عربي
لا تُقاس خصوبة الأرض في مناطق واسعةٍ من شمال الضفّة الغربية بتركيبتها الزراعية؛ بقدر ما تُقاس بقدرتها على الحصول على الماء. فالزراعة هنا تعتمد على المياه بوصفها مورداً مائياً غير مستقرٍّ، يخضع للأمطار ولإمكانية شراء المياه بتكاليف مرتفعة، ولقيودٍ تفرضها السيطرة الاستعمارية الصهيونية على الوصول إلى المصادر الجوفية الأعمق والأكثر ثباتاً. لذلك يتحول الموسم الزراعي إلى رهانٍ مفتوحٍ، يبقى فيه استمرار الرّيّ العامل الحاسم بين بقاء المحصول أو انهياره.
يعتمد المزارعون على آبار سطحيةٍ محدودة التغذية، أو على شراء المياه، أو على ما يمكن تخزينه من مياه الأمطار لفتراتٍ قصيرة. ومع انخفاض المنسوب في الصيف، أو تعطُّل خطّ ريٍّ واحدٍ تتقلّص المساحات المزروعة، وقد تختفي محاصيل كاملةٌ، فتتّجه الزراعة نحو الحدّ الأدنى الممكن لتجنُّب خسائر أكبر.
تؤدّي هذه الظروف إلى ما هو أبعد من خسارة محصول واحد، إذ تقوّض القدرة على التخطيط الزراعي نفسه
لا يرتبط شحّ المياه هنا بالظروف الطبيعية وحدها، بل بمنظومة سيطرةٍ استعماريةٍ صهيونيةٍ تتحكّم في الوصول إلى الموارد المائية وتطويرها. فبينما يخضع حفر الآبار العميقة لقيودٍ صارمةٍ، تبقى المصادر القائمة عرضةً للنضوب أو الإغلاق أو التخريب. ومع توسُّع النشاط الاستيطاني في المناطق الزراعية، يتحول الماء إلى هدفٍ مباشر ضمن استراتيجية تقويض القدرة الإنتاجية بما يشمل تدمير خطوط الضخ، تخريب الخزانات، ومنع الوصول إلى الأراضي في مراحل حاسمةٍ من الموسم.
تؤدّي هذه الظروف إلى ما هو أبعد من خسارة محصول واحد، إذ تقوّض القدرة على التخطيط الزراعي نفسه. فالمزارع الذي لا يضمن توفّر المياه لا يستطيع تحديد ما سيزرع أو الاستمرار حتّى نهاية الموسم، ما يدفعه إلى تقليص الإنتاج أو تحمّل مخاطر ماليةٍ متزايدة.
لفهم واقع الزراعة الفلسطينية، لا يكفي رصد الاعتداءات عند وقوعها، لأنّ التأثير يبدأ قبل ذلك في نظام سيطرةٍ استعماري صهيوني يتحكّم بكمّية المياه المتاحة وشروط استخدامها، ويجعل الإنتاج الزراعي محكوماً بالنقص والكلفة وعدم الاستقرار حتّى في غياب التخريب المباشر.
التحكّم الاستعماري بالمياه: البنية الّتي تُضعف الزراعة الفلسطينية
لا تنبع أزمة المياه في الزراعة الفلسطينية من الطبيعة وحدها، إنما من سيطرةٍ استعماريةٍ منظّمةٍ على الموارد المائية وإمكان تطويرها واستخدامها. فالمياه الجوفية تشكِّل نحو 73% من الموارد المائية المتاحة في فلسطين، ومع ذلك يخضع الوصول إليها لقيودٍ تتحكّم في الحفر والعمق والبنية التحتية وشروط الترخيص، ما يجعل الاستفادة من الطبقات العميقة المستقرة شبه مستحيلةٍ في معظم المناطق الزراعية.
يعتمد المزارعون في مناطق واسعة من شمال الضفّة الغربية على آبارٍ سطحيةٍ تتغذّى من الأمطار، لأنّ الوصول إلى الأحواض الأعمق يخضع لقيودٍ تمنع تطوير مصادر ثابتةٍ طويلة الأمد. يقول مزارعٌ من طمون: " فهي المياه بتعتمد على كمية الأمطار اللي بتنزل كل سنة… إذا فيش مطر بالسنة… بتكون المياه خفيفة ". هذا الاعتماد ليس خياراً زراعياً بقدر ما هو نتيجة مباشرة لمنع الوصول إلى البدائل الأكثر استقراراً.
تخضع المياه الجوفية العميقة، القادرة على توفير تدفّقٍ منتظمٍ طوال العام لسيطرةٍ فعليةٍ تجعل استخدامها الزراعي شبه مستحيل. فالحفر يتطلب موافقاتٍ لا تُمنح، وإذا سُمحَ بالحفر؛ في حالاتٍ نادرةٍ؛ يُحدَّد العمق ونوعية الاستخدام، وغالباً ما يقتصر السماح؛ إن وُجد؛ على أغراض الشرب. يقول المزارع: "المياه الجوفية بعمق كبير… إحنا ممنوعين من الحفر فيها نهائياً، وحتّى إذا انحفر بير بيكون استعماله للشرب فقط، مش للزراعة". فبينما يُحرم القطاع الزراعي من المصدر الأكثر قدرةَ على دعم الإنتاج، تبقى الحقول معتمدةً على طبقاتٍ محدودةٍ وغير مستقرةٍ.
حتّى في الحالات القليلة الّتي يُسمح فيها بالحفر، تشكِّل الكلفة المرتفعة عائقاً إضافياً، إذ قد يتطلّب إنشاء بئرٍ واحدٍ استثماراتٍ تتراوح بين مئات آلاف ومليون شيكل، إضافةً إلى تكاليف الضخ والطاقة. يوضّح المزارع: "حفر بير جديد بده تقريباً من ثمانمية ألف لمليون شيكل… غير المضخة والكهرباء". لذلك يبقى تطوير مصادر مستقلّةٍ خياراً محصوراً بفئاتٍ محدودةٍ، في ما يعتمد معظم المزارعين على مصادر هشّةٍ أو على شراء المياه.
تخضع المياه الجوفية العميقة، القادرة على توفير تدفّقٍ منتظمٍ طوال العام لسيطرةٍ فعليةٍ تجعل استخدامها الزراعي شبه مستحيل
أدى هذا الوضع إلى نشوء سوقٍ محليةٍ لبيع المياه الزراعية، إذ يستثمر أفرادٌ يمتلكون رأس المال في حفر آبار وبيع المياه بالكوب. في سهل البقيعة مثلاً يعتمد كثيرٌ من المزارعين على هذه الطريقة. "هي آبار خاصة… أصحابها لديهم رأس مال، استثمروا وجابوا ترخيص وبيبيعوا للناس المياه ". ما يحوّل المياه إلى سلعةٍ، ويربط الزراعة بالقدرة على الدفع أكثر من ارتباطها بقدرة الأرض على الإنتاج.
يتفاقم النقص صيفاً مع ارتفاع الطلب وتراجع منسوب الآبار، فلا تكفي الكمّيات المتاحة لتلبية احتياجات الجميع حتّى لمن يملك القدرة المالية. يقول المزارع: "بالصيف بنزل منسوب الآبار… وما بتقدر تكفي كل المزارعين". ومع أن الدونم الواحد قد يحتاج مئات الأمتار المكعّبة شهرياً خلال ذروة الموسم، فإن نقص المياه يفرض تقليص المساحات المزروعة، أو ترك أجزاء من الأراضي من دون استغلال.
لا تتوقف السيطرة على منع تطوير المصادر الفلسطينية فقط، بل تجدها أيضاً في استنزاف الأحواض المشتركة عبر الضخّ الكثيف المرتبط بالمستوطنات، ما يؤدي إلى خفض منسوب المياه في المناطق المحيطة، وإضعاف إنتاجية الآبار الفلسطينية، وزيادة احتمالات جفافها.
في الوقت نفسه، يتركّز التزويد المنتظم بالمياه على الاستهلاك المنزلي، إذ تمثّل المياه المشتراة من الشركات الإسرائيلية نحو 39% من المياه المتاحة في الضفّة وحوالي 60% من المياه المنزلية، في المقابل تُترك الزراعة للاعتماد على مبادراتٍ فرديةٍ أو تجاريةٍ، كما أوضح المزارع أنّ سلطة المياه تركّز على مياه الشرب، لكنّها لا توفّر المياه للزراعة.
بهذه الشروط يدخل المزارع الفلسطيني الموسم الزراعي ضمن حدودٍ محدّدةٍ مسبقاً، فيتحوّل النقص المؤقّت إلى إعادة تشكيلٍ دائمةٍ للزراعة: تقلّ المساحات المروية، تختفي المحاصيل الأكثر استهلاكاً للمياه، وتتّجه الزراعة نحو أصنافٍ أقلّ مخاطرةً حتّى لو كانت أقلّ ربحاً.
يسبق هذا التقييد البنيوي الاعتداءات المباشرة على البنية التحتية، إذ يكون الإنتاج قد قُلِّص أصلاً عبر التحكّم بالمورد الحيوي الذي يقوم عليه، ما يعيد صياغة الزمن الزراعي نفسه في مواعيد الزراعة واستمرارية الري، وقدرة المزارع على إكمال الموسم حتّى نهايته.
الزراعة معركة بقاء: حين يحدّد الماء حدود الإنتاج
أنتجت القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى المياه واقعاً زراعياً صعباً، وفرضت نظاماً يومياً يتحكّم بكلّ قرارٍ في الحقل. وهذه القيود ليست تقنية ولا طبيعية، بل نتاج سيطرةٍ استعماريةٍ مباشرةٍ على مصادر المياه والأحواض الجوفية وشروط الحفر والضخ، إذ يُسمح بالوصول إلى طبقاتٍ محدودةٍ وغير مستقرةٍ، في ما تُحتكر المصادر الأعمق والأكثر استقراراً.
هكذا تصبح كمّيّة المياه المتاحة للزراعة محدّدةً مسبقاً قبل أن يبدأ الموسم، وفي ظلّ محدودية الموارد المائية المتاحة، إذ لا تتجاوز حصة الفرد الفلسطيني في الضفّة نحو 88 لتراً يومياً، وهي أقلّ من المعدّل العالمي الموصى به البالغ نحو 120 لتراً، ما يعني أنّ الزراعة تحصل على ما يتبقى من موردٍ شحيحٍ أساساً.
لذلك لا يبدأ المزارع موسمه وفق خصوبة الأرض أو حاجة السوق، بل وفق تقدير كمّيّة المياه الّتي قد يستطيع تأمينها. وفي مناطق واسعةٍ من شمال الضفّة الغربية، حيث يعتمد المزارعون على آبارٍ سطحيةٍ ضعيفة التغذية، يدخل الموسم محملاً باحتمال الفشل، فتُدفع التكاليف مسبقاً، بينما يبقى المحصول رهينة استمرار الري. أيّ انقطاعٍ قصيرٍ قد يؤدّي إلى تلف المزروعات بالكامل. فوفق المزارع "إذا ما قدرت تسقي… بتخرب الزرعة". والخسارة هنا تعني ضياع رأس المال والعمل معاً، لا مجرّد انخفاض الإنتاج.
وعندما لا تكفي المياه، يُضطر المزارع إلى إعادة توزيع النقص بدل توزيعه على الأرض كلّها: جزءٌ يُسقى لإنقاذه، وجزءٌ يُترك ليجفّ
تبلغ هذه المعادلة ذروتها في الصيف، حين ترتفع الحاجة إلى المياه بشدّةٍ في وقتٍ ينخفض فيه منسوب الآبار نتيجة محدودية الطبقات المتاحة واستنزاف المياه العميقة. حتّى من يملك المال قد لا يستطيع تأمين احتياجاته لأنّ المورد نفسه محدود. يقول المزارع: "بالصيف بنزل منسوب الآبار… وما بتقدر تكفي كل المزارعين".
في هذه المرحلة تصبح احتياجات الري مرتفعةً للغاية، فالدونم الواحد قد يحتاج مئات الأمتار المكعبة شهرياً للحفاظ على حياة النبات. "الدونم يستهلك 300 كوب بالشهر". يتحوّل تأمين هذه الكمية إلى عبءٍ يوميٍّ من متابعة الضخّ وشراء المياه إن توفّرت وإيصالها في الوقت المناسب قبل أن يبدأ المحصول بالتلف.
وعندما لا تكفي المياه، يُضطر المزارع إلى إعادة توزيع النقص بدل توزيعه على الأرض كلّها: جزءٌ يُسقى لإنقاذه، وجزءٌ يُترك ليجفّ. يقول المزارع: "الواحد بدل ما يزرع مية دونم، بصير يزرع خمسين". هكذا لا تُصادر الأرض رسمياً، لكنّها تُعطَّل عملياً لأنّ تشغيلها يصبح مستحيلاً ضمن الكميات المتاحة.
يتغيّر كذلك نوع الإنتاج الزراعي، فتتحوّل المحاصيل الّتي تحتاج رياً منتظماً أو طويل الأمد إلى مخاطرةٍ كبيرةٍ، ما يدفع المزارعين إلى اختيار أصنافٍ أقلّ استهلاكاً للمياه أو أقصر دورة حتّى لو كانت أقل ربحاً. كما يؤدّي الري غير المنتظم إلى إضعاف النباتات وجعلها أكثر عرضةً للأمراض والآفات. "بصير فيها أمراض… وبتقلل من عمرها". فالمياه هنا ليست عنصر دعم فحسب، بل شرط بقاء.
مع تكرار هذه الظروف يفقد المزارع القدرة على التخطيط للمستقبل، فلا يمكن تثبيت مساحةٍ أو محصولٍ لأنّ توفُّر المياه غير مضمونٍ من موسمٍ إلى آخر. تبدأ كلّ سنةٍ بإعادة حساب المخاطر نفسها، فتتحوّل الزراعة إلى نشاطٍ قائم على التكيُّف المستمرّ بدل الاستقرار.
يتفاقم الضغط المالي بدوره، إذ قد تعني خسارة موسمٍ واحدٍ ديوناً تمتدّ لسنواتٍ، خاصّةً مع ارتفاع كلفة المياه المشتراة. ويزداد هذا العبء في ظلّ توجيه الجزء الأكبر من الإمدادات المنتظمة نحو الاستخدام المنزلي، لتُترك الزراعة للاعتماد على مصادر غير مستقرةٍ، أو على شراء المياه بأسعارٍ مرتفعةٍ، ما يجعل استمرار الإنتاج الزراعي رهين القدرة على الدفع أكثر من ارتباطه بقدرة الأرض على العطاء.
على المدى الطويل يتحوّل هذا الواقع إلى استنزافٍ منهجي للقدرة الإنتاجية: تختفي المحاصيل عالية القيمة، وتتراجع كثافة الزراعة، وتبقى مساحاتٌ واسعةٌ غير مستغلةٍ لأنّ تشغيلها يتطلّب موارد مائية غير متاحة. تبقى الأرض بملكية أصحابها لكنها تفقد قدرتها على إعالة من يزرعها، فيتحوّل هدف المزارع من التوسّع أو تحسين العائد إلى تجنّب الانهيار الكامل، إذ لا يحدد الماء كمية الإنتاج فحسب، بل يحدد إن كانت الزراعة ممكنةً أصلًا تحت نظام السيطرة القائم.
لا تقتصر آثار قيود المياه البنيوية على تقليص الإنتاج الزراعي، بل تمتدّ إلى اعتداءاتٍ مباشرةٍ ينفذّها المستوطنون على مصادر المياه وشبكاتها والمزارعين
لا يحدث هذا الاستنزاف بمعزل عن العنف المباشر، إذ تتكامل القيود البنيوية على المياه مع اعتداءاتٍ ينفذها المستوطنون على مصادرها وشبكاتها والمزارعين أنفسهم، غالباً تحت حماية الجيش أو في ظلّ حضوره، ما ينقل الضغط من مستوى التحكّم البنيوي إلى مستوى التخريب القسري على الأرض.
استهداف المياه أداة سيطرة: اعتداءات المستوطنين على شروط البقاء في الأرض
لا تقتصر آثار قيود المياه البنيوية على تقليص الإنتاج الزراعي، بل تمتدّ إلى اعتداءاتٍ مباشرةٍ ينفذّها المستوطنون على مصادر المياه وشبكاتها والمزارعين، في هذه المرحلة لا تبقى المياه مورداً نادراً فحسب، بل يحوّلها المستوطنون إلى هدفٍ مباشرٍ لهجماتهم. فالاعتداء لا يطاول الأرض وحدها، بل كل ما يسمح ببقائها مزروعةً: خزّانات التخزين، خطوط الري، الآبار، المضخّات، مولّدات الكهرباء، وحتّى الطرق الزراعية المؤدّية إلى مصادر المياه.
يوضّح المزارع من طمون أنّ مجموعاتٍ من المستوطنين يقومون بتخريب التنكات والخزّانات ويقطعون شبكات المياه، ما يؤدي إلى توقّف الري فوراً، وتعريض المزروعات للتلف خلال أيامٍ قليلة، خصوصًا في ذروة الصيف حين تكون النباتات في أعلى درجات حاجتها للمياه.
يتعمّد المستوطنون تخريب شبكات المياه لأنّها مكشوفةٌ ويسهل الوصول إليها، فقطعُ خطٍّ واحدٍ قد يوقف ري عشرات الدونمات دفعةً واحدةً. ويتأخّر إصلاح الأضرار بسبب صعوبة الوصول أو الخوف من تكرار الهجوم، ما يترك المحصول من دون ريٍّ لفتراتٍ كافيةٍ لتلفه بالكامل، وقد ينتهي الأمر بضياع الموسم كله.
في حالاتٍ أخرى، يستهدف المستوطنون المورد ذاته، إذ يذكر المزارع أنّ المستوطنين "صاروا يحطوا سم في تنكات المي"، ما يجعل المياه غير صالحةٍ للاستخدام الزراعي، ويجبر المزارعين على تفريغها أو التوقّف عن الري. بهذا الفعل يتحول الماء من عنصر حياةٍ إلى مصدر ضررٍ مباشر.
كما يستخدم المستوطنون الرعي القسري داخل الحقول وسيلةً إضافيةً للإضرار بالزراعة، إذ يؤدّي إدخال قطعانٍ كبيرةٍ إلى إتلاف النباتات وشبكات الري معاً، وتبديد المياه الّتي أُنفِقت عليها. يصف المزارع ذلك بقوله إنّ المواشي "بتدخل على الزرع وبتكسره وبتخرب المواسير"، ما يحوِّل الحقل إلى مساحةٍ متضرّرةٍ تحتاج إلى إعادة تأهيلٍ مكلفةٍ قبل أن تصبح صالحةً للزراعة مجددًا.
لا تقتصر هذه الاعتداءات على غياب المزارعين، بل ينفّذها المستوطنون كثيراً أثناء وجودهم في الأرض، إذ يجبرونهم على الانسحاب وترك المعدات والمياه من دون رقابةٍ أو التوقف كلّياً. في لحظات الري الحرجة قد يعني هذا الانقطاع خسارةً فوريةً. "بيجوا عليه… بحاولوا يطردوه"، وغالباً ما يحدث ذلك بحضور الجيش أو تحت حمايته، ما يمنع أي محاولةٍ للاعتراض أو الاستمرار في العمل. لا يتعلق الأمر بالنسبة للمزارعين بخطرٍ عابرٍ، بل بإدراكٍ دائمٍ أنّ أيّ عملٍ في الحقل قد يتوقّف قسراً في أي لحظةٍ بسبب تدخل المستوطنين.
تكرار هذه الهجمات الّتي ينفّذها المستوطنون يعطّل انتظام الري، وهو شرطٌ أساسيٌّ لنجاح الزراعة، فأي خللٍ في التوقيت أو الكمية ينعكس مباشرةً على صحّة النباتات وإنتاجيتها. ومع استمرار الاعتداءات يصبح الحفاظ على جدول الري شبه مستحيل، ما يؤدّي إلى ضعف الإنتاج حتّى في الأراضي الّتي لا تتعرض للتّلف الكامل. فالماء هنا موردٌ معرَّضٌ للاستهداف المتعمَّد، ما يرفع مستوى المخاطرة إلى حدٍّ يصعب التنبّؤ به أو التكيّف معه.
على المدى الأبعد، تؤدّي هجمات المستوطنين إلى تقليص استخدام الأراضي تدريجياً؛ فالمناطق القريبة من المستوطنات أو الطرق الالتفافية تصبح أكثر عرضةً للاعتداء، فيتجنّبها المزارعون أو يقلّلون نشاطهم فيها. تبقى الأرض بملكية أصحابها قانونياً، لكنّها تفقد وظيفتها الفعلية نتيجة الخطر المستمر.
بهذا المعنى يشكّل استهداف المياه من قبل المستوطنين أداةً فعّالةً لإضعاف الوجود الزراعي، فيؤدّي تعطيل الري إلى تراجع الإنتاج، وتراجع الإنتاج يقلّل الجدوى الاقتصادية، ومع الوقت تتحوّل الزراعة إلى نشاطٍ غير قابلٍ للاستمرار في تلك المناطق.
تتجاوز آثار هذه الهجمات الموسم الواحد، إذ تضرب استمرارية الزراعة نفسها بوصفها نمط حياةٍ واقتصاداً محلياً. حين يصبح الماء عرضةً للتخريب أو المنع في أي وقت، يفقد المزارع القدرة على الاعتماد على أرضه مصدر دخلٍ مستقرٍّ، ما يدفع بعضهم إلى تقليص نشاطهم، أو البحث عن بدائل خارج الزراعة.
الخلاصة
تعمل السيطرة الاستعمارية الصهيونية على المياه في الزراعة الفلسطينية بوصفها آليّةً ممتدّةَ تعيد تنظيم شروط الإنتاج الزراعي على مستوياتٍ متعدّدةٍ، لا بوصفها حرماناً لحظياً من موردٍ طبيعي. فهي تبدأ بالتحكّم البنيوي في الوصول إلى المصادر المائية، وفي الحفر والضخّ والبنية التحتية ونوعية الاستخدام، بما يجعل التزوّد بالمياه غير مستقرٍّ ومحكوماً بقيودٍ مسبقةٍ. وبهذا المعنى لا تُقيَّد الكمّيات المتاحة فحسب، بل يُعاد ضبط الزمن الزراعي نفسه: مواعيد الزراعة، انتظام الري، إمكان الاستمرار في الموسم، والقدرة على التخطيط من سنةٍ إلى أخرى.
حين يصبح الماء عرضةً للتخريب أو المنع في أي وقت، يفقد المزارع القدرة على الاعتماد على أرضه مصدر دخلٍ مستقرٍّ، ما يدفع بعضهم إلى تقليص نشاطهم، أو البحث عن بدائل خارج الزراعة
لا تبدو هجمات المستوطنين على مصادر المياه ضمن هذه الصيرورة وقائع منفصلةً أو طارئةً، بل مرحلةً مكثّفةً من آلية السيطرة ذاتها. فحين تكون الزراعة قد أُضعفت أصلاً بفعل القيود البنيوية، يتحوّل تخريب الخزّانات وقطع شبكات الري وتلويث المياه ومنع الوصول إلى الأرض إلى أدواتٍ لتعطيل ما تبقّى من انتظام العمل الزراعي، إذ يتحوّل النقص البنيوي إلى انقطاعٍ فعلي، وغياب البديل إلى تعطيلٍ قسريٍّ. وعلى هذا النحو لا يُستهدف الماء بوصفه مورداً فحسب، بل بوصفه الشرط الذي يسمح باستمرار الإنتاج.
لا يقتصر الأثر الأعمق لهذه المنظومة على خفض كمّيّات الري، أو تقليص الإنتاج في موسمٍ بعينه، بل يتمثّل في إعادة صياغة وظيفة الأرض نفسها. فالأرض لا تُنتزع بالضرورة من أصحابها مباشرةً، إنما تُفرّغ تدريجياً من قدرتها على الإعالة، عبر جعل زراعتها أكثر كلفةً وأشدّ مخاطرةً، وأقلّ قابليةً للاستمرار. وهكذا تتكامل السيطرة على الماء مع تصاعد هجمات المستوطنين لتعمل آليةً متواصلةً لإضعاف الوجود الزراعي الفلسطيني، لا عبر المصادرة المباشرة فقط، بل عبر استنزاف شروط البقاء فيه مع مرور الوقت.
