عربي
ليس من السهل الاقتراب من القضية الفلسطينية دون أن تُتَّهَم، أو تُساء قراءتك، أو تُدفَع إلى أحد المعسكرات الجاهزة. ذلك لأن هذه القضية، عبر عقود طويلة، لم تعد مجرد صراع على الأرض، بل تحوّلت إلى سردية مكتملة، مغلقة، تعيد إنتاج نفسها دون مساءلة. وكل محاولة للفهم خارج هذا القالب تُواجَه بالرفض، لا بالحجة.
لكن ربما آن الأوان لطرح السؤال الأكثر إزعاجاً: هل فهمنا القضية الفلسطينية كما هي، أم كما أردنا لها أن تكون؟
جزء كبير من المأزق يكمن في "تديين الصراع". حين يتحول نزاع سياسي، تاريخي، على الأرض والسلطة والحدود، إلى معركة دينية مطلقة، يفقد قابليته للحل. الدين، بطبيعته، يميل إلى المطلق، بينما تقوم السياسة على التفاوض. وعندما نُلبس الصراع لبوساً دينياً، فإننا نخرجه من مجال الممكن إلى مجال المستحيل: من التسوية إلى الحسم، ومن التعايش إلى الإقصاء.
في هذا السياق، لم يعد الآخر خصماً سياسياً يمكن التفاهم معه، بل "عدواً وجودياً" لا يُتصوّر التعايش معه. وهنا يبدأ الانزلاق؛ لأن أي مشروع يقوم على نفي الآخر بالكامل هو مشروع محكوم عليه بالاستمرار في الصراع، لا بإنهائه.
غير أن اختزال القضية في هذا البعد وحده يظل قاصراً. فداخل البيت الفلسطيني نفسه، تراكمت تناقضات عميقة ساهمت – شئنا أم أبينا – في تعقيد المأساة. الانقسام السياسي، وصراع الفصائل، وتباين الرؤى بين من يراهن على المقاومة المسلحة ومن يراهن على العمل السياسي، كلها عوامل لم تُضعف الموقف التفاوضي فقط، بل عمّقت أيضاً معاناة الإنسان الفلسطيني.
حين تتشظى القضية داخلياً، يصبح من الصعب الدفاع عنها خارجياً. وحين تتعدد الأصوات دون مشروع موحّد، تتحول المعاناة إلى مادة للاستثمار السياسي أكثر منها قضية للتحرر الفعلي.
حين تتشظى القضية داخلياً، يصبح من الصعب الدفاع عنها خارجياً. وحين تتعدد الأصوات دون مشروع موحّد، تتحول المعاناة إلى مادة للاستثمار السياسي
لكن السؤال الأكثر حساسية يظل معلقاً: لماذا لم يحدث التعايش؟
هذا السؤال لا يعني تبرير الظلم، ولا إنكار الاحتلال، بل محاولة فهم حدود الممكن. لأن التاريخ، في تجارب كثيرة، أثبت أن الصراعات – مهما كانت دامية – يمكن أن تنتهي بصيغ تعايش، لا بانتصار مطلق. من جنوب أفريقيا إلى أيرلندا الشمالية، لم يكن الحل في الإلغاء، بل في إعادة تعريف العلاقة.
في الحالة الفلسطينية، جرى إقصاء هذا السؤال مبكراً؛ لأن طرحه كان يُفهم كخيانة، لا كمحاولة تفكير. وهنا تحديداً يظهر مأزق العقل السياسي العربي: عجزه عن التفكير خارج ثنائية "النصر أو الهزيمة"، و"الحق المطلق أو الباطل المطلق".
لكن الواقع أكثر تعقيداً. الأرض التي يتنازع عليها الطرفان ليست فكرة، بل جغرافيا مشتركة. والتاريخ الذي يُستدعى لتبرير كل موقف يمكن أن يُقرأ بأكثر من زاوية. وفي غياب القدرة على بناء سردية مشتركة – ولو في حدها الأدنى – يظل الصراع مفتوحاً.
المفارقة أن الضحية الأكبر في كل هذا ليست "القضية" كمفهوم، بل الإنسان الفلسطيني نفسه؛ ذلك الإنسان الذي يعيش يومياً تحت وطأة واقع مركّب: احتلال من جهة، وانقسام داخلي من جهة أخرى، وخطاب تعبوي لا يترك له مساحة للتفكير خارج الشعارات.
لقد تحولت فلسطين، في كثير من الأحيان، من قضية تحرر إلى "رمز"، ومن واقع معيش إلى خطاب. والرموز، حين تنفصل عن الواقع، تصبح عبئاً على من يُفترض أنها تمثّلهم.
هذا لا يعني أن الحل بسيط، ولا أن الطريق واضح، لكنه يعني شيئاً واحداً: أن استمرار التفكير بالأدوات نفسها لن يؤدي إلا إلى النتائج نفسها، وأن تصحيح المسار لا يبدأ من الميدان فقط، بل من العقل.
نحن بحاجة إلى إعادة تفكير جذرية: أن نعيد القضية إلى سياقها السياسي، دون أن ننفي بعدها الإنساني. أن نفرّق بين الحق المشروع والخطاب الذي يُستثمر فيه. وأن نمتلك شجاعة نقد الذات، لا الاكتفاء بإدانة الآخر.
التعايش ليس استسلاماً، بل قد يكون أحياناً الصيغة الوحيدة الممكنة للاستمرار. لكنه يحتاج إلى شرط أساسي: الاعتراف المتبادل بالوجود. وبدون هذا الاعتراف، سيبقى كل طرف أسير روايته، وكل جيل وارثاً لصراع لم يختره.
ربما المأساة الحقيقية ليست في تعقيد القضية، بل في بساطة الطريقة التي فكرنا بها فيها. وربما الحل لن يأتي حين نكرّر ما قيل، بل حين نجرؤ على قول ما لم يُقل.
أخبار ذات صلة.
سورية... بين بناء الدولة وخطر الإخفاق
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
المغرب يدرس خفض ضرائب الوقود لضبط الأسعار
العربي الجديد
منذ 22 دقيقة