أرقام الرئيس الجامحة... بين النمو الحسابي والحياة اليومية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ليست الأرقام في سياق كهذا أرقاماً. هي حياة الناس، ومعيشتهم، ومستقبل أبنائهم، لذلك تحتاج منّا أن نكون موضوعيين وصارمين ودقيقين عن التعامل معها، أو تحليلها، أو التعليق عليها. وعلينا تحمّل المسؤولية، مسؤولين كنا أو مراقبين أو صحافيين أو مواطنين، فهذه أشياء لا تحتمل المحاباة أو اللطف.   في خطاب عيد الفطر، 20 مارس/ آذار 2026، وضع الرئيس السوري أحمد الشرع أرقاما طموحة على طاولة النقاش الاقتصادي: نسبة نمو اقتصادي بلغت 30 -35% خلال العام الماضي (2025)، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي من 20 مليار دولار في عام 2024 إلى 32 مليار دولار في عام 2025، مع استهداف مستوى يتراوح بين 50 و60 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري (2026)، مدعوما بموازنة حكومية معتمدة بقيمة 10,5 مليارات دولار. لا تقتصر هذه الأرقام على أنها مجرّد توصيف اقتصادي، بل يمكن فهمها ضمن ما يُعرف بـ "التأطير الانتقائي للأداء الاقتصادي"، إذ تُعرض المؤشّرات بطريقة تُعطي انطباعا بتعاف أكثر صلابة وثباتاً مما هو عليه واقعا. وهذا لا يُنكر على إدارة الرئيس الشرع إنجازاتها التي يمكن وصف بعضها بالإعجاز السياسي، سواء على صعيد تحرير الجزيرة السورية وتوحيد مؤسساتها، أو في مستوى رفع العقوبات الأميركية وجذب الاستثمارات الخليجية والدولية. غير أن هذه التحوّلات الكبيرة لم تنعكس بعد بزيادة ملموسة في عدد الأطباق على موائد السوريين، ولا بتحسّن متكافئ في قدرتهم على الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية. وأمام هذه الأرقام، يبرز سؤال مركزي: هل تعكس هذه البيانات قراءة واقعية للاقتصاد السوري؟ للتحقق من هذا، لا يكفي النظر إليها بمعزل عن سياقها، إنما ينبغي وضعها ضمن ثلاثة مسارات تحليلية مترابطة: أولها ديناميات النمو في اقتصادات ما بعد النزاع، من حيث الطفرات السريعة وحدود تحوّلها إلى استقرار مستدام، وثانيها أثر القاعدة الاقتصادية المنخفضة، وثالثها المتغيرات الجديدة التي شهدتها سورية مؤخرا، ولا سيما ما يتعلق بوحدة الجغرافيا وإعادة تشكّل المجال الاقتصادي. وانطلاقا من المسار الأول، المتعلق بديناميات النمو في اقتصادات ما بعد النزاع، يصبح من الضروري التوقف عند الكيفية التي تتشكل بها الطفرات الاقتصادية في المراحل الأولى من التعافي، وحدود قدرتها على التحول إلى استقرار مستدام. قد يكون النمو السريع ممكناً في سياقات ما بعد النزاع، لكنه يظل هشّاً ما لم يُدعَم بتماسك سياسي وجغرافي يحوّله إلى حالة استقرار راسخة انتعاش ما بعد النزاع لتوضيح ما قد تعنيه هذه الأرقام في سياق التعافي الاقتصادي، يمكن النظر إلى تجارب الدول التي خرجت من صراعات كبرى، حيث يظهر أن النمو السريع ليس استثناء، بل سمة متكرّرة في المراحل الأولى، غير أنه يظل مشروطا بقدرته على التحول إلى مسار مستدام. لنأخذ العراق بعد عام 2003 نموذجا: عاد النشاط الاقتصادي للارتفاع في عام 2004، حيث يُقدّر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد ارتفع بنحو 50%، وفق صندوق النقد الدولي، بدعم من عودة الإنتاج النفطي من نحو 1,3 إلى 2,5 مليون برميل يوميا، ورفع العقوبات، وإعادة الربط بالنظام المالي العالمي عبر "سويفت". مع ذلك، لم يترجم هذا النمو المرتفع إلى استقرار معيشي أو خدمات أساسية موثوقة، بسبب الانقسام السياسي والصراعات الداخلية. بمعنى آخر، قد يكون النمو السريع ممكناً في سياقات ما بعد النزاع، لكنه يظل هشّاً ما لم يُدعَم بتماسك سياسي وجغرافي يحوّله إلى حالة استقرار راسخة. أما ليبيا بعد عام 2011، فقد قدّمت نموذجا أكثر دراماتيكية وأقل استدامة: حين قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في 2012، نما الاقتصاد بنسبة تقارب 87%، لكنه انخفض لاحقا بنحو 20% خلال العامين التاليين، وانكمش بنسبة 8,3% في 2022 قبل أن يعود إلى النمو بنسبة 10,2% في 2023. في المقابل، تُقدّم رواندا نموذجا لدولة خرجت من نزاع من دون موارد نفطية، حيث اعتمدت بعد الإبادة الجماعية عام 1994 على الاستقرار السياسي، والإصلاح المؤسسي، والانفتاح على الاستثمار الأجنبي، محققة نمواً سنوياً يقارب 9% وفق صحيفة The New Times الرواندية، ولكن من دون أي قفزات مفاجئة. ما تكشفه هذه المقارنات أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة في عام يتطلب عادة وجود "رافعة" استثنائية: مورد طبيعي يعود فجأة إلى التصدير، أو انفتاح مالي يعيد تدفق رؤوس الأموال، أو استقرار سياسي يتيح تشغيل الموارد بكفاءة. وسورية اليوم لا تمتلك جميع هذه الروافع التقليدية دفعة واحدة، لكنها تمتلك ما يعادلها، وربما أكثر، وهو ما سنوضحه لاحقاً في ختام هذا العرض. غير أن قراءة هذه المعدلات لا تكتمل بمجرّد البحث في مصادر الدفع للنمو، بل تستدعي الانتباه أيضاً إلى الكيفية التي تُقاس بها هذه المعدلات، أي إلى الأساس الإحصائي الذي تُستمد منه. وهنا يبرز تحديداً ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ "تأثير القاعدة المنخفضة". تأثير القاعدة المنخفضة تُشير ظاهرة "القاعدة المنخفضة" إلى حالة إحصائية تحدث عندما تؤدي زيادة نسبية محدودة، انطلاقا من مستوى منخفض جدا، إلى تسجيل معدل نمو مرتفع يبدو مبالغا فيه مقارنة بالتحسّن الفعلي في النشاط الاقتصادي. وهذه الظاهرة شائعة في علم الاقتصاد، إذ قد تجعل الأداء الاقتصادي الحالي، عند مقارنته بفترة سابقة ضعيفة، يبدو أقوى بكثير مما هو عليه فعليا. على سبيل المثال، إذا ارتفع الناتج المحلي من عشرة مليارات إلى 15 مليارا، فإن النمو المحسوب سيكون 50%، رغم أن الزيادة المطلقة لم تتجاوز خمسة مليارات فقط. في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شهد الاقتصاد العراقي انكماشا حادًا بلغت نسبته 36,3%، نتيجة توقف شبه كامل للنشاطين النفطي وغير النفطي. وقد أتاح هذا الانهيار في القاعدة الإنتاجية ظهور "تأثير القاعدة المنخفضة"، إذ أي انتعاش جزئي للنشاط الاقتصادي يترجم تلقائيا إلى نسب نمو مرتفعة. وهذا ما حدث بالفعل؛ ففي عام 2004، سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 52%، مدفوعاً بشكل رئيسي بانتعاش قطاع النفط الذي قفز إنتاجه من نحو 1,3 إلى 2,5 مليون برميل يوميا. غير أن هذا الرقم، رغم ضخامته، قد يكون مضلّلا إذا قُرئ بمعزل عن سياقه؛ فالقفزة في النسبة المئوية لم تعنِ عودة العراق إلى مستويات ما قبل الحرب، بل كانت تعبيرا رياضيا عن انتقال الاقتصاد من الركود شبه التام إلى تعافٍ جزئي. وفي عام 2005، انخفض معدل النمو إلى 17%، ثم استقر عند متوسط يقارب 10% سنويا بين عامي 2006 و2009. ولم يكن هذا التراجع انعكاسا لتدهور الأداء، بل نتيجة طبيعية لارتفاع القاعدة؛ فكلما ارتفعت، أصبح تحقيق نسب نمو مرتفعة أصعب. ينطبق هذا الإطار التحليلي على الحالة السورية بدرجة كبيرة. فقد نقلت وكالة الأناضول عن البنك الدولي إن الناتج المحلي الإجمالي لسورية انكمش بنسبة 53% بين عامي 2010 و2022، بينما تراجعت قيمته الاسمية من نحو 67.5 مليار دولار عام 1011 إلى 21,4 مليار دولار عام 2024، مع تقديرات تفيد بأن الانكماش بلغ 68% خلال هذه الفترة. وفي هذا السياق، فإن إعلان الرئيس الشرع وصول الناتج المحلي إلى 32 مليار دولار، وتحقيق نمو يتراوح بين 30% و35% خلال عام 2025، لا يعد قراءة خاطئة حسابيا بالضرورة؛ فمع نقطة انطلاق منخفضة (نحو 20 مليار دولار وفق تقديرات الرئيس)، يمكن لأي انتعاش جزئي، مدفوع بعودة نحو 1,2 مليون لاجئ، وانفتاح تجاري محدود، واستعادة بعض الموارد، أن يُترجم إلى هذه النسبة. قبل الغوص في الأرقام، يجدر التذكير بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي (المؤشّر الأكثر استخداما لقياس الأداء الاقتصادي) لا يُقرأ بطريقة واحدة، بل عبر مستويين مختلفين: أرقام قد ترتفع نتيجة تغيّر الأسعار (قيمة اسمية)، وأخرى تعكس زيادة فعلية في الإنتاج (قيمة حقيقية). ويصبح هذا التمييز حاسما عند تفسير معدلات النمو المرتفعة، خصوصاً في سياق اقتصاد خارج من انكماش عميق. وفي الحالة السورية تحديداً، يكتسب هذا التمييز أهمية مضاعفة، إذ لا بد من التفريق بين مصدرين محتملين للزيادة في عام 2026: الأولى زيادة حقيقية ناتجة من استعادة أصول إنتاجية مثل الأراضي الزراعية والمعامل وآبار النفط، إلى جانب عودة القوة العاملة من النازحين واللاجئين، ما يزيد فعليا حجم السلع والخدمات المنتجة. والثانية زيادة اسمية قد تنجم عن ارتفاع الأسعار المحلية (التضخم) أو تعديل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في القنوات الرسمية. ومن ثم، قد يعكس وصول الناتج إلى 31 مليار دولار تعافياً في القيمة النقدية للدولة، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى استعادة الاقتصاد لما يقارب 50% من قدرته الإنتاجية قبل عام 2011، نظراً إلى اتساع الفجوة بين النموين، الاسمي والحقيقي، بفعل سنوات التضخم المفرط. يمكن تفسير نمو الناتج بنسبة مرتفعة في ضوء تأثير القاعدة المنخفضة، غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد قد تعافى فعلياً النموان الاسمي والحقيقي النمو الوهمي (الناتج الاسمي والتضخم): تخيل محلا لبيع "السندويشات" أنتج في عامه الأول ألف وحدة بسعر دولار  للسندويش، فكان ناتجه الإجمالي ألف دولار.  في العام التالي، وبسبب موجة تضخّم، ارتفع السعر إلى دولارين، بينما ظل البائع ينتج الكمية نفسها (ألف) وحدة من دون زيادة. النتيجة: قفز الناتج الاسمي إلى ألفي دولار. القراءة الاقتصادية: هذه الزيادة "نمو وهمي"؛ فرغم تضاعف الرقم النقدي، إلا أن المجتمع لم يحصل على لقمة إضافية واحدة. هذا هو الناتج بالأسعار الجارية الذي يخدعنا ببريق الأرقام، بينما الحقيقة مجرّد ارتفاع في تكاليف المعيشة. النمو الفعلي (الناتج الحقيقي والإنتاج)... لننتقل إلى "ورشة قمصان" في قبو بناء بائع السندويش؛ في عامها الأول أنتجت ألف قميص بسعر عشر دولارات للواحد، فكان ناتجها عشرة ىلاف دولار. في العام التالي، وبفضل عودة العمالة السورية الماهرة وتحسن سلاسل التوريد، وزيادة ساعات التغذية الكهربائية، تضاعف الإنتاج ليصل إلى ألفي قميص، مع استقرار السعر عند عشرة دولارات. • النتيجة: ارتفع الناتج إلى عشرين ألف دولار. والقراءة الاقتصادية: هذا هو "النمو الحقيقي"؛ فالزيادة هنا لم تأتِ من ارتفاع الأسعار، بل من زيادة "الكمية الفيزيائية" للسلع. هذا النوع من النمو هو الذي يوجِد الوظائف، ويشير إلى اقتصاد معافى وقوي. الأرقام تخدع العين يمكن تفسير نمو الناتج بنسبة مرتفعة في ضوء تأثير القاعدة المنخفضة، غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد قد تعافى فعلياً، فهناك فرق جوهري بين النمو في الناتج المحلي بوصفه رقماً محاسبياً والنمو الاقتصادي الحقيقي الذي ينعكس على حياة المواطنين. ويزداد هذا التعقيد عند التمييز بين القيمتين، الاسمية والحقيقية، كما سبقت الإشارة، فالقيم الاسمية تُقاس بالأسعار الجارية، وتتأثر بالتضخم وتغيرات الأسعار وسعر الصرف، بينما تعكس القيم الحقيقية التغير الفعلي في حجم الإنتاج بعد استبعاد هذه العوامل. ولتجسيد هذا، لنستخدم سلعة أساسية تقيس القدرة الشرائية: رغيف الخبز. في عام 2011، كان سعر الصرف نحو 50 ليرة للدولار، وسعر ربطة الخبز حوالي 15 ليرة (سبعة إلى ثمانية أرغفة). مع الناتج المحلي الاسمي 67,5 مليار دولار، كان ذلك يعادل شراء نحو 225 مليار ربطة خبز.  وفي عام 2025، ارتفع الناتج المحلي الاسمي من 20 مليارا قبل عام، إلى 32 مليار دولار، أي بنسبة 60%، لكن سعر ربطة الخبز ارتفع إلى ستة آلاف ليرة، وتراجع سعر الصرف إلى 12 ألف ليرة لكل دولار (بالعملة القديمة). عند تحويل الناتج (32 مليار) إلى الليرة، يصبح بالإمكان شراء نحو 64 مليار ربطة خبز فقط، أي أقل من نصف ما كان يشتريه المواطن عام 2011.  وهكذا، يظهر جليا أن النمو الاسمي وحده قد يعطي انطباعا رقمياً زائفاً، من دون أن يعكس تعافياً حقيقياً في المعيشة، فالناتج المحلي الكبير، أمام ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، يظل عاجزاً عن ترجمة الأرقام إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين. النمو الحقيقي يظل رهينا باستقرار الأسعار ورفع القدرة الشرائية، وليس بمجرّد قفزات رقمية في الناتج. ا تبدو هذه الروافع متوفّرة بالسرعة والحجم الكافيين لإنتاج مثل هذه القفزة في عام. ومع ذلك، يظلّ الأمل في بلوغ اقتصاد بهذا الحجم قاسما مشتركا بين السوريين مواطنين ومسؤولين ماذا يعني نمو؟ وعلى الرغم من تسجيل أرقام نمو اقتصادي مرتفعة (30- 35%)، لا تعكس هذه الأرقام الاستفادة الفعلية من كامل إمكانات البلاد، خصوصاً أن نحو 60% من مساحة سورية، أي محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، كانت محتلة ولم تُحرر إلا في بداية 2026، ما يعني أن هذه المناطق لم تسهم عمليا في النمو الماضي، رغم ثرواتها الهائلة من الموارد البشرية والزراعية والطاقة والمياه، والتي يمكن أن تكون رافعة حقيقية للنمو في المستقبل. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الزيادة جاء من مناطق محدودة. دمشق وحلب أساساً، حيث كان النشاط الاستثماري والتجاري والخدمي والفندقي والإطعام أكثر حيوية، بينما لم يكن النشاط الزراعي والصناعي والخدمات في باقي المدن مساهما طليعيا في النمو. غير أن استهداف رفع الناتج المحلي من نحو 32 مليار دولار إلى ما بين 50 و60 ملياراً خلال عام يطرح سؤالاً جوهرياً: من أين ستأتي هذه الزيادة التي تقارب 18 مليار دولار؟ إذ لا تحدُث تحقيق قفزة بهذا الحجم  عادة إلا بوجود رافعة استثنائية كبرى، كتدفقات مالية خارجية ضخمة أو طفرة في قطاع سيادي كالنفط أو الإعمار. وفي الحالة السورية، ورغم التحسّن الملحوظ في البيئة السياسية والانفتاح الخارجي، لا تبدو هذه الروافع متوفّرة بالسرعة والحجم الكافيين لإنتاج مثل هذه القفزة في عام. ومع ذلك، يظلّ الأمل في بلوغ اقتصاد بهذا الحجم قاسما مشتركا بين السوريين مواطنين ومسؤولين، شريطة أن يقوم على أسس تنموية شاملة ومستدامة، لا على طفراتٍ ظرفيةٍ أو قراءاتٍ متفائلة للمؤشرات.  الخلاصة  الرقمان المعلنان عن نمو الناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي صحيحان حسابيا، لكنهما يعكسان فقط قاعدة منخفضة وتحسّناً جزئياً في مناطق محدّدة، وليس تعافيا اقتصاديا حقيقيا شاملا أو مستداما. النمو الرمزي الذي سجّلته البلاد لم يترجم بعد إلى حياة المواطن اليومية؛ فالكهرباء والمدارس والأسواق لم تستقر، ومحافظاتٌ كثيرة لا تزال خارج دائرة التأثير المباشر للنمو. ومع ذلك، توفر الرافعات الجديدة: الجغرافيا الموحدة التي أعادت تكامل المناطق بعد سنوات الانقسام، والعودة التدريجية إلى النظام المالي العالمي التي تتيح تدفق رؤوس الأموال والاستثمار، إلى جانب الاهتمام الاستثماري العربي والدولي المتزايد؛ فرصة لإيجاد روافع نهوض استراتيجية. ولا تقتصر هذه الروافع على أرقام النمو، بل تمتلك القدرة على تحويل الارتداد الجزئي إلى انتعاش ملموس ومستدام، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي، دعم البنية التحتية، تنشيط الأسواق، وتحسين القدرة الشرائية للأسر السورية. بمعنى آخر، يمكن لهذه الظروف أن تجعل النمو الاقتصادي حقيقيّاً ومرئياً على الأرض، حيث تقاس القوة الاقتصادية باستعادة المدارس والمشافي، وإيجاد فرص عمل، وتحسين استقرار الأسواق، وتفعيل حياة المواطنين اليومية، لتتحول القفزات الرقمية إلى واقع ملموس يشعر به السوريون بعد نصف قرن من القيود والهيمنة والفساد والاقتصاد المعطّل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية