عربي
يُختزل قطاع غزّة أحياناً في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفه مساحة أزمةٍ إنسانيةٍ أو ساحة حربٍ دائمة. غير أنّ هذا الاختزال يحجب بعدًا هامًّا للحرب البربرية الاسرائيلية على القطاع؛ يتعلّق بالاقتصاد السياسي للبحر المتوسّط. إذ يقع ساحل قطاع غزّة؛ الّذي لا يتجاوز طوله نحو 40 كم على البحر المتوسّط؛ في منطقةٍ أصبحت خلال العقدين الأخيرين إحدى أهمّ مناطق الطاقة في العالم. كما أنّ موقعه الجغرافي يضعه في قلب شبكةٍ محتملةٍ من الممرّات البحرية واللوجستية الّتي تربط آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط. من هذا المنظور، لا يمكن فهم الصراع حول قطاع غزّة بوصفه صراعاً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل بوصفه أيضاً صراعاً حول الموارد البحرية والبنية التحتية للطاقة والموانئ.
فقد اكتُشف حقل الغاز المعروف باسم "غزة مارين Gaza Marine" في قطاع غزّة عام 2000 بواسطة شركةBritch Gas بالتعاون مع صندوق الاستثمار الفلسطيني. يقع الحقل في الجزء الجنوبي من حوض شرق المتوسّط، على عمقٍ يقارب 600 مترٍ تحت سطح البحر. تشير التقديرات الجيولوجية إلى أنّ الحقل يحتوي على نحو 30 إلى 32 مليار مترٍ مكعّبٍ من الغاز الطبيعي، أي ما يعادل نحو تريليون قدمٍ مكعّبة. وعلى الرغم من أنّ هذا الحجم أقلّ بكثيرٍ من احتياطيات الحقول الكبرى في المنطقة مثل Leviathan أو Zohr، فإنّه يمثّل مورداً اقتصادياً مهمّاً بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني. فهذه الكميّة من الغاز يمكن أن توفّر احتياجات الفلسطينيين من الكهرباء لعقود، كما يمكن أن تولِّد عائداتٍ ماليةً كبيرّةّ. تشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أنّ تطوير الحقل يمكن أن يوفّر للفلسطينيين إيراداتٍ قد تصل إلى 3–4 مليارات دولار خلال عمر المشروع. كما يمكن أن يقلّل اعتماد قطاع غزّة على استيراد الوقود والكهرباء، وهي مسألةٌ ذات أهمّيةٍ حيويةٍ في ظلّ الأزمات المتكرّرة في إمدادات الطاقة داخل القطاع.
غير أنّ هذا المورد ظلّ غير مستغَلٍّ منذ اكتشافه قبل أكثر من عقدين. ويرتبط ذلك بمجموعةٍ من العوامل السياسية والأمنية، أبرزها السيطرة الإسرائيلية على المجال البحري لقطاع غزّة، والنزاع حول السيادة على الموارد البحرية. تمثّل هذه الحالة، من منظور الاقتصاد السياسي، مثالاً واضحاً على ما يمكن وصفه بـ اقتصاد الموارد تحت الاحتلال، إذ توجد الموارد الطبيعية لكن لا يمكن استغلالها بسبب البنية الاستعمارية، الّتي تسعى دائمًا إلى نهب ملكية الشعوب الأصلية لمواردها. ويرى الاحتلال الصهيوني في استفادة سكّان القطاع من مواردهم الطبيعية أمرًا سيؤدّي إلى تمويل المقاومة ومتطلّبات الصمود، الأمر الّذي لا يمكن للاحتلال السماح به.
لا يقتصر البعد الجيو-اقتصادي لغزّة على الغاز والثروة السمكية، بل يشمل أيضاً موقعها في شبكات النقل البحري الإقليمية. إذ يمثّل شرق المتوسّط عقدةً رئيسيةً في التجارة العالمية
إلى جانب الغاز الطبيعي، يمثّل البحر مصدراً مهمّاً للثروة السمكية في قطاع غزّة. قبل فرض القيود البحرية الصارمة، كان قطاع الصيد أحد القطاعات الإنتاجية الأساسية في الاقتصاد المحلي. وتشير البيانات المتوفرة أنّ قرابة 50 ألف مواطنٍ فلسطينيٍّ من قطاع غزّة يرتطبون ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشرٍ بالعمل في قطاع صيد الأسماك، ويتراوح الإنتاج السنوي للأسماك في غزّة بين 3000 و4000 طنٍّ سنوياً، إضافةً إلى نحو 300 إلى 500 طنٍّ من الاستزراع السمكي. وتعدُّ هذه الكميات مهمةً بالنسبة للاقتصاد المحلي، إذ توفّر مصدراً رئيسياً للبروتين الغذائي للسكان، وتخلق فرص عملٍ في مجتمعٍ يعاني من معدّلات بطالةٍ وفقرٍ مرتفعةٍ للغاية. وقد أدّت القيود الّتي فرضها الاحتلال على الصيد البحري إلى دمار قطاع الصيد دمارًا كبيرًا. إذ لا يستطيع الصيادون الوصول إلى كامل المساحة البحرية المتفق عليها في اتّفاقيات أوسلو، وغالباً ما يُسمح لهم بالصيد ضمن نطاقٍ محدودٍ من الساحل. كما تعرضت البنية التحتية لقطاع الصيد، بما في ذلك المرافئ والقوارب، لدمارٍ كبيرٍ خلال العمليات العسكرية المتكرّرة. ومن الواضح أنّ هدف إسرائيل الاستراتيجي هو تجويع سكان القطاع وحرمانهم من الحصول على الغذاء، ظنّاً منها بأنّه يمكن تصفية القضية الفلسطينية إذا جُوِّع الفلسطينيون. من هذ المنظور لا يمثِّل بحر قطاع غزّة مجالاً اقتصادياً فقط، بل أيضاً مساحة للصراع على الموارد الغذائية. فالتحكم في الوصول إلى البحر يعني التحكم في مصدر رزق آلاف العائلات، وفي أحد أهمّ الموارد الغذائية للسكان.
هناك بعدٌ استراتيجيٌّ آخر لشاطىء قطاع غزّة يتمثّل في مكانه الجيواستراتيجي، المتعلّق بخطوط وطرق نقل الطاقة. إذ شهد شرق المتوسّط منذ بداية القرن الحادي والعشرين سلسلةً من الاكتشافات الكبيرة للغاز الطبيعي، ما أدّى إلى تحوّله إلى منطقة طاقةٍ ذات أهّميةٍ متزايدةٍ في الاقتصاد العالمي. وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أنّ حوض شرق المتوسّط يحتوي على نحو 122 تريليون قدمٍ مكعّبٍ من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج و1.7 مليار برميلٍ من النفط. في السياق ذاته، يقع حقل القطاع البحري داخل نفس الحوض الجيولوجي الّذي يضمّ الحقول الكبرى في مناطق الكيان ومصر وقبرص. وعلى الرغم من أنّ حجمه أصغر نسبياً، فإنّ موقعه يجعله جزءاً من جغرافيا المنطقة الجيوطاقية، وقريبًا من مسارات نقل الغاز بين الحقول البحرية والبنية التحتية في مصر وأوروبا، وكذلك قرب خطوط الربط مع محطات التسييل في مصر. ومن الناحية العملية، يُعتبر أي توتّر أمني في سواحل قطاع غزّة مؤثرًا على بيئة الاستثمار، وأمن المنشآت البحرية، وخطوط النقل القريبة، خصوصًا مشروع Eastmed، الّذي تطمح إسرائيل من خلاله إلى تصدير الغاز الى دول أوروبا الّتي تعاني كثيراً في الحصول على حاجاتها من الغاز بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وعليه لا يمكن للكيان أن يهدف إلى تنمية قطاع غزّة بل إلى السيطرة الأمنية التّامة عليه، وتصفية المقاومة الفلسطينية الّتي يمكن أن تهدّد الشركات ورأس المال الإسرائيلي.
من جهةٍ أخرى، لا يقتصر البعد الجيو-اقتصادي لغزّة على الغاز والثروة السمكية، بل يشمل أيضاً موقعها في شبكات النقل البحري الإقليمية. إذ يمثّل شرق المتوسّط عقدةً رئيسيةً في التجارة العالمية، خاصّةً بسبب قربه من قناة السويس، الّتي تُعدّ أحد أهمّ الممرّات البحرية في العالم. ظهرت مشاريع في السنوات الأخيرة تهدف إلى إنشاء ممرّاتٍ تجاريةٍ جديدةٍ تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. ويقوم بعض هذه المشاريع على الربط بين موانئ البحر المتوسّط والموانئ الواقعة على البحر الأحمر والخليج. في هذا الإطار، تسعى دولة الكيان إلى تطوير موانئها على المتوسّط، خصوصاً ميناء حيفا، وتحويلها إلى مركزٍ لوجستيٍّ إقليمي. كما يجري العمل على ربط هذه الموانئ بالبنية التحتية للنقل البري والسككي الّتي تصل إلى ميناء إيلات على البحر الأحمر. تعكس هذه التطوّرات؛ من منظور الاقتصاد السياسي؛ ما تمكن تسميته صراع البنية التحتية اللوجستية، إذ تتنافس الدول والشركات على السيطرة على الموانئ وشبكات النقل الّتي تتحكّم بحركة التجارة العالمية. ورغم أنّ ميناء غزّة الحاليّ صغيرٌ ومخصّصٌ أساساً للصيد، فإنّ موقعه الجغرافي يمنحه أهمّيةً استراتيجيةً محتملة. فهو يقع على الساحل الجنوبي لشرق المتوسّط، بين ميناء عسقلان في إسرائيل وميناء العريش في مصر، وعلى مسافةٍ قريبةٍ نسبياً من قناة السويس. وفي حال إعادة بناء ميناء غزّة وتطويره، يمكن أن يلعب دوراً في شبكات النقل والطاقة في المنطقة. إذ لا تُستخدم الموانئ لنقل البضائع فقط، بل أيضاً لخدمة مشاريع الطاقة مثل خطوط الأنابيب البحرية ومنشآت الغاز، وهذا ما يجعله هدفاً محورياً للاحتلال، فالسيطرة على الساحل الغزّي ليست مجرّد قضيةٍ أمنيةٍ، بل جزءٌ من صراعٍ أوسع حول البنية التحتية للطاقة والتجارة في شرق المتوسّط.
وعليه يمثّل الساحل الغزّي نقطة التقاءٍ بين ثلاثة عناصر استراتيجيةٍ؛ موارد الغاز الطبيعي، الثروة السمكية، والموقع الجغرافي في قلب شرق المتوسّط. ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن فهم الصراع حول قطاع غزّة بوصفه جزءاً من صراعٍ أوسع على الموارد والبنية التحتية في النظام العالمي المعاصر. فقد أصبحت الموانئ وخطوط الطاقة والموارد البحرية عناصر أساسيةً في الجغرافيا الاقتصادية للقوّة.
