اعتراف أممي بالرقّ: هل يتحقق الإنصاف؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
على ضوء تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25 مارس/آذار 2026 على قرار يعتبر الاتجار بالأفارقة واستعبادهم والرقّ عبر الأطلسي من أفدح الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ البشري، تبرز أسئلة جوهرية: ما الدروس المستفادة من ذلك؟ وما الذي ينبغي أن يأتي بعده؟ وما أثره المحتمل على مستقبل أفريقيا، وعلى الأجيال القادمة، وعلى كيفية تعاطي الدول مع هذا الإرث التاريخي؟ في لحظة تبدو متأخرة تاريخياً، لكنها محمّلة بالدلالات، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يعتبر الاتجار بالأفارقة واستعبادهم عبر الأطلسي من أفدح الجرائم في التاريخ البشري. قد يبدو هذا الاعتراف، للوهلة الأولى، خطوة رمزية لا تغيّر شيئاً في واقع القارة الأفريقية أو في حياة شعوبها، لكن القراءة المتأنية تكشف أنه يمثل تحولاً مهماً في بنية الخطاب الدولي حول التاريخ والعدالة ومسؤولية القوى الكبرى. فالرقّ لم يكن مجرد فصل مظلم في الماضي، بل كان نظاماً عالمياً متكاملاً أسهم في تشكيل الاقتصاد السياسي الدولي كما نعرفه اليوم. لقد قامت الثروات الغربية الحديثة، إلى حد كبير، على استغلال الإنسان الأفريقي، وعلى تفكيك مجتمعاته، وعلى تحويله إلى سلعة في أكبر عملية نزع إنسانية عرفها التاريخ. لذلك فإن الاعتراف بهذه الجريمة ليس مجرد إدانة أخلاقية، بل هو إعادة توصيف لجذور الاختلالات البنيوية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الشمال والجنوب. الاعتراف بهذه الجريمة ليس مجرد إدانة أخلاقية، بل هو إعادة توصيف لجذور الاختلالات البنيوية التي لا تزال تحكم العلاقة بين الشمال والجنوب أول درس يمكن استخلاصه من هذا القرار هو أن التاريخ ليس محايداً، بل يُعاد تشكيله باستمرار وفق موازين القوة. لعقود طويلة، ظل ملف الرقّ يُقدَّم في السرديات الغربية باعتباره مأساة إنسانية عامة، دون ربطه الواضح بالمسؤوليات السياسية والاقتصادية. اليوم، ومع هذا القرار، يتحول النقاش من مستوى "الذاكرة" إلى مستوى "المساءلة"، ومن مجرد الاعتراف بالمأساة إلى التساؤل عن آثارها المستمرة. لكن الاعتراف، مهما كان مهماً، لا يكفي. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا بعد؟ هل سيظل القرار حبيس اللغة الدبلوماسية، أم أنه سيفتح الباب أمام مسار حقيقي للعدالة التاريخية؟ إن العدالة في هذا السياق لا تعني فقط التعويض المالي، رغم أهميته، بل تشمل أيضًا جملة من الإجراءات المتكاملة: الاعتذار الرسمي من الدول التي استفادت من تجارة العبيد، وإعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة، وإصلاح المناهج التعليمية لتشمل الرواية الأفريقية، ودعم مشاريع التنمية التي تعالج آثار التهميش التاريخي. بمعنى آخر، نحن أمام انتقال ضروري من "عدالة رمزية" إلى "عدالة بنيوية". على مستوى أفريقيا، يوفر هذا القرار فرصة سياسية وأخلاقية نادرة. فهو يمنح القارة سنداً دولياً يمكن توظيفه في إعادة صياغة خطابها التفاوضي مع القوى الكبرى. لكنه، في الوقت نفسه، يطرح تحدياً داخلياً: هل تستطيع الدول الأفريقية تحويل هذا الاعتراف إلى مشروع قاري موحّد؟ أم أن الانقسامات السياسية والاعتماد الاقتصادي سيحولان دون ذلك؟ إنها لحظة اعتراف… لكنها لن تصبح لحظة عدالة إلا إذا تحولت إلى مشروع إن الخطر الحقيقي لا يكمن في رفض بعض الدول الغربية للقرار أو امتناعها عن دعمه، بل في أن تتحول هذه اللحظة إلى حدث عابر في الذاكرة الدولية. فالتاريخ مليء باعترافات لم تُترجم إلى سياسات، وبقرارات لم تغيّر موازين القوة. لذلك فإن الرهان الأساسي يقع على قدرة الفاعلين الأفارقة، سياسياً وأكاديمياً ومجتمعياً، على تحويل هذا الاعتراف إلى أداة ضغط مستمرة. أما بالنسبة للأجيال القادمة، فإن أهمية القرار تتجاوز السياسة إلى الوعي. فهو يعيد الاعتبار للإنسان الأفريقي في التاريخ العالمي، ويمنح أبناء القارة والشتات إطاراً جديداً لفهم ماضيهم دون خجل أو اختزال. كما يفتح المجال أمام بناء سردية أفريقية أكثر استقلالاً، قادرة على مواجهة التهميش الرمزي الذي رافق التهميش المادي. في المقابل، يضع القرار المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: فإما أن يتحول إلى نقطة انطلاق لمسار جديد من العدالة العالمية، أو يبقى مجرد تعبير أخلاقي لا يترتب عليه التزام. وفي هذا السياق، فإن تردد بعض الدول الكبرى يعكس خشيتها من فتح باب قد يقود إلى مطالب قانونية ومالية واسعة، وهو ما يكشف أن القضية لم تعد مجرد مسألة تاريخية، بل أصبحت جزءًا من صراع معاصر حول توزيع المسؤولية والثروة. في النهاية، لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فمع صعود أصوات الجنوب العالمي، وتزايد النقد للنظام الدولي القائم، يصبح ملف الرقّ جزءاً من معركة أوسع لإعادة تعريف العدالة على المستوى العالمي. ومن هنا، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في ما قاله، بل في ما يمكن أن يفتحه من مسارات. إنها لحظة اعتراف… لكنها لن تصبح لحظة عدالة إلا إذا تحولت إلى مشروع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية