ليبيا... الغلاء بسبب "هرمز" يتفوق على مكاسب النفط
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتدفق تداعيات التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز وشرق المتوسط إلى الداخل الليبي بوتيرة متسارعة؛ إذ لم تعد الأزمة حبيسة خرائط الملاحة الدولية أو نشرات أسعار النفط، بل باتت واقعاً يومياً ينعكس على رفوف المتاجر وجيوب المواطنين، في صورة موجة جديدة من الغلاء يقودها ما يُعرف بـ "التضخم المستورد". تعتمد ليبيا كثيراً على الاستيراد لتلبية احتياجاتها؛ إذ تغطي المنتجات المستوردة نحو 85% من إجمالي السلع المطلوبة، بينما تعتمد البلاد أساساً على النفط، الذي يمثل 94% من الصادرات، لتوفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل هذه الواردات، والتي تشمل الآلات، والمعدات، والمواد الغذائية، والأدوية، في ظل ضعف الإنتاج المحلي الذي يغطي جزءاً محدوداً من السوق. قفزة في تكاليف الشحن تشير تقديرات حديثة في قطاع النقل البحري إلى أن تكلفة شحن الحاويات من آسيا إلى المتوسط قفزت بأكثر من 150% خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بتصاعد المخاطر الأمنية في الممرات الحيوية، وما تبعها من زيادات حادة في أقساط التأمين البحري. وفي تصريح لـ "العربي الجديد"، يقول المتعامل في القطاع البحري عبد الرحيم المغربي، إن "شركات الشحن لم تعد تتعامل مع المسارات التقليدية بالكلفة ذاتها، بل أضيفت عليها ما يُعرف بعلاوات المخاطر"، مضيفاً أن هذه التكاليف تُحمّل مباشرة على المستوردين، الذين ينقلونها بدورهم إلى المستهلك. ويعكس هذا الانتقال السريع للكلفة، من السفينة إلى التاجر ثم إلى المواطن، طبيعة الاقتصاد الليبي المفتوح، واعتماده شبه الكامل على الخارج لتغطية احتياجاته الغذائية والدوائية والصناعية، حسب المغربي. واقع معيشي مرير في أحد أحياء طرابلس، يروي الموظف في القطاع العام، عادل الطابوني، كيف تغيّرت الأسعار خلال فترة قصيرة قائلاً: "سعر لتر الحليب ارتفع من خمسة إلى ثمانية دنانير خلال أيام بعد رمضان، والأدوية أيضاً لم تسلم من الزيادة"، مضيفاً: "الدخل لم يتغير، لكن المصاريف تضاعفت". تتكرر هذه الشكاوى في مدن ليبية أخرى؛ إذ يشير تجار إلى زيادات متفاوتة في أسعار الزيوت والحبوب ومنتجات الألبان، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية تدريجياً، خاصة لدى ذوي الدخل المحدود، علماً أن سعر الصرف يبلغ حالياً 6.3 دنانير للدولار. من زاوية أكاديمية، يرى أستاذ الاقتصاد عادل المقرحي أنّ الأزمة الحالية "تكشف هشاشة هيكل الاقتصاد الليبي، الذي يفتقر إلى قاعدة إنتاجية محلية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية"، موضحاً لـ "العربي الجديد" أنّ أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية ينعكس فوراً على السوق الداخلية، ويحذر المقرحي من أن استمرار التوتر في الممرات البحرية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعرَين الرسمي والموازي، مع ضغوط إضافية على سعر الصرف. بدوره، يسلط الخبير المصرفي، معتز هويدي، الضوء على بنية التجارة الخارجية، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من واردات ليبيا من شرق آسيا يمرّ عبر دبي بصفتها مركزاً لإعادة التصدير. ويضيف الخبير المصرفي لـ"العربي الجديد" أن بيانات الاعتمادات المستندية لعام 2025 تُظهر تصدّر الإمارات بحجم تعاملات بلغ نحو 4.2 مليارات دولار سنوياً، ما يجعل أي اضطراب في خطوط الإمداد المرتبطة بالخليج ينعكس مباشرة على تكلفة السلع في ليبيا، كما أن اعتماد ليبيا على مسارات تجارية محددة تمر عبر مناطق توتر، يزيد من حساسية الاقتصاد للصدمات ويحدّ من قدرته على المناورة. وأكد هويدي أن زيادات الأسعار العالمية تنتقل بسرعة شبه فورية إلى الداخل بفعل غياب أدوات التحوط، مثل المخزون الاستراتيجي الكافي أو تنويع الشركاء التجاريين، مشدداً على أن "الحرب المرتبطة بإيران رفعت كلفة الشحن والتأمين، وهو ما يترجم تلقائياً إلى أسعار أعلى في السوق المحلية". المعادلة المزدوجة في ليبيا يرى الخبير الاقتصادي أحمد المبروك، أن الأزمة الراهنة المرتبطة بتوترات مضيق هرمز تكشف بوضوح عن "معادلة مزدوجة" تحكم الاقتصاد الليبي؛ تقوم على توازن هش بين مصدرَين متناقضين للأثر. فمن جهة، يؤدي تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى رفع أسعار النفط، ما ينعكس إيجاباً على الإيرادات العامة للدولة. لكن، في المقابل، تتسبب هذه التوترات نفسها في ارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين، ما يرفع فاتورة الواردات ويترجم سريعاً إلى ضغوط تضخمية يتحملها المستهلك. ويضيف المبروك لـ"العربي الجديد" أن هذه المفارقة تطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الاقتصاد على تحقيق توازن فعلي؛ فالإيرادات النفطية لا تنعكس بالكفاءة المطلوبة على مستوى معيشة المواطنين نتيجة تعقيدات هيكل الإنفاق العام وغياب سياسات الدعم الموجهة، بينما تنتقل صدمات الأسعار العالمية إلى الداخل بوتيرة أسرع بكثير. من جانبه، يحلل الخبير الاقتصادي، عبد الفتاح أبوقصة، موجة الغلاء الحالية باعتبارها تحمل سمات "التضخم المستورد"، إذ لا تنبع من زيادة الطلب المحلي، بل من ارتفاع التكاليف العالمية المرتبطة بالشحن وسلاسل الإمداد. وأوضح الخبير الاقتصادي لـ"العربي الجديد" أن هذا النوع من التضخم هو الأكثر تعقيداً في المعالجة لارتباطه بعوامل خارجية تتجاوز أدوات السياسة المحلية. وأضاف أبوقصة أن انتقال هذا التضخم يجري بسرعة لافتة في ظلّ غياب البدائل التنافسية، ما يجعل السوق الليبية "مستقبلاً صافياً للصدمات" بدلاً من أن تكون قادرة على امتصاصها، ويحذر من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تآكل مستمر في القدرة الشرائية للمواطنين، ما لم تُواكب الإيرادات النفطية بسياسات مالية ونقدية أكثر كفاءة تستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية