مأرب تسبق العرب.. لماذا خرج اليمنيون أولًا في وجه الاعتداءات الإيرانية على الخليج؟
حزبي
منذ 3 ساعات
مشاركة

 

في تجسيد يعكس عمق الأخوة والمحبة، سبق اليمنيون غيرهم من الشعوب العربية والإسلامية في الوقوف عمليا مع السعودية ودول الخليج الأخرى بالإضافة إلى الأردن حيال ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية منذ قرابة الشهر، رغم أنها غير مشاركة في الحرب ضد طهران.

وقد اختار اليمنيون أن تكون وقفتهم الأولى في محافظة مأرب، قلعة الصمود التي تحطم على أسوارها مشروع الإمامة الزيدية الذي يمثله الحوثيون وطموحات داعمتهم إيران في إيجاد موطئ قدم على خاصرة السعودية الجنوبية، كما أن هذا الاختيار المكاني يعكس دلالة تاريخية؛ حيث موطن مملكة سبأ القديمة والتي كان لها دورا معروفا في مقاومة الوجود الفارسي في اليمن.

وكما احتضنت مأرب اليمنيين من مختلف توجهاتهم، فقد جمعت وقفتها الكبيرة يوم الجمعة مختلف فئات المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية في أول تحرك شعبي عربي واسع بهذا الشكل تضامنًا مع الخليج منذ بدء المواجهة المفتوحة الأخيرة مع إيران في رسائل متعددة لا تخطئها العين.

 

رسائل مأرب

 

ومن هذه الرسائل أن مأرب هي خزّان القبيلة وذاكرة الدولة ومفصل الطاقة وملاذ الجمهورية الأخير حين سقطت معظم المدن تباعًا في قبضة الحوثيين، ولذلك فإن أي موقف يخرج من مأرب يُقرأ بوصفه مؤشرًا على المزاج الجمهوري العربي في اليمن.

 

وهذا المعنى نفسه عبّر عنه الدكتور محمد جميح، الأكاديمي وسفير اليمن لدى اليونسكو، حين قال: "هاهي مأرب تخرج اليوم في حشود مهيبة، تضامنًا مع أشقائها في المملكة العربية السعودية، والدول العربية، ضد العدوان الإيراني الغادر. والذين طمعوا في تمر مأرب أكلوا غير ذلك.. عاقبة الغرور مذلة".

 

لم يكن هذا التوصيف من قبيل المبالغة، بل يعكس إدراكًا سياسيًا ورمزيًا لمكانة مأرب بوصفها مدينة لم تعد تُختزل في بعدها الجغرافي، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة تمثل، في المخيال اليمني، ما يشبه آخر قلاع المعنى الجمهوري في مواجهة المشروع الحوثي.

 

ومن هذا المنظور، حين اختار اليمنيون أولى خروجهم العلني للوقوف مع السعودية والخليج في وجه الاعتداءات الإيرانية، فإنما أرادوا أن التذكير بتعريف المعركة بأنها صراع بين مشروعين؛ مشروع عربي يريد بقاء الدولة الوطنية، ومشروع إيراني عابر للحدود لا يعيش إلا على تفكيك هذه الدولة من الداخل عبر الأذرع المسلحة.

 

تضامن من واقع الألم

 

وينطلق اليمنيون في تحركهم العروبي من واقع تجربتهم بأن إيران التي تسللت إلى بلدهم عبر جماعة عقائدية مسلحة ليست مجرد اسم في الجغرافيا السياسية، بل حقيقة يومية تمثلت في الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والتعبئة الطائفية، والحصار، وتفكيك الدولة، وابتلاع المدن، ومصادرة القرار الوطني.

 

ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع السعودية بمثابة نوع من التضامن الاستباقي القائم على الخبرة: اليمنيون يقولون للخليج، بصوت التجربة لا الخطابة، إن ما ذقناه نحن من هذا المشروع تعرفونه أنتم الآن في صور أخرى، وإن المعركة مع إيران لم تعد تخص بلدًا دون آخر.

 

ولهذا تحديدًا، جاءت كثير من ردود الفعل الخليجية والسعودية على وقفة مأرب محمّلة بلغة وجدانية عميقة، لأنها رأت في هذا المشهد ما هو أبعد من التضامن السياسي المباشر. فقد قال الدكتور عواض القرني، الأكاديمي والسياسي السعودي: "لنا في اليمن ورجاله الأبطال، سندٌ وعزوة"، ثم أضاف في وصفه لخروج أبناء مأرب ومن معهم من شرفاء اليمن: "هو موقف العظماء في كل العصور، وليس بغريب على رجال اليمن ومشائخ اليمن وعلماء اليمن الغيارى على أرض الحرمين الشريفين".

 

ويعكس هذا الانطباع كيف استُقبلت الرسالة اليمنية في الوجدان السعودي بوصفها موقفًا أخويًا أصيلًا صادرًا من مجتمع يعرف نفسه جيدًا ويعرف علاقته التاريخية بمن حوله.

 

أخوّة أعمق من السياسة

 

وهنا بالذات تتضح الطبيعة الأخوية العميقة لهذا الموقف، أي العلاقة بين اليمن والخليج – والسعودية خصوصًا – والتي ليست علاقة سياسية طارئة صنعتها التحالفات الحديثة فقط، بل هي علاقة تشكلت عبر قرون من التداخل البشري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني.

 

لا يمكن فهم وقفة مأرب دون استحضار هذه الخلفية، فهناك ملايين اليمنيين الذين ارتبطت حياتهم وذاكرتهم وأرزاقهم وامتداداتهم العائلية والاجتماعية بالخليج، وهناك وعي شعبي يمني راسخ يرى في السعودية عمقًا اجتماعيًا وجغرافيًا وأهليًا لا يمكن فصله عن المجال اليمني الأوسع.

 

وهذا ما يجعل صدى هذه الوقفة يتجاوز السعودية وحدها إلى المجال الخليجي الأوسع، بوصفه فضاءً من القرب التاريخي والوجداني لا مجرد تحالف سياسي عابر. وفي هذا الإطار، عبّر المهندس الكويتي خالد فارس عن هذا المعنى بوضوح حين قال: "من كويت العزة والشموخ… إلى مأرب الأبية، نُقدّر مشاعركم الصادقة، ونعتز بكل صوت حر شريف يقف مع الحق." ثم أضاف: "الكويت كانت وستبقى أرض سلام… لكنها أيضًا أرض لا تُمس، وشعبها لا يعرف إلا الشجاعة والكرامة والثبات. شكرًا لكم على وقفتكم النبيلة، فالأحرار يعرفون بعضهم".

 

وهذه اللغة، بما تحمله من تقدير متبادل واعتراف أخلاقي وسياسي، تعكس كيف فُهمت وقفة مأرب خليجيًا باعتبارها رسالة صادقة صادرة من مجتمع يعرف معنى الوقوف مع الأشقاء في اللحظات المفصلية، لا مجرد موقف إعلامي عابر.

ولعل هذا ما عبّر عنه عادل الأحمدي، رئيس مركز نشوان للدراسات، في صياغة كثيفة الدلالة حين قال: "اليمن والسعودية: صوت واحد ومشروع وقلب واحد." ثم أضاف: "هذا هو صوت اليمنيين جميعًا، ترجمته مأرب في مليونية صادقة النبض".

 

من زاوية أخرى، تحمل مأرب في هذا السياق معنى إضافيًا بالغ الأهمية؛ فهي ليست فقط مدينة احتضنت ملايين النازحين من مختلف المحافظات، ولا فقط الجبهة التي وقفت في وجه أشرس الهجمات الحوثية، بل أيضًا المدينة التي أعادت إنتاج فكرة اليمن الجمهوري في صورته الاجتماعية الأعرض: قبائل، مدنيون، نازحون، مؤسسات، مجتمع محلي، وذاكرة تاريخية، ولهذا فإن خروجها بهذه الصورة بدا كأنه استعادة لصوت اليمن الذي حاول الحوثيون مصادرته لسنوات باسم "الموقف من إسرائيل وأمريكا".

 

وفي هذا السياق، جاء تعليق المثقف السعودي سليمان العقيلي لافتًا حين قال: "اليمن أول دولة عربية تتضامن مع السعودية والخليج.. حيا الله أهل اليمن"، في دلالة سياسية ومعنوية في آن واحد تشير إلى أن اليمن، رغم أزمته الداخلية الثقيلة، ما زال قادرًا على إنتاج موقف عربي واضح، بل والمبادرة إليه، وهو ما يضفي على وقفة مأرب قيمة تتجاوز حدودها المحلية لتصبح جزءًا من مشهد إقليمي أوسع.

 

الرسالة الأهم

 

من الزاوية السياسية، يعيد هذا الموقف الذي عبّرت عنه مأرب التذكير بأن داخل اليمن نفسه مجتمعًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا يرى إيران باعتبارها أصل المشكلة لا عنوان الحل، ويرى في السعودية والخليج شريكًا طبيعيًا في مواجهة التهديد المشترك.

 

ومن هنا أيضًا يمكن فهم البعد الثقافي والقبلي والرمزي الذي التقطه المستشار والشاعر السعودي بندر الهاجري في أبياته التي خاطب فيها مأرب ورجالها قائلًا:

"يا ربعنا في سد مأرب عبيدة

يا أهل القنا والرمح نسل الضياغم

غيروا على الحوثي بدهمٍ فريدة

دهم الضياغم تجعل الراس راغم"

 

تكشف هذه اللغة عن كيفية تموضع مأرب في المخيال الخليجي بوصفها ليست فقط حليفًا سياسيًا، بل رمزًا للنجدة والقبيلة والوفاء والبأس، وهي معانٍ ما تزال حاضرة بقوة في البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة.

 

كما أن لهذه الوقفة بعدًا جيوسياسيًا لا ينبغي الاستهانة به، فمأرب تقع في قلب المعادلة اليمنية من حيث الطاقة والموقع والرمزية والقدرة على التأثير في خطوط الصراع، وهي، في الوقت نفسه، أقرب ما يكون إلى نقطة التماس بين اليمن الذي يريد البقاء دولة، واليمن الذي يراد له أن يصبح منصة إقليمية دائمة للمساومة والابتزاز.

وبالتالي حين تعلن مأرب تضامنها مع الخليج، فإنها تفعل ذلك من موقع الجبهة المتقدمة التي تدرك أن أمن الخليج وأمن اليمن لم يعودا ملفين منفصلين وأن ما يهدد الرياض أو أبوظبي أو الملاحة في البحر الأحمر اليوم، هو ذاته المشروع الذي هدد مأرب وصنعاء وعدن وتعز والحديدة بدرجات مختلفة خلال السنوات الماضية، وبالتالي، فإن هذا التضامن هو أيضًا إعلان وعي استراتيجي مبكر بأن المعركة واحدة، وإن تعددت ساحاتها.

 

وهذا ما يفسّر أيضًا التفاعل الشعبي الخليجي الذي لم يقتصر على النخب الأكاديمية أو السياسية، بل انسحب إلى تعبيرات اجتماعية مباشرة، كما في تعليق فهد العجمي الذي قال: "العربي الأصيل، ذو الشرف والمروءة والكرامة، تجده يقف بجانب أهله، دول خليجنا العربي والأردن، ضد الاعتداءات الإيرانية".

 

وثمة رسالة لا تقل أهمية بعثتها مأرب، وهي هشاشة الرهان الإيراني على "تطبيع" حضوره في الوعي العربي من خلال أذرعه، والذي وإن نجح في بناء مليشيات مسلحة، لكنه يفشل في خلق قبول اجتماعي حقيقي طويل الأمد لدى المجتمعات التي تلامس مشروعه عن قرب. وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا كانت مأرب، المدينة التي دفعت ثمنًا باهظًا في مواجهة الحوثيين والتي حاول الإيرانيون في السنوات الماضية "أن يفطروا بتمرها" ولم ينجحوا، من أوائل من يعلن هذا الاصطفاف الأخوي والسياسي مع الخليج.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية