هل تنجح الحرب على إيران في تغييب القضية الفلسطينية؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ترى دوائر صنع القرار في واشنطن وتلّ أبيب أنّ الحربَ الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران قد حسمت أمر مسار التطبيع الإسرائيلي العربي نهائياً؛ وتتعامل مع الوضع على هذا الأساس. فسواءً نجح العدوان الأميركي الإسرائيلي بإضعاف النظام الإيراني إضعافًا غير مسبوق، أو بإسقاطه، وهو أمرٌ ما يزال مستبعدًا، فالنتيجة واحدةٌ؛ ألا وهي استسلامٌ رسميٌّ من قبل جميع الدول العربية لشروطٍ إسرائيليةٍ كاملةٍ تحت شعار "التطبيع". لا تهتمّ هذه الدوائر بالمظاهر وترسيم المعاهدات الّتي تعتقد أنها قادمةٌ لا محالة، بل تركّز على إجراءاتٍ وخطواتٍ عمليةٍ تُدخِل المنطقة في مرحلةٍ جديدةٍ من إقرارٍ عربيٍّ بالهمينة الإسرائيلية، وقيادةٍ إسرائيليةٍ أمنيةٍ عسكريةٍ للمنطقة علنيةٍ ورسميةٍ، يمليها التحالف المنتصر، أي إسرائيل أو أميركا، وأهمّها استبعاد القضية الفلسطينية عاملًا محوريًا أو مهمًّا في تحديد العلاقات الإسرائيلية - العربية. بدأ تغييب القضية الفلسطينية عن مساحات النقاشات الرسمية والإعلامية من لحظة إعلان تأسيس ما يسمى بـ"مجلس السلام" في قطاع غزّة برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. إذ تتعامل أميركا وإسرائيل ومعظم الدول الغربية مع المجلس بصفته المرجعية الرئيسية، بدلًا من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن.وهو هدفٌ أميركي -إسرائيلي لم يكن سرًا أو مخفيًا، خصوصًا بعد تمرير قرار مجلس الأمن 2803، الّذي منحه غطاءً شرعيًا لمرجعية بديلة عن مجلس الأمن نفسه، وإن كانت ذات صفةٍ مؤقتّةٍ لمدّة عامين، لكنّها كافيةٌ لتسهيل مهمّة السيطرة الأميركية الإسرائيلية الكاملة على حاضر القطاع ومستقبله. فانزاحت الأنظار عن جهود انضمام دولٍ أخرى إلى القضية الّتي رفعتها جنوب أفريقيا عام 2024 في محكمة العدل الدولية لمقاضاة إسرائيل على جريمة الإبادة الجماعية ضدّ قطاع غزّة وأهله، وخفتَ الحديث عن مذكّرات الاعتقال الّتي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحقّ رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. وتظاهرت السلطة الفلسطينية والدول العربية بتصديق كلماتٍ مبهمةٍ ومشروطةٍ في ما يسمى بـ"خطة ترامب" عن تهيئةٍ للحديث، وليس إقامة دولة فلسطينية. فانزاحت الأنظار عن جهود انضمام دولٍ أخرى إلى القضية الّتي رفعتها جنوب أفريقيا عام 2024 في محكمة العدل الدولية لمقاضاة إسرائيل على جريمة الإبادة الجماعية ضدّ قطاع غزّة وأهله التظاهر العربي الغربي الرسمي لم يقف عند تصديق "وهم إقامة دولة فلسطينية"، بل التعامل وكأنّ حماس وحزب الله؛ بدعمٍ من إيران؛ كانا العائق أمام إحلال السلام في فلسطين والمنطقة، في ما سرّعت إسرائيل إجراءات ضمّ الضفّة الغربية إليها، واستمرّت بالتطهير العرقي ومخطّطات التهجير في كلٍّ من الضفّة وقطاع غزّة. أما بالنسبة لإسرائيل وأميركا، فكان المطلوب إنهاء قوّة حماس وحزب الله وتقويض نفوذ ايران، والباقي ليس أكثر من تفاصيل، ولو عنى ذلك، ما ثبت لاحقًا، إطلاق يد إسرائيل في المنطقة تحت شعار إقامة إسرائيل الكبرى. لكنّ إضعاف حماس وحزب الله لم يعد هدفًا كافيًا، فقررت إسرائيل وأميركا خوض حربٍ مشتركةٍ ضدّ إيران، وإن كانت تلّ أبيب قد حَرّضت على الإسراع بشنّها، لأنّ المطلوب الآن القضاء على قوّة إيران، حتّى لا تستطيع النهوض مجدّدًا. فأصبحت الحملة الإسرائيلية الأميركية أشدّ شراسةً في وحشيتها وأهدافها، وجرّت المنطقة إلى حربٍ مدمّرةٍ بعد أن فوجئت بأنّ حزب الله لم يستنفد قوّته، وأنّ الضربات العسكرية الإسرائيلية الأميركية السابقة لم تنهك قدرات إيران بما يكفي. إزالة إيران قوةً رادعةً لإسرائيل كان دائمًا هدفًا أميركيًا- إسرائيليًا مشتركًا، وكان دائمًا ضروريًا لمنع الصين، وبدرجةٍ أقلً روسيا، من التحالف مع إيران، فالهدف الأميركي الدائم أن تبقى أميركا القوّة العظمى الوحيدة في المنطقة والعالم. يهدف إنهاء قوّة إيران، وهذا ما يخصّنا، أيضًا إلى تمهيد الطريق لتصفية القضية الفلسطينية، ووضع حدٍّ للتردد العربي الرسمي بالدخول في حلفٍ إسرائيلي معلنٍ يدمج القوّة الأمنية والعسكرية، بما فيها الجيش رسميًا، تحت قيادةٍ إسرائيليةٍ عسكرية. في السياق ذاته؛ نرى منذ بدء الحرب على إيران صمتًا عربيًا كاملًا، ولا نجد أي ربطٍ بين الحالة القائمة ومخططات إسرائيل في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، بل تتصرّف هذه الدول وكأنّ ذلك يحدث في كوكبٍ آخر، وتغضّ النظر عن تهديدات نتنياهو بالتمدّد في الأردنّ وسورية ولبنان ومصر، "وتنسى" أنّ القوات الإسرائيلية دخلت جنوب سورية وجنوب لبنان وترفض الانسحاب منهما. الخطر أن تتعامل الدول العربية مع إسرائيل على اعتبارها "حليفًا بحكم الأمر الواقع"، خصوصًا بعد ردّة الفعل الإيرانية بقصف القواعد العسكرية الأميركية في الأردنّ ودول الخليج العربي، وامتدّ بعد ذلك ليصل إلى منشآت حيوية، وذلك كلّه كان نتيجة السماح بإقامة هذه القواعد في البلاد العربية بدايةً. ما يدلّ على مدى الاستكانة والرضوخ للمشيئة الأميركية، والتعامل مع القضية الفلسطينية كأنّها عبءٌ ومسألةٌ منفصلةٌ عن الأمن القومي العربي. لنرى الآن أنّه لا يوجد حمايةٌ لأي دولةٍ عربيةٍ، أي كما أشارت الكاتبة في مقالها المنشور في 23\2\2026 في ملحق فسطين، أنّ التخلّي عن فلسطين لا يحقّق الأمن للدول العربية، وهو استنتاجٌ تظنّ الكاتبة أنّ كثيرين يشاركونها إيّاه. هناك عاملٌ لا يقلّ خطورةً عن ما أثبتته الحرب من تداعياتٍ تجاه الخطر الاستراتيحي الّذي تمثّله إسرائيل؛ وهو أنّ الحرب تنذر بإضعاف اقتصاد الخليج، ما يجعلها أكثر ضعفًا وعرضةً للتغلغل الإسرائيلي، بدأ ذلك بعقد معاهدات التطبيع، وأهمّها المعاهدة الإبراهيمية الّتي فتحت الباب مُشرعًا أمام التغلغل الاقتصادي والأمني الإسرائيلي، خصوصًا في دولة الإمارات العربية. إذًا وضعت الدول المطبِّعة نفسها في موقفٍ لا كلمة لها فيه؛ فهي لا تستطيع إدانة عدوانٍ إسرائيلي لكنّها وبكلّ بساطةٍ تدين الهجمات الإيرانية، وهذا في ذاته يعمّق وهم اعتبار القضية الفلسطينية عبئًا، وضرورة التماهي بطريقةٍ أو بآخرى مع إسرائيل  بدعوى "حماية النفس". الخطر الأكبر أن تعتقد كلّ الدول العربية أنّها لن تنجو من تداعيات الحرب من دون الاستسلام، تحت شعاراتٍ براغماتية، لشروط إسرائيل لتغيير الخريطة السياسية في المنطقة. بالرغم من سجلّ تواطؤ بعض الدول الخليجية ضدّ القضية الفلسطينية، أو خذلانها، مثّلت دول الخليج تاريخيًا أكثر من مصدر دخلٍ للفلسطينيين الباحثين عن العمل فيها، وإذ مثّل العمل فيها مصدرًا لدعم صمود الفلسطينيين من عوائد ورواتب وتحويلات العاملين فيها، وحتّى من دعم دول الخليج المباشر للمنظّمات الفلسطينية، الّذي تفاوت في أهميته، حتّى وإن كان الهدف احتواء وتدجين العمل السياسي الفلسطيني. باختصار، يمثّل إضعاف هذه الحرب لاقتصاد دول الخليج ضربةً للعالم العربي، ولا يفيد إلّا إسرائيل، ولا يمكن التقليل من خطر إضعاف اقتصاد دول الخليح على تهميش القضية الفلسطينية. التحدّي هو أن تؤدّي هذه الحرب إلى تعميق وتوسيع الخنوع السياسي إقليمياً، فإسرائيل لا تهتمّ "بمفاوضاتٍ تطبيعيةٍ" حتّى وإن كانت ستارًا للهيمنة، بل بشهادات استسلامٍ كاملةٍ لقيادتها وبسط سيطرتها، والخطر الأكبر أن تعتقد كلّ الدول العربية أنّها لن تنجو من تداعيات الحرب من دون الاستسلام، تحت شعاراتٍ براغماتية، لشروط إسرائيل لتغيير الخريطة السياسية في المنطقة. فقد كانت تضع أميركا ورقة المقايضة بقضية فلسطين أمام الدول العربية لنجاتها، لكنّ هذه المرة مختلفةٌ؛ فقد لا تمدّ أميركا أيّ جزرةٍ على شكل "إعادة تسويق وهم الدولة الفلسطينية"، لأنّها تعتقد أنّ مجلس السلام الاستعماري هو الحلّ. والصفعة الأكبر للقضية الفلسطينية ولأمن الخليج والعالم نفسه إذا قبلت الدول العربية الوقوف مع إسرائيل وأميركا ضدّ إيران بالمطلق، أي تحقيق الهدف الإسرائيلي الأميركي منذ حرب الخليج الأولى وإعلان العراق بتحريضٍ عربي على إيران في عام 1980 بأنّ ايران وليست إسرائيل هي الخطر الوجودي. تمثّل الحرب الإسرائيلية الأميركية - الإيرانية، من منظورٍ إسرائيلي أميركي، الحلقة الأخيرة لتصفية القضية الفلسطينية، ولا يستطيع الفلسطينيون مواجهتها من دون بذل مجهودٍ حقيقيٍّ لإعلان برنامجٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ، إذ ما تزال السلطة تعيش في وهم دورها الوظيفي المنتهي. لكنّ التحدي الآن وقبل أي شيءٍ هو في إعادة، ليس إنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية فقط، وإنما الحركة الشعبية العربية، وهو كلامٌ لم يتعد كونه شعاراتٍ، لكنّنا أصبحنا في وضعٍ لا يسمح بالتهاون أكثر، فنحن مقدمون على مرحلةٍ يصبح فيها حتّى رفع الشعار تهديدًا تعاقَب عليه الشعوب، والحركة الوطنية الفلسطينية بحاجةٍ ماسّةٍ لحاضنتها العربية الشعبية الأكبر. على القيادات العربية أن تعي أنّ الخصومة مع إيران أمرٌ مختلفٌ عن اعتبارها العدوّ الاستراتيجي، وأن تدرك جيّدًا من هو العدوّ الاستراتيجي والوجودي لها. وفي حال رفعت هذه القيادات شعار الحلف الإسرائيلي الأميركي في مواجهة إيران وتبعته، فستعتقد أميركا أنها نجحت في جعل الحرب خطوةً حاسمةً باتجاه تصفية القضية الفلسطينية. لا يعني هذا أنّ ما تريده أميركا هو قدرٌ مكتوب، لكنّ المواجهة تبدأ بالوعي ونشر الوعي، وأن لا ننسى أو نقلّل من قيمة انتشار الوعي العالمي والتضامن الواسع مع القضية الفلسطينية وضدّ إسرائيل ومناهضة الحرب. ليس التحذير من التداعيات رديفًا لنشر اليأس، إنّما هو دعوةٌ إلى البناء على ما أُنجِز وعدم التفريط بالحقوق، وإن كانت الحرب الأميركية الإسرائيلية الدائرة الآن تنبىء بمرحلةٍ جديدةٍ قاسيةٍ وحدّيةٍ من الألم والمعاناة خصوصًا لمن هم على أرض فلسطين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية