عربي
سريعاً بلغنا التخوم، قفزنا إلى التحذيرات، وسريعاً وصلنا إلى ما يقوله الحكماء منذ بدء العمران حول إذا ما فعلنا كذا فسيحدُث لنا كذا. أحرقنا المراحل، وعقصنا الخط البياني الطبيعي للأشياء وأدرناه إلى جهة النزول، حتى قبل أن يكمل بضع درجات في طريق الصعود.
ليس هذا الخبر متعلّقاً بالبطالة أو التضخّم أو الأمان أو الإنتاج أو الرضا، بل هو متعلق بفكرة الدولة، أو بفكرة العمران البشري بحسب تعبير المعلم الكبير ابن خلدون، وهي بذلك تجمع في بطنها ذلك كله وأكثر. وتطابق وصفه للحظات ما قبل الانهيار والفناء.
قلّبت نسختي من مقدمة ابن خلدون، لعلّي أجد في مكان ما عليها زرّاً أو مجموعة أزرار من التي نجدها في تطبيقات الصوت والفيديو ومواقعهما، وعليها X2 وX3 و...X100. بحثت في النسخ الإلكترونية فلم أجد أيضاً، فقط في نسخة الكتاب الصوتي وجدت أزراراً لتسريع صوت القارئ، لا مضمون الكتاب، وأقصى خيار لها هو ثلاثة أضعاف، أي إن أقصى ما تستطيع التكنولوجيا فعله تخفيض تقدير ابن خلدون لوجود العمران البشري على الأرض من ستة آلاف إلى ألفي سنة.
يقول معلمنا: "واعلم أن عمر الدولة في الغالب لا يعدو ثلاثة أجيال، والجيل هو عمر شخصٍ واحدٍ من العمر الوسط، يكون أربعين سنة. ذلك أن الجيل الأول يبنون المجد ويشيدونه، والجيل الثاني يسيرون على آثارهم ويقتفون خطواتهم، والجيل الثالث ينقضّ عصبه ويخرب ما بناه أسلافه، ويعود شأن الدولة إلى الضعف، ثم إلى الفناء. فإن الدولة إذا تمكّنت واشتدّ سلطانها، وبلغت غاية شوكتها وملكها، أخذت في الترف والدعة، فتفسد طبائع أهلها، ويذهب بأسها، ثم يأتي عليها الفناء".
قبل أن أيأس من إيجاد زر التسريع الذي جعل عمر الدولة الطبيعي ينزل من 120 سنة إلى سنتين، فكّرت أن ابن خلدون، على عظمته واستثنائية عقله، ربما لا يكون دقيقاً تماماً، فلنا في معاييره الجغرافية قصّة أخرى، كذّبناه فيها قبل قرن، فهو يحدّد بلاد الشام من منتصف البادية الشمالية وإلى أول هضبة الأناضول، وهو يقول: وأوّل الشام من جهة الجنوب مما يلي الضمير وما حولها، وأولها من الجنوب الشرقي أرض يقال لها أثريا، مما هو برزخٌ بين بادية العرب والعمران الشامي، وأما حدّه من جهة الشمال فإلى الثغور: أنطاكية، المصيصة (أضنة)، وطرسوس، وما يليها مما كان ثغراً بين الشام وبلاد الروم".
ربما لسنا نحن من "زَحَلَ" خريطة ابن خلدون، لكننا أطعنا من فعل، وقبلنا بهذه الخريطة "المجعلكة"، واستعضنا بالتنف عن أنطاكية.
لذلك، طالما أننا لم نمُت تماماً حين لعبنا بخطواته في المكان، سَهُلَ علينا اللعب بسرعاته للزمان، ودخلنا أطوار الترف والدعة قبل أن "نبني المجد ونشيده"، وظهرت علينا معالم البذخ قبل أن نجدّد طاقات النبّالة على الثغور، وملأنا الشوارع بالسيارات الفارهة قبل أن ننقي حصاها.
استهلكنا الكثير من رحلة الصعود الخلدونية بنثر الآمال الزائفة، واستعضنا عن العمل بالوعود، وعن أهل الصنائع بمذكرات التفاهم، وعن الفلاحين ببسطات السلع المهرّبة.
محزنٌ أن تعيش زمناً عاشه ابن خلدون، وأن تضطّر إلى لقاء تيمورلنك وهو يعرض عليك شروطه لاستسلامك، رغم أن صاحب ذلك العقل المضيء، والتجربة القاسية، خشي علينا أن نكرّر الانهيار الذي رآه، فحذّرنا من دون جدوى، وكتب وقال كل ما من شأنه أن يقينا انتظار وصول المغول مرّة ثانية.
