عربي
يضع انضمام الحوثيين إلى الحرب المشتعلة، المنطقة العربية والعالم أمام كارثة اقتصادية مرتقبة، خاصة مع اقتراب نيران المواجهات من البحر الأحمر وممر باب المندب، الذي يُعد الشريان البديل لمضيق هرمز، والذي تسبب إغلاقه في أزمة غير مسبوقة في التجارة الدولية.
يأتي ذلك وسط ترقب محفوف بالقلق يسود اليمن من تبعات وارتدادات انضمام الحوثيين للحرب في المنطقة، وإعادة التوترات مجدداً إلى البحر الأحمر بعد فترة قصيرة من التوقف؛ إذ كان البحر الأحمر حتى نهاية العام الماضي 2025، ساحة ملتهبة بعمليات الحوثيين لاستهداف السفن مساندةً للشعب الفلسطيني في غزة.
"ورقة ضغط" أخرى
يشير دخول الحوثيين الحرب في المرحلة المتأخرة وقيامهم بأول عملية لقصف إسرائيل بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بعد فترة من الترقب والتهديدات، إلى أن اليمن وباب المندب هو "ورقة ضغط" أخرى والأهم للرد على استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وتنفيذ أي عملية عسكرية لاحتلال جزيرة خارج.
ويشدد الخبير الجيولوجي اليمني المتخصص في النفط والغاز عبد الغني جغمان، في تصريح لـ "العربي الجديد"، على أهمية باب المندب الاستراتيجية؛ فهو ممر مهم للغاية للتجارة الدولية والمشتقات النفطية، ورغم أنه قد لا يكون بنفس أهمية مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 مليون برميل يومياً، مقابل 8 إلى 9 ملايين برميل تمر عبر باب المندب، إلّا أن أهميته تظل قائمة بل زادت كثيراً بعد إغلاق مضيق هرمز.
ويوضح جغمان أن اضطراب باب المندب خلال فترة تدخل الحوثيين في الحرب الإسرائيلية على غزة تسبب بشكل كبير في انخفاض حاد لمرور النفط إلى أقل من مليون برميل يومياً، كانت تحملها سفن صينية سُمح لها فقط بالمرور، حسب قوله، فيما توقفت شحنات الغاز المُسال تماماً؛ إذ اضطرت أغلب الشحنات التي كانت تأتي من قطر إلى المرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح.
لذا؛ كانت التجربة السابقة في إغلاق باب المندب فاعلة جداً ومؤثرة، وفق هذا الخبير الجيولوجي في النفط والغاز، إذ توقفت شحنات الغاز كلياً، ونحو 95% من شحنات النفط، مشيراً إلى أهميته أيضاً في النقل التجاري والشاحنات والحاويات لموقعه الاستراتيجي في ربط الشرق بالغرب.
ويرى جغمان أن ذلك سيكون له تبعات جسيمة على النقل التجاري بعد تأثر ناقلات النفط بسبب إغلاق هرمز، وسيؤدي إلى زيادة كبيرة في تكاليف نقل الشاحنات عبر رأس الرجاء الصالح تتراوح بين 30 و60 ألف دولار للشحنة أو الحاوية الواحدة.
ويصف جغمان دخول صنعاء الحرب بمثابة "القشة التي ستقصم ظهر البعير"؛ لأنه في حال إغلاق باب المندب بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، سيتسبب ذلك بكارثة اقتصادية وتجارية عالمية واسعة النطاق في ظل الارتفاع المتسارع في سعر النفط.
النيران تقترب من البحر الأحمر
يرجح خبراء اقتصاد وملاحة يمنيون أن دخول الحوثيين للحرب يعني عودة عملياتهم العسكرية ضد السفن المرتبطة بأطراف الصراع، بل قد يجري توسيع نطاقها هذه المرة بشكل خطير للغاية لتشمل موانئ البحر الأحمر التي تُستخدم الآن كبدائل لمضيق هرمز مثل ميناء ينبع السعودي، ما يجعل المنطقة بأكملها منطقة عمليات عسكرية.
ويقول خبير الملاحة وأستاذ علوم البحار بجامعة الحديدة، يحيى فلوس، لـ"العربي الجديد"، إن تمدّد الحرب مع دخول الحوثيين، في حال شمل ذلك كما هو متوقع إغلاق باب المندب، سيجعلنا أمام كارثة اقتصادية لم تشهدها المنطقة والعالم من قبل. فالبديل الوحيد، وهو رأس الرجاء الصالح، سيصبح مزدحماً جداً ولن يكون قادراً على تحمل كل هذا الضغط الناتج عن إغلاق ممرين رئيسيين في التجارة الدولية، وسترتفع بالتالي تكاليف الشحن بنسبة قد تصل إلى 300%.
لذا؛ فإن إغلاق الممرين معاً يعني عزل النفط والغاز الخليجي تماماً عن الأسواق العالمية، حسب هذا الخبير اليمني، ما قد يدفع أسعار النفط لأرقام فلكية تتجاوز 150 دولاراً للبرميل. ويبين أن العالم سيواجه كذلك تأخيرات حادة في وصول الإلكترونيات والمواد الخام من آسيا إلى أوروبا، ما سيعمق الركود التضخمي العالمي، لافتاً إلى أن دخول باب المندب في دائرة "الإغلاق" ضمن الأزمة العالمية الحالية سيؤدي إلى سيناريو يوصف بـ "الخنق المزدوج".
ويمثل باب المندب، مع تعطل "هرمز"، المخرج الأخير لنفط المنطقة عبر البحر الأحمر؛ فإغلاقه يعني فقدان السوق العالمي لأكثر من 25% من إمدادات النفط البحرية، ما قد يدفع الأسعار لتجاوز أرقام قياسية لن تقف عند حاجز 120 دولاراً للبرميل، حسب الخبير اليمني. ويوضح فلوس أن البحر الأحمر عبر باب المندب يُستخدم كمسار بديل لنقل النفط السعودي عبر "خط أنابيب شرق-غرب" في منطقة "ينبع" لتجنب التوترات في مضيق هرمز، وهو الأمر الذي جعل سلامة باب المندب حيوية لاستقرار أسعار الطاقة العالمية.
اقتصاد اليمن على صفيح ساخن
ستنعكس كل هذه التأثيرات والتبعات على اليمن بصورة أكبر؛ إذ تعتمد البلاد كلياً على استيراد احتياجاتها من الخارج، ولن تتوقف التبعات هذه المرة عند الجانب الاقتصادي والتجاري وسلاسل الإمداد، كما حدث في الفترة الماضية عند مساندة الحوثيين للشعب الفلسطيني في غزة التي تعرضت لحرب إبادة من إسرائيل، بل ستمتد إلى جوانب أخرى مع تحول اليمن المتوقع إلى ساحة صراع إقليمية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، محمد علي قحطان، لـ"العربي الجديد"، أن دخول الحوثيين الحرب، والذي قد يرافقه إغلاق باب المندب بعد إغلاق مضيق هرمز، سيكون له تبعات كارثية واسعة وخطيرة على اليمن ووضعها الاقتصادي والإنساني المنهار، الذي يعتمد أصلاً على المساعدات الخارجية.
كما ستكون التبعات كارثية على اليمن وفق يحيى فلوس؛ لأنّ أي تصعيد عسكري يعني عسكرة كاملة للسواحل اليمنية، ما يوقف أي نشاط اقتصادي محلي مثل الصيد أو التجارة البينية. إضافة إلى الخطر الصامت والأكبر الذي يغفل عنه الكثيرون، إذ يشير فلوس إلى أن استهداف ناقلات النفط أو الكيماويات بالقرب من باب المندب يعني احتمال حدوث تسرب نفطي كارثي. فهذا بالنسبة لليمن يعني تدمير الثروة السمكية والقضاء على أنظمة البيئات الحساسة مثل الشعاب المرجانية وغابات المانجروف والحشائش البحرية على طول ساحل تهامة، وهي خسارة لا يمكن تعويضها بمليارات الدولارات.
كما ستطاول الأضرار، وفق فلوس، موانئ المنطقة مثل عدن والحديدة وجدة، وتتوقف إيرادات قناة السويس المصرية على نحوٍ شبه كامل، إضافة إلى صعوبات وصول السلع الأساسية والمساعدات إلى اليمن، ما يفاقم الأزمة المعيشية داخلياً.
وحذرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في بيان نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ"، من التداعيات الخطيرة لما وصفته بـ "المغامرة غير المحسوبة" للحوثيين، وفي مقدمتها تعريض الأمن الوطني والأمن القومي لمخاطر جسيمة تهدّد سيادة البلاد ومقدرات الشعب اليمني، فضلاً عن مفاقمة الأوضاع الإنسانية والمعيشية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في بلد يعاني أصلاً من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

أخبار ذات صلة.
من يحكم القرار في طهران؟
العربي الجديد
منذ 39 دقيقة
مباشر: إسرائيل تشنّ غارات جديدة على طهران
france24
منذ 39 دقيقة