فتيل البحر الأحمر: كيف يهدد التدخل الحوثي المساند لإيران مفاصل الاقتصاد العالمي؟
أهلي
منذ يومين
مشاركة

 

يمن مونيتور/وحدة التقارير/ خاص:

دخلت المواجهة المحتدمة بين طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى مرحلة “كسر العظم” الاقتصادي، مع إعلان جماعة الحوثي في اليمن انخراطها المباشر في الصراع عبر استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية بالصواريخ الباليستية.

هذا التحول لا يضع الملاحة في البحر الأحمر أمام اختبار أمني عسير فحسب، بل يهدد بتفعيل “خيار الشمشوم” الذي قد يهدم ما تبقى من استقرار في سلاسل التوريد العالمية، خاصة بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، مما جعل من مضيق باب المندب المسار الأخير والوحيد المتبقي لتدفقات الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.

 

من “الصبر” إلى “الاشتباك” في الممرات الحيوية

يمثل الإعلان الحوثي الأخير عن تنفيذ عمليات عسكرية بالصواريخ الباليستية والمسيرات تحولاً نوعياً في بنية الصراع الإقليمي الذي يدخل شهره الثاني. فبعد فترة من الترقب، قررت الجماعة تفعيل جبهة جنوب البحر الأحمر، وهي خطوة يراها الخبراء استكمالاً لاستراتيجية “تعدد الساحات” التي تتبناها طهران لتخفيف الضغط العسكري عن جبهاتها الداخلية. هذا التصعيد لم يعد مجرد مناوشات محلية، بل بات تهديداً وجودياً للممرات المائية التي يعتمد عليها العالم في تأمين احتياجاته من الطاقة والبضائع.

وفي هذا السياق، ترى الدكتورة إليزابيث كيندال، خبيرة شؤون الشرق الأوسط ورئيسة كلية جيرتون بجامعة كامبريدج، أن توقيت هذا التدخل يحمل دلالات استراتيجية عميقة، حيث صرحت بأن “اختيار الحوثيين لهذا التوقيت للانخراط في الصراع يظهر ممارستهم لما يمكن وصفه بالصبر الاستراتيجي، قبل أن يقرروا إثبات قدرتهم على إطالة أمد المواجهة وتصعيدها في آن واحد”.

وتضيف كيندال أن هذا التحرك يشير بوضوح إلى أن إيران، التي تتعرض لضغوط هائلة، تريد إيصال رسالة حازمة لواشنطن بأن أوراق القوة والمناورة في الممرات الملاحية لا تزال بيد حلفائها.

إن تحول البحر الأحمر إلى ساحة اشتباك مباشر يضع القوى الكبرى أمام معضلة أمنية غير مسبوقة؛ فالمسارات التي كانت تُستخدم كبدائل آمنة للالتفاف على إغلاق مضيق هرمز باتت الآن تحت رحمة “الأصابع التي على الزناد”. هذا الواقع الجديد يفرض على شركات الشحن العالمية إعادة تقييم جدوى المرور عبر باب المندب، وهو ما قد يؤدي إلى شلل ملاحي تام يرفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات قياسية، ويعيد للأذهان فترات الاضطراب التي سبقت الهدنة اليمنية الهشة في عام 2022.

 

باب المندب: الشريان الأخير تحت مقصلة التهديد الحوثي

مع استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، برز مضيق باب المندب كطوق نجاة وحيد للاقتصاد العالمي، إلا أن دخول الحوثيين على خط الأزمة حول هذا الشريان إلى “نقطة خنق” استراتيجية بامتياز. يشير الخبراء إلى أن الحوثيين لا يستهدفون إسرائيل عسكرياً فحسب، بل يسعون لفرض واقع أمني جديد يعطل تدفق التجارة العالمية. هذا التكتيك يهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على القوى الغربية وحلفائها الإقليميين لإجبارهم على إعادة النظر في حسابات الحرب.

وتمر ناقلات النفط والغاز والتجارة العالمية عبر مضيق باب المندب حتى صباح الأحد؛ وتمكنت المملكة العربية السعودية من تجاوز مضيق هرمز بشحنه عبر الأنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر حيث تتجمع ناقلات النفط لنقل 7 ملايين برميل يومياً.

ويحذر فارع المسلمي، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد “تشاتام هاوس”، من العواقب الوخيمة لهذا التصعيد، مؤكداً أن “قرار الحوثيين بالانضمام إلى الصراع الإقليمي الواسع يمثل تصعيداً خطيراً ومقلقاً للغاية”. ويشير المسلمي إلى أن التأثير المحتمل على الطرق التجارية البحرية الحيوية، وتحديداً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، “لا يمكن المبالغة في تقديره، حيث تصبح البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية الحيوية في منطقة الخليج معرضة للخطر بشكل متزايد”.

هذا التهديد لا يقتصر على السفن المرتبطة بإسرائيل فحسب، بل يمتد ليشمل أي حركة ملاحية قد تعتبرها الجماعة “عدائية” أو تخدم أهداف التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. وبما أن نحو 15% من التجارة العالمية تمر عبر هذا الممر الضيق، فإن أي اضطراب فيه سيعني حتماً قفزات جنونية في أسعار المستهلكين عالمياً. إن “خيار الشمشوم” الذي يلوح به الحوثيون يعكس رغبة في تحويل الأزمة إلى معضلة عالمية لا تفرق بين خصم ومحايد، مما يضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

 

الاستنزاف العسكري وتحديات الردع الدولي

المحلل العسكري شون بيل يرى أن ما نشهده هو إحكام تدريجي لقبضة الخنق الإيرانية على الشرايين الملاحية الحيوية، موضحاً أن “إيران تستخدم الحوثيين كقوة ضاربة لتشديد القبضة على هذه المسارات البحرية، وهو ما يثبت قوتهم وتأثيرهم في الصراع الدائر”. ويؤكد بيل أن استهداف البنى التحتية العسكرية، مثل قاعدة الأمير سلطان، يهدف إلى شل “مضاعفات القوة” الأمريكية، مما يجعل التدخل العسكري الغربي في البحر الأحمر أكثر كلفة وأقل فاعلية في ظل وجود تهديدات صاروخية مستمرة من الساحل اليمني.

في المقابل، تتوعد إسرائيل بأن الحوثيين “سيدفعون الثمن”، وهو ما ينذر بجولة جديدة من العنف قد لا تقتصر على الهجمات الصاروخية المتبادلة. إن دخول الحوثيين الحرب هو بمثابة “فتيل” قد يشعل صراعاً إقليمياً أوسع يجر دول الخليج ودول أخرى للحرب والتي كانت تحاول البقاء على مسافة آمنة.

إن انخراط الحوثيين في الحرب الإيرانية-الإسرائيلية هو تحول استراتيجي يتجاوز حدود اليمن، ليصبح أداة ضغط اقتصادية إيرانية عالمية. ومع إحكام القبضة على باب المندب، يجد العالم نفسه أمام خيارين: إما التوصل إلى تسوية شاملة تنهي الصراع الإقليمي، أو مواجهة انهيار في منظومة التجارة العالمية لم يشهد له التاريخ المعاصر مثيلاً.

 

The post فتيل البحر الأحمر: كيف يهدد التدخل الحوثي المساند لإيران مفاصل الاقتصاد العالمي؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية