عربي
تمتهن إسرائيل قتل الصحافيين. لا حاجة للتبرير أو للاعتذار عن "خطأ"، باعتبار أنّ استهداف الصحافيين بات عُرفاً لا أمراً استثنائياً. منذ بدء الحرب على لبنان، باتت أخبار استهداف الصحافيين، بشكل مباشر أو غير مباشر، حدثاً قد يكون اعتيادياً. قُتلت فاطمة فتوني من قناة الميادين وعلي شعيب من قناة المنار في غارة استهدفت سيّارة الفريق الصحافي، وقُتل إلى جانبهما شقيق فاطمة محمّد فتوني، المصوّر في "الميادين"، في 28 مارس/ آذار الجاري. الصحافي محمّد شري (مدير البرامج السياسية في قناة المنار التابعة لحزب الله) قُتل أيضاً في غارة إسرائيلية دمّرت بالكامل المبنى السكني حيث كان يقيم مع عائلته في وسط بيروت في 18 مارس. قُتلت زوجته وجُرح ابنه في الغارة، وقبلهم قُتل المصور محمّد شهاب وطفلته في غارة على مبنى سكني في منطقة عرمون في ضواحي بيروت في العاشر من مارس، وادّعى الجيش الإسرائيلي أنّه استهدف مسؤولاً في حزب الله. في 25 مارس قُتل مصوّر "المنار" حسين حمود في غارة في النبطية. وفي 26 يناير/ كانون الثاني الماضي، قُتل المذيع في "المنار" علي نور الدين في هجوم إسرائيلي على مدينة صور.
تحويل أجسام الصحافيين إلى عبوة لبعث رسائل التهديد إلى مؤسّساتهم أمر أكثر خطورةً بكثير من عمليات القتل
الاستهداف الذي بقي محصوراً فترةً طويلة في المراسلين المحلّيين امتدّ أخيراً إلى مراسلي المحطّات العالمية من الأجانب، إذ أُصيب مراسل شبكة روسيا اليوم، ومدير مكتب المحطّة في لبنان ستيف سويني، بعد سقوط صاروخ بقربه حين كان في تغطية صحافية من جنوب لبنان. واعتبر المراسل البريطاني أنّه تعرّض لهجوم متعمّد، ما أسفر عن إصابته ومصوّر القناة بجروح، في حين أعلنت المحطّة أنّ المراسل "نجا بأعجوبة". في الجولة الأولى من الحرب في 2023، سقط ستّة صحافيين لبنانيين في هجمات إسرائيلية، بحسب لجنة حماية الصحافيين الدولية. ووصلت الحصيلة، بحسب تقديرات أخرى، إلى عشرة قتلى من الصحافيين والعاملين الإعلاميين في الميدان. من هؤلاء مراسلة قناة الميادين فرح عمر وزميلها المصوّر ربيع معماري، اللذان قُتلا في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 في غارة إسرائيلية على بلدة طير حرفا في الجنوب، وقبلهما مصوّر وكالة رويترز عصام عبد الله في قصف من دبّابة إسرائيلية في 13 نوفمبر من العام نفسه، وتوصّل تحقيق أممي إلى أنّ القصف الذي أودى بحياة عبد الله وصحافيين آخرين بجروح، بينهم إصابات خطرة، لم يكن مبرّراً، إذ كان يمكن التعرف إلى الصحافيين بسهولة، ولم يكن هناك أيّ تبادل لإطلاق النار في المنطقة قبل استهدافهم.
لا حماية للصحافة في لبنان أو فلسطين أو في أيّ مكان، في مناطق النزاعات أو غيرها، ما دام هؤلاء قد تحوّلوا إلى مادّة للاستهداف المباشر بحجّة الخلط بين مهامهم صحافيين والتوجّهات السياسية للوسائل الإعلامية التي يعملون لحسابها. تعيد إسرائيل تقليد قتل الصحافيين في غزّة بحجّة أنهم عملاء لحركة حماس. لم يعد القتل مرتبطاً بمهمّة الصحافي فحسب، أي التغطية أو التحقيق في قضية تعتبر حسّاسة أو خطرة أو ممنوعة. على سبيل المثال، الصحافية المالطية دافني غاليزيا التي اغتيلت بتفجير سيارتها عام 2017، في ما يُشتبه أنّه عملية لإسكات الصحافية التي عُرفت بتحقيقاتها الجريئة ضدّ شبكات الفساد في بلادها وبانتقادها اللاذع للحكومة. وخلص التحقيق في القضية إلى أنّ الحكومة برئاسة رئيس الوزراء جوزيف موسكات (آنذاك) تتحمّل مسؤولية الجريمة. كذلك، لم يعد القتل مرتبطاً بمواقف عبّر عنها الصحافي فحسب، كما في حالة اغتيال صحافيين بارزين من أمثال جبران تويني وسمير قصير في لبنان. اغتيل الأول، وهو رئيس التحرير والناشر السابق لصحيفة النهار اللبنانية، في تفجير عبوة في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2005، في حين قُتل قصير، الصحافي والأستاذ الجامعي والمدافع عن الحريات، في تفجير سيّارته في الخامس من يونيو/ حزيران 2005. وكانا ناقدَين شرسَين لنظام الأسد السوري وملفّه الأسود في حقوق الإنسان، وللسيطرة السورية على لبنان آنذاك.
قتل الصحافي جريمة في أيّ حال كانت، إلا أنّ تحويل أجسام الصحافيين إلى عبوة لبعث رسائل التهديد إلى مؤسّساتهم، بصرف النظر عن أدائهم الشخصي أو مهامهم صحافيين أو عاملين إعلاميين، أمر أكثر خطورةً بكثير من عمليات القتل المعهودة. استخدام الصحافيين رسالة تهديد، واعتبارهم أهدافاً مشروعة للقتل بسبب عملهم لدى وسيلة إعلامية معينة وبسبب توجّهها السياسي، يعني تحويل العمل الصحافي إلى ما يشبه المجازفة اليومية للجميع.
انتفاء الخطّ الفاصل بين الجندي والصحافي إلغاء لطبيعة العمل الصحافي
لا أقدر أن أتخيّل ما يشعر به اليوم الصحافيون والعاملون الإعلاميون في لبنان في محطّات ممولة أو متحدّثة باسم جهات مشاركة في الأعمال العسكرية أو ناقدة للوحشية الإسرائيلية، إذ تحوّل هؤلاء إلى ما يشبه الجنود في الحرب. هل يُعقل استهداف الصحافي بالتشهير فقط لتعبيره عن وجهة نظر متحيّزة لهذه الجهة أو تلك؟ كان هذا السؤال يُطرح حول كيفية التعامل مع انحياز الصحافي لجهة ما أو تحوّله بوقاً في خدمتها. لكن أن يُطرح السؤال اليوم حول ما إذا كان قتل الصحافي مسوَّغاً أو مبرَّراً بسبب دفاعه عن موقف معين أو بسبب الانتماء السياسي إلى الجهة التي تموّل (أو تملك) الوسيلة الإعلامية حيث يعمل، فهو تطوّر خطير في استهداف الصحافيين. قد يدّعي القاتل أنّ الصحافي يقف في المعسكر نفسه للآلة الحربية التي تشنّ العمليات العسكرية، إلا أنّ انتفاء الخطّ الفاصل بين الجندي أو المقاتل، والصحافي، إلغاء لطبيعة العمل الصحافي باعتباره ناقلاً للخبر، ولو مارس بعضهم المهنة باعتبارها دعاية.
في قتل صحافيي غزّة، استهدفت إسرائيل قتل رواية الإبادة التي حمل المراسلون المحليون وحدهم مسؤوليتها ودفعوا ثمنها من دمهم. وفي قتل صحافيي لبنان، يريد القاتل ترهيب المؤسّسات الإعلامية كلّها عبر استخدام أجسام الصحافيين بريداً لرسائله. بصرف النظر عن أداء هؤلاء وعن هُويّة المؤسّسات التي يمثّلونها، فإنّ قتل الصحافة خطّ أحمر خرقته آلة الحرب الإسرائيلية منذ زمن ومن دون عقاب. مَن الضحية المقبلة في قائمة القتل المتعمّد لناقل الخبر؟

أخبار ذات صلة.
التوترات تحفّز الانتقال الطاقي في تونس
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة