عربي
وسط إجراءات تقشفية قاسية في استخدامات الطاقة، استثنت الحكومة المصرية أول من أمس، مصانع الأسمدة من إجراءات ترشيد استهلاك الغاز، بما يسمح لها بالعمل بكامل طاقتها الإنتاجية. ويأتي قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، في محاولة لحماية صادرات القطاع التي بلغت 7.723 مليارات دولار عام 2025، ووسط ضغوط متصاعدة جراء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وارتفاع تكاليف الغاز والنفط والشحن، إلى جانب بروز منافسة إقليمية متسارعة لصناعة الأسمدة المصرية تقودها دولة إثيوبيا بدعم صيني مالياً وتكنولوجياً.
وقال رئيس غرفة الصناعات الكيماوية والأسمدة شريف الجبلي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن مصانع الأسمدة كافة ستعمل بكامل طاقتها رغم الضغوط الهائلة على قطاع الغاز والنفط؛ لضمان استمرار العمل وتوفير احتياجات المزارعين وحصص التوريد المتعاقد عليها للأسواق الأوروبية والأميركية لعام 2026، وأوضح الجبلي أن قرار استثناء مصانع الأسمدة من ترشيد الغاز يعبر عن تحول في إدارة الأزمة، من التقشف الشامل إلى التخصيص الانتقائي للطاقة الذي يضع القطاعات التصديرية في صدارة الأولويات، بما يمكنها من مواجهة صدمة ارتفاع تكاليف توفير الغاز والتشغيل بسبب الحرب، وضغط لوجستي غير مسبوق مع منافسة إقليمية مدعومة بنماذج إنتاج أقل تكلفة.
وأكد أنه في ظل هذه المتغيّرات، لم يعد التحدي في الحفاظ على الإنتاج فحسب، بل في ضمان حصص داخل سوق يعاد تشكيله تحت ضغط الجغرافيا والطاقة والسياسة.
تحصين النقد الأجنبي وسط التقشف
يأتي قرار الاستثناء لصناعة الأسمدة في وقت تطبق فيه الحكومة إجراءات تقشفية واسعة لترشيد الطاقة، تشمل تقليص الإنارة العامة وتقييد النشاط التجاري بغلق المحلات والورش الصناعية في التاسعة مساءً، بينما اختارت في المقابل تحصين قطاع الأسمدة باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
وحسب تصريحات حكومية، فإنّ وزارة البترول تفضل إدارة الأزمة عبر خفض الاستهلاك المحلي للطاقة وتأمين شحنات محدودة من الغاز الطبيعي المُسال، بدلاً من اللجوء إلى الشراء من السوق الفورية مرتفعة التكلفة، خاصة مع زيادة قيمة الواردات الشهرية من 650 مليوناً إلى 1.65 مليار دولار شهرياً، وهي مرشحة للارتفاع مع استمرار حالة الحرب الدائرة بمنطقة الخليج.
وتعهد رئيس الوزراء بعدم انقطاع إمدادات الغاز عن المصانع، في إشارة إلى أولوية استمرار الإنتاج الصناعي، لافتاً إلى أنه رغم تراجع إنتاج الغاز المحلي فإنّ إنتاج المصانع يحافظ على معدلات التشغيل، وشحن الكميات المتفق عليها لشهر إبريل/ نيسان 2026، ولم تقع اضطرابات في التشغيل بالمصانع حتّى الآن.
وترجع غرفة صناعة البتروكيماويات والأسمدة باتحاد الصناعات المصرية إجراءات الحكومة لتقليل الضغط على الإمدادات، إلى رغبتها في مواجهة الضغوط المفاجئة التي واجهتها مع وقف الشركات الإسرائيلية إمداد الغاز للشبكة الوطنية بنحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً، منذ 28 فبراير/ شباط الماضي.
وأكدت الغرفة أن الصناعة تواجه ضغوطاً حادة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، مشيرين إلى تقرير لمنظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة "أونكتاد" الذي ظهر مؤخراً، ويبين فيه تراجع عبور السفن عبر مضيق هرمز بنسبة 97%، وارتفاع أسعار النفط بنسبة 27%، وزيادة أسعار الغاز المُسال بنسبة 74%، مع قفزة في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بنسبة 300%.
المنافسة الإثيوبية - الصينية
في موازاة هذه الضغوط، يظهر تحدٍ استراتيجي جديد لصناعة الأسمدة في مصر، مع إعلان إثيوبيا الأسبوع الماضي عن مشروع ضخم لإنتاج الأسمدة تمتلك الصين 60% من أسهمه. جاء المشروع بينما تشهد سوق الأسمدة الأفريقية تحولاً هيكلياً جذرياً مدفوعاً بمتغيرات الإنتاج المحلي في شرق القارة والقدرات التصديرية الفائقة في شمالها، فبينما تحتفظ مصر بمكانتها كخامس أكبر مصدر لليوريا عالمياً، يبرز المشروع الإثيوبي الجديد بشراكة صينية كمتغير جيوسياسي قادر على إعادة رسم مسارات التجارة البينية في تكتل "الكوميسا"، ما يضع الهيمنة المصرية أمام اختبار جديد لمكانتها الإنتاجية وموقعها اللوجستي.
ووفقاً لتقرير معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA)، الذراع البحثية لوزارة الخارجية بأديس أبابا، اطلعت عليه "العربي الجديد"، فقد انتقلت إثيوبيا من مرحلة "المستورد الصافي" الذي يعاني من ضغوط حادة على احتياطيات النقد الأجنبي، إلى مرحلة "المنتج السيادي"، بعد توقيع عقد في أغسطس/ آب 2025 مع مجموعة "دانغوت" الصينية بقيمة 2.5 مليار دولار لإنشاء مجمع لأسمدة اليوريا في منطقة أوغادين على الحدود الإثيوبية مع إقليم الصومال.
ويشير تقرير المعهد إلى أن المصنع، القريب من حقول الغاز الطبيعي المستكشفة حديثاً، يستهدف إنتاج 3 ملايين طن متري سنوياً من اليوريا، وبالمقارنة مع إحصاءات الاستهلاك المحلي التي سجلت استيراد 1.2 مليون طن في 2023، فإنّ الفائض القابل للتصدير سيصل إلى 1.8 مليون طن سنوياً، بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويتجاوز إجمالي احتياجات دول الجوار مثل جيبوتي وإريتريا والصومال مجتمعة، ويجعل إثيوبيا مركزاً إقليمياً للطاقة والمستلزمات الزراعية لدول المنطقة المحيطة بها، ويوضح التقرير الإثيوبي أن المشروع يعتمد على هيكل ملكية بنسبة 60% لمجموعة "دانغوت" الصينية و40% لشركة الاستثمار الإثيوبية القابضة (EIH).
صراع الممرات والتكلفة اللوجستية
تكمن الفجوة التنافسية بين مصر وإثيوبيا في مفهوم "الممر أهم من المصدر"، إذ تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن 66% من احتياجات إثيوبيا الحالية من اليوريا مصدرها مصر، ومع تشغيل مصنعها "غودي" بإقليم أوجادين، ستواجه الصادرات المصرية تحديات لوجستية قاسية؛ أبرزها أن نجاح المشروع الإثيوبي يعني فقدان مصر لأكبر سوق أفريقي يستهلك منتجاتها، وتحويله من مستورد إلى منافس شرس في "ممر وسط أفريقيا".
بالإضافة إلى ذلك، تبعد المصانع الإثيوبية مسافة تتراوح بين 500 إلى 800 كيلومتر عن مراكز الطلب في شرق القارة، بينما تقطع الشحنات المصرية أكثر من 4000 كيلومتر عبر البحر الأحمر ثم النقل البري المكلف، ويمنح هذا التفاوت إثيوبيا قدرة على تقديم خصومات سعرية تتراوح بين 15% إلى 25% نتيجة خفض رسوم الشحن والتأمين.
وحسب بيانات أسواق الطاقة لعام 2025، شهدت الأسعار تقلبات حادة أثرت على الميزان التجاري للمنتجين الكبار مثل مصر وإيران؛ إذ ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 54% في النصف الأول من 2025 لتصل إلى متوسط 43 يورو/ميغاوات ساعة، فيما بلغ متوسط سعر سلة الأسمدة في مايو/ أيار 2025 حوالى 437 دولاراً للطن، بزيادة قدرها 118 دولاراً عن العام السابق.
وهذه الأرقام تضع المنتج الإثيوبي، المدعوم بغاز محلي وبعقود ثابتة مع "جي سي إل" الصينية، في وضع تفاوضي صلب، مقابل المنتج المصري الذي يظل مرتبطاً بديناميكيات أسعار الغاز العالمية وتقلبات إنتاج الحقول. وتشير التقديرات إلى احتمال تراجع الصادرات المصرية داخل أفريقيا بما يتراوح بين 1.5 و2 مليون طن سنوياً، مقابل احتفاظها بالأسواق الأعلى قيمة مثل أوروبا والبرازيل.
الأسمدة الخضراء والمستقبل الاستراتيجي
تعول مصر على تطوير صناعة الأسمدة بالتوسع في استخدام الطاقة الخضراء "درعاً واقياً" للصادرات المصرية؛ فمع توجه الاتحاد الأوروبي لفرض آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، ستصبح الأسمدة المصرية "منخفضة الكربون" هي الخيار الوحيد للأسواق الأوروبية المتطورة (وفقاً لمقاييس الصناعة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا) التي استقبلت حصصاً مصرية كبرى في 2025، مستفيدة من تطبيق أحدث معايير كفاءة الطاقة، وهي ميزة تنافسية لم تدخلها إثيوبيا في مشروعها الذي لا يزال يعتمد على الغاز الطبيعي التقليدي.
ويرى الأكاديمي المتخصص في اقتصاديات الأسمدة وسلاسل الإمداد الدولية، محمد فتحي، أن المشهد لا يشير إلى انكسار طرف لحساب الآخر، بل "نحن بصدد صياغة جديدة للهيمنة الإقليمية"، ويقول فتحي لـ"العربي الجديد": "عند تحليل المعطيات المتقاطعة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومعهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA) والمركز الدولي لتطوير الأسمدة (IFDC)، نجد أنّنا لسنا أمام سيناريو سحب البساط الكلي، بل أمام تقاسم نفوذ ذكي تفرضه الجغرافيا والاقتصاد الأخضر".
يتوقع فتحي أن تنجح أديس أبابا في الاستحواذ رقمياً على سوق شرق أفريقيا ودول الكوميسا، وهو ما قد يقلص حصة مصر التصديرية داخل القارة بمقدار يتراوح بين 1.5 إلى 2 مليون طن سنوياً على المدى البعيد، وبذلك ستتحول إثيوبيا إلى "صمام أمان" للأمن الغذائي في منطقة القرن الأفريقي مستفيدة من قصر المسافات اللوجستية.
في المقابل، يتفق فتحي مع رأي الجبلي بأن مصر ستظل المهيمن الفعلي على الأسواق "عالية القيمة" في أوروبا والبرازيل، ويعزو ذلك إلى استباقية القاهرة في التحول نحو "الأسمدة الخضراء" منخفضة الكربون، بالتوازي مع التوسع في استصلاح 3.5 ملايين فدان محلياً، وهي خطوة استراتيجية لامتصاص أي فائض إنتاجي قد ينتج عن خسارة جزء من السوق الأفريقية التقليدية.
