلا بصوت واحد.

المشكلة هنا ليست فقط في الخطاب، بل في ما ينتجه هذا الخطاب من وعي جمعي مغلق، يرى الوطن من نافذة واحدة، ويختزل الناس في معسكرين:

إما تابع ومصفّق،

أو خائن يجب عزله وتشويهه وإقصاؤه.

وهذه ليست سياسة،

بل بذرة فاشية محلية، مهما تجمّلت بالشعارات.

عشر سنوات من صناعة الوهم السياسي

على مدى سنوات طويلة، جرى تسويق هذا المشروع بوصفه الجهة الوحيدة المقبولة إقليميًا ودوليًا،

وتم ضخ صورة ذهنية لدى قطاعات واسعة من الناس مفادها أن هذا المسار هو الخيار الوحيد المتاح، وأن العالم لا يرى غيره، ولا يتعامل إلا معه، ولا يمنح شرعية إلا له.

وقد نجحت هذه السردية، إلى حد بعيد، في صناعة هالة قوة فوق الواقع،

وفي تحويل التحالفات الخارجية إلى مصدر تفويض داخلي،

حتى بدا وكأن أي اعتراض سياسي أو نقد موضوعي لهذا المسار هو اعتراض على “الممكن الوحيد” أو خروج على “الشرعية الواقعية” التي لا بديل لها.

لكن التجربة، كعادتها، أكثر قسوة من الدعاية.

فحين بدأت ملامح التسويات تتشكل، وحين اتضح لبعض الفاعلين الإقليميين والدوليين أن هذا التمدد لم يعد عنصر استقرار، بل صار عائقًا أمام أي توافق سياسي واسع أو أي صيغة دولة اتحادية يمكن أن تستوعب الجميع،

بدأت الحاجة إلى ضبط هذا المشروع، لا تمكينه أكثر.

وهنا ظهرت الأزمة الحقيقية:

ماذا يفعل مشروع سياسي حين يكتشف أن جزءًا كبيرًا من شرعيته لم يكن نابعًا من الداخل بقدر ما كان مستندًا إلى مظلات خارجية وتوازنات ظرفية؟

في مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تلجأ المشاريع المأزومة إلى الشارع،

لا بوصفه مجالًا ديمقراطيًا للتعبير،

بل بوصفه أداة ضغط وفوضى وتلويحًا بالقوة الجماهيرية.

استثمار الغضب… واستدامة الصراع

وهنا نصل إلى أخطر ما في المسألة:

أن تتحول بعض القوى إلى مستثمر محترف في الغضب العام.

كل أزمة تصبح فرصة للتعبئة،

وكل توتر يصبح مناسبة للتحريض،

وكل خلاف سياسي يُعاد شحنه جماهيريًا حتى يتحول إلى حافة انفجار.

وهكذا لا يُدار الشارع من أجل الوصول إلى حلول،

بل من أجل إبقاء الجميع تحت سقف التوتر.

ولا تُستخدم المشاعر الجمعية من أجل بناء وعي سياسي،

بل من أجل تدوير الأزمة ومنع أي تهدئة قد تفضي إلى حلول لا تخدم من يعيشون على مناخ الاشتباك.

هذه ليست قيادة،

بل إدارة مزمنة للفوضى.

إن القوى التي لا تستطيع العيش إلا في مناخ الصراع،

ولا تجد مكانها إلا في الفوضى،

ولا تستمد حضورها إلا من التوتر والتحشيد،

هي في جوهرها قوى تخشى الاستقرار أكثر مما تخشى الانهيار،

لأن الاستقرار يفضح هشاشة مشروعها،

ويكشف حدود قدرتها خارج مناخ التعبئة والخوف والانقسام.

وطن مستنزف… وشعب يدفع الثمن

والنتيجة التي يدفعها الناس كل يوم باتت واضحة إلى حد الفجيعة.

لقد أُنهك هذا الشعب بالصراعات،

واستُنزف في معارك لا تنتهي،

وتحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات والمكايدات وإعادة إنتاج الأزمات.

لم تستقر البلاد حين ارتفعت أصوات السلاح،

ولم تتقدم حين ساد منطق الإقصاء،

ولم تُحمَ القضايا العادلة حين تحولت إلى أدوات صراع داخلي.

بل على العكس،

كلما اشتعلت معركة جديدة، خسر الجميع شيئًا جديدًا:

الدولة تخسر ما تبقى من هيبتها،

والمجتمع يخسر مزيدًا من تماسكه،

والناس يخسرون أعمارهم وأمنهم وأرزاقهم وأملهم في الغد.

والأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يضر طرفًا دون آخر،

ولا يستهدف الشمال أو الجنوب بمعزل عن بعضهما،

بل يضرب فكرة الوطن ذاتها،

ويحوّل الجميع إلى جزر خوف وشك وكراهية متبادلة.

فالفوضى لا تبني جنوبًا،

كما لا تصنع شمالًا.

والغلبة لا تنتج وطنًا،

بل تنتج سلطة مؤقتة فوق ركام دائم.

ما نحتاجه ليس الحشد… بل النضج

إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من التعبئة الانفعالية،

ولا إلى استعراض القوة في الشارع،

ولا إلى سباقات في من يصرخ أكثر ومن يهدد أكثر.

ما نحتاجه حقًا هو قدر أعلى من النضج الوطني والسياسي.

نحتاج إلى الاعتراف بأن هذا البلد لا يمكن أن يُدار بعقلية المنتصر والمهزوم،

ولا بمنطق الوصي والرعية،

ولا بثقافة التخوين والإلغاء.

نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة،

لا بوصفها جهازًا إداريًا فحسب،

بل بوصفها إطارًا جامعًا ينظم الخلاف ويمنع تحوله إلى اقتتال.

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى وعي جديد يدرك أن القضية العادلة لا تُحمى بالفوضى، وأن الهوية لا تُصان بالعصبية، وأن الأوطان لا تُستعاد عبر تمزيق ما تبقى منها.

فالوطن لا يحتاج إلى من يرفع صوته أكثر،

بل إلى من يملك شجاعة العقل في زمن الجنون.

ولا إلى من يحشد الناس إلى المتاريس،

بل إلى من يقودهم نحو تسوية عادلة، وشراكة متوازنة، وأفق سياسي يحفظ الكرامة ويمنع الانهيار.

وفي النهاية،

فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بهذا البلد هو أن نستمر في تقديس الفوضى لأنها ترتدي أحيانًا ثوب القضية.

فليس كل من صاح باسم الوطن حماه،

وليس كل من رفع راية الناس كان أمينًا على مصيرهم.

بعض الفوضى لا تأتي ضد الوطن…

بل تأتي باسمه.

وهنا تبدأ الكارثة.

The post حين تتحول الفوضى إلى مشروع سياسي appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية