عربي
بينما تُنهي الحرب على إيران شهرها الأوّل من دون مؤشّرات واضحة حول نهايتها أو إلام تُفضي؛ تقف إيران أمام مرآة تاريخية قاسية، تُعيد إلى الأذهان مشهد الثمانينيات من القرن الماضي، حين كانت دولة الثورة الإسلامية الفتية تخوض حرب بقاء مع الجار العراقي. لم تكن الحرب التي استمرّت ثماني سنوات محض نزاع عسكري على الحدود، بقدر ما كانت مُختبراً أُعيدت فيه صياغة الدولة والمجتمع؛ حيث استثمر النظام الناشئ حالة الطوارئ الوجودية لتنفيذ أكبر عملية هندسة أيديولوجية في تاريخه الحديث، مُطهّراً مفاصل الدولة من بقايا العهد البهلوي والتيارات الليبرالية واليسارية التي شاركت في الثورة قبل أن تُبتلع. منحت الحرب الثورةَ شرعيةً مقدّسةً استُمدت من دماء "المستضعفين"، وحوّلتها من انتفاضة ناجحة إلى منظومة حكم صلبة، تتنفس من رئة المظلومية التاريخية و"الدفاع المقدس". واليوم، وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن، تجد طهران نفسها تخوض "الحرب الثانية" ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكن في سياق مُغاير تماماً؛ سياق يغيب فيه فائض المعنى الثوري، وتحلّ محلّه تساؤلات الوجود المادي، في ظلّ نظام استنفد كلّ وعوده الأيديولوجية، ولم تعد شعاراته تحتفظ ببريق البدايات، (نستذكر هنا انبهار فوكو بـ"الروحانية السياسية").
الحرب الأولى: صناعة دولة الأيديولوجيا
في الوقت الذي اعتقد فيه صدّام حسين أنّ الفرصة سانحة للانقضاض على إيران وهي في خضمّ عهدها الجديد طمعاً بتحقيق مكاسب داخلية وخارجية؛ بيّنت مُجريات الحرب أنّها كانت الوقود الذي أشعل لهيب المشاعر الوطنية في إيران، بالتوازي مع حالة النشوة الثورية التي كانت في أوجها. أتاحت الأجواء الملحمية للنظام إرساء دعائم "ولاية الفقيه" ضرورةً أمنيةً تمتزج بالروح العقائدية. أيضاً، تدشين الموت طقساً تأسيسياً، بدلاً من كونه فاجعة شخصية، مكّن النظام من بناء جيش من المتطوعين "الباسيج"، الذين رأوا في جبهات القتال محراباً للعبادة، لينجم عن ذلك عقد اجتماعي ضمني: الحماية والقداسة مقابل الطاعة والتقشّف. انتهت الحرب بصمود الجمهورية الوليدة، وسرعان ما وظّفته الثورة برهاناً إلهياً على صحة مسارها، ومنحتها تفويضاً مفتوحاً للاستمرار ثلاثة عقود تالية، بالاستناد إلى جيل "المضحّين" الذين تسنمّوا لاحقاً أعلى المناصب الأمنية والاقتصادية. وعلى الصعيد الخارجي، بلورت الحرب فكرة الدفاع المُتقدّم من وراء الحدود استراتيجيةً استباقيةً تمنع تكرار غزو الأرض الإيرانية.
الانكشاف العظيم: سقوط المصدات وفراغ القيادة الكاريزمية
في حرب 2026 الراهنة، تبدو الجمهورية الإسلامية في مرحلة انكسار استراتيجي غير مسبوق في تاريخها. فالنظام الذي بنى نفوذه على "تعدّد الجبهات" و"وحدة الساحات"، يجد نفسه اليوم وقد فقد أطرافه دفعة واحدة من جرّاء تصفيات مُتتالية لقياداته العليا في الهرم الأمني والدبلوماسي، ومدراء الشبكات الإقليمية، التي بلغت ذروتها باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. لا تمثّل الاغتيالات محض خسارة بشرية أو هزيمة رمزية ذات بُعدٍ نفسي فحسب؛ بل جسّدت انهياراً للهيكل المرجعي وفقداناً لذاكرته العمليّاتية التي كان تدير التوازنات المُعقّدة بين أجنحة النظام، ما قد يتسبّب في عجزه عن إعادة إنتاج نفسه في ظلّ حرب تكنولوجية واستخباراتية، أبانت عن فوارق هائلة بين قدرات إيران وأعدائها.
في اليوم التالي لسكوت البنادق، سيستيقظ الإيرانيون على واقع أشدّ مرارة
سبق هذا تلاشٍ للنفوذ الإقليمي، فخروج "حزب الله" من المعادلة في 2024، وإفلات سورية من قبضة طهران بهروب بشار الأسد نهاية العام نفسه، قد جرّدا إيران من عمقها الحيوي، وحوّلاها من إمبراطورية عابرة للحدود إلى جزيرة مُحاصرة، من دون أن يكون لديها هذه المرّة جار عدواني يرمي إليها طوق نجاة.
تصدّع الجبهة الداخلية: "الجوع" أيديولوجيا مضادة
إذا كانت حرب الثمانينيات قد صهرت المجتمع، فإنّ الحرب الحالية قد تفعل العكس: تفجّره من الداخل. يواجه النظام اليوم جيلاً جديداً لم يعش أيام الثورة، ولا تمثّل له شعارات "الشيطان الأكبر – نصرة المستضعفين" أيّ إلهام معرفي أو وجداني. يُضاف إلى ذلك أنّ علاقة النظام بشعبه ليست في أفضل أحوالها. فالاحتجاجات الشعبية التي دائماً ما تندلع في مناسبات مختلفة من جرّاء التضييق الأمني والتشدّد الديني، وتُقابل بقمع دموي أصبح السمة الثابتة للتعامل الأمني؛ خلقت هوّة شاسعة بين الدولة والمجتمع، مع الأخذ في الاعتبار بالطبع استمرار تمتّع النظام بحواضن شعبية قوية، قوامها الإيديولوجيا والكادر البيروقراطي الضخم. لكنّ أهم تحدٍّ وجودي للنظام يكمن في الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تجاوز حدود الضنك المعيشي، ليصل إلى حدّ العجز البنيوي، حيث يواجه الإيرانيون تضخّماً متوحّشاً، لا ينفك يلتهم ما تبقى من مدّخراتهم، مع بنية تحتية مُتهالكة من جرّاء العقوبات والاستنزاف العسكري.
فخلف شعارات "المقاومة والصمود"، يتكشّف واقع اقتصادي لا تقوى أيّ بروباغندا على تجميله. تُشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2025 إلى أنّ نسبة التضخم المتوقّعة في إيران تقترب من 44%، مع وصول تضخم السلع الغذائية إلى 58%. ووفقاً لتصريحات وزير العدل بداية العام نفسه، فإنّ أكثر من 12% من الإيرانيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر المطلق، وهو رقم مرعب لدولة تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم. أمّا الناتج المحلي الإجمالي، فقد سجّل انكماشاً بنسبة 3%، نتيجة تعطّل الصادرات النفطية واستهداف المنشآت الحيوية. يغذّي هذا الانهيار فساد مستشرٍ، حيث تضع منظمة الشفافية الدولية إيران في المركز 149 من أصل 180 دولة على مؤشّر مدركات الفساد، ما يعكس هيمنة "شركات الواجهة" التابعة للحرس الثوري على مقدرات البلاد. وبالتوازي مع هذا الانهيار، سجّل مرصد الهجرة الإيراني أرقاماً غير مسبوقة؛ إذ غادر البلاد في الفترة بين 2023 و2025 أكثر من 120 ألف مُتخصّص (أطباء، مهندسون، ومبرمجون)، حيث لم يعد الوطن يتسع إلا "للمخلصين الصامدين".
إيران اليوم لا تعيش مخاضاً لنظام جديد، بل تفسّخا لنظام قديم لا يبدو أنّ الظروف الداخلية والخارجية تسعفه
وما يزيد في استحالة تكرار "معجزة الالتحام" التي حدثت في الثمانينيات هو أنّ الجبهة الداخلية قد تشظّت بفعل القمع التراكمي. فمنذ "الحركة الخضراء" 2009، مروراً بـانتفاضات: يناير/ كانون ثاني 2018، نوفمبر/ تشرين ثاني 2019 التي سقط فيها نحو 1500 قتيل برصاص الحرس الثوري، وصولاً إلى انتفاضة مِهسا أميني 2022؛ تحوّل الصراع من سياسي إلى ما يشبه الوجودي. آخر هذه الانتفاضات وقعت قبيل اندلاع الحرب الحالية بأشهر قليلة؛ عندما شهدت البلاد ما عُرف بـ"انتفاضة الرغيف الكبرى". حيث خرجت الطبقات المسحوقة في سيستان وبلوشستان وخوزستان، وحتى في أحياء طهران الجنوبية، احتجاجاً على رفع الدعم الكلي عن السلع الأساسية وانهيار الريال أمام الدولار. تعامل النظام معها بقسوته المعهودة، فقد سجّلت منظمة العفو الدولية تنفيذ أكثر من 850 حكم إعدام في عام 2025 وحده بتهم "المحاربة" و"الإفساد في الأرض" شملت نشطاء ومتظاهرين (ما يذكّر بإعدامات الثورة بزعامة صادق خلخالي). هذه القسوة البالغة أكّدت أنّ دولة الثورة الإسلامية باتت في نظر قطاعات من جيل الشباب أشبه بقوّة احتلال داخلي، أكثر من كونها نظاماً سياسياً طبيعياً يمكن التفاوض معه.
الرهان الأخير: بقاء بيولوجي أم تحلّل بنيوي؟
في اليوم التالي لسكوت البنادق، سيستيقظ الإيرانيون على واقع أشدّ مرارة، فالحرب التي تُصوّر الآن على أنّها ملحمة ثانية ستجدّد شرعية النظام، قد ينجم عنها تدمير ما تبقى من سبل الحياة الكريمة. وهنا يطالعنا تساؤل: هل سيلتفّ الشعب حول النظام، مُتناسياً مشاكله إلى حين، خوفاً من "السيناريو العراقي/ السوري" وتفتّت المجتمع؟ لا وجود لمؤشّرات قوية لأيّ شيء حالياً، لكن يمكن الافتراض أنّ الخوف من الفوضى ربما يتآكل مُستقبلاً أمام اليقين بالموت البطيء، تحت حكم لم يعد يقدّم سوى حالة الحرب الدائمة، كما أنّ لحظة الضعف الأمني للنظام، وتخبّط أجهزته العليا، قد يشكّلان فرصة تاريخية لتغيير جذري، ما يجعل احتمالية عودة الانتفاضات بقوّة أكبر من سابق عهدها أمراً مرجّح الحدوث.
إنّ التفكير حول المكاسب التي يمكن أن يخرج بها النظام الإيراني من هذه الحرب لا يبدو ذا معنى؛ فالمكسب الوحيد المُتاح الآن هو البقاء في السلطة فوق ركام المؤسسات المُنهارة. "الولادة الثانية" التي يطمح إليها البعض، على غرار معجزة الثمانينيات، تصطدم بحقيقة أنّ النظام فقد روحه الثورية، وحيويته الفتيّة، ليتحوّل إلى جهاز بيروقراطي-عسكري يفتقر إلى الإجماع الشعبي. ستؤدي التصفيات البنيوية إلى صراع أجنحة داخل ما تبقى من الحرس الثوري، حيث ستتنازع الرؤى حول ثنائية الاستمرار في الصدام، أو الانكفاء إلى الداخل. وفي ظلّ هذه الفوضى، تبدو الارتدادات الاقتصادية والاجتماعية بمثابة القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في وجه أيّ قيادة قادمة. إيران اليوم لا تعيش مخاضاً لنظام جديد، بل تفسّخاً لنظام قديم لا يبدو أنّ الظروف الداخلية والخارجية تسعفه. فالشرعية التي تُبنى على الحرب في القرن العشرين لا يمكنها الصمود أمام استحقاقات الرفاه والحرية في القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت الحرب الأولى قد نفخت الروح في النظام، فإنّ الحرب الثانية قد لا تمنحه سوى حقّ الدفن اللائق، وسط أنقاض مشروع إقليمي تداعى كقصر من ورق، مُخلّفاً وراءه إرثاً ثقيلاً من الدم والدموع والعَرق.. بحسب تعبير تشرشل.
أخبار ذات صلة.
مهلة ترامب في حرب إيران... فرصة لإسرائيل؟
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة