عربي
هناك لحظة خفية في حياة الإنسان لا تُعلن عن نفسها، ولا تأتي بضجيج، لكنها تغيّر كلّ شيء بصمت، لحظة يتوقّف فيها عن أن يكون باحثًا، ويبدأ في أن يكون حارسًا. لا يحدث هذا فجأة، بل يتسلّل تدريجيًا، كما يتسلّل الخوف إلى الداخل من دون أن ننتبه. في البداية، يكون الإنسان مشدودًا إلى الأسئلة، قلقًا، مُتردّدًا، يحاول أن يفهم، أن يقترب، أن يلمس المعنى، ولو من بعيد. ثم، شيئًا فشيئًا، يتعب. يتعب من الشك، من الاحتمال، من اللايقين. فيبحث عن أرض صلبة يقف عليها، عن جواب يريحه، عن يقين يضع حدًا لهذا القلق الذي لا ينتهي. وهنا تبدأ القصة الحقيقية، ليست قصّة الإيمان، بل قصّة ما يحدث للإيمان حين يتحوّل من تجربة حيّة إلى نظام مُغلق.
لم تكن المشكلة يومًا في الدين ذاته، ولا في الإيمان بوصفه حاجة إنسانية عميقة، بل في تلك اللحظة التي قرّر فيها الإنسان، ربما من دون وعي كامل، أن يوقف السؤال. أن يستبدل الرحلة بالوصول، والبحث بالامتلاك، والقلق بالاطمئنان. في تلك اللحظة، لم يعد الدين أفقًا مفتوحًا على المعنى، بل أصبح إطارًا جاهزًا يقدّم نفسه حقيقةً مُكتملةً. ولم يعد الإنسان مُطالبًا بأن يفهم، بل بأن يلتزم. ولم يعد الشك مرحلة ضرورية في طريق المعرفة، بل خطرًا يجب تجنّبه، أو حتى القضاء عليه.
وهكذا، يحدث التحوّل الهادئ والعميق: من إيمان يُعاش إلى إيمان يُؤدّى، من علاقة داخلية متوتّرة مع المعنى إلى منظومة خارجية من التعليمات. يصبح الدين، الذي كان في أصله دعوة إلى التأمّل، أداةً لضبط السلوك. ويصبح الوعي، الذي كان من المُفترض أن ينفتح، محكومًا بخطوط حمراء غير مرئية، لكنها حاضرة في كلّ شيء: في طريقة التفكير، في حدود السؤال، في الجرأة على الشك، وحتى في الخوف من مجرّد التفكير في التفكير.
لا يُمنع الإنسان من التفكير، بل يُوجَّه تفكيره مسبقًا. يُسمح له أن يسأل، لكن داخل دائرة مرسومة بعناية
في هذا السياق، لا يُلغى العقل مباشرةً، بل يُعاد تشكيله. لا يُمنع الإنسان من التفكير، بل يُوجَّه تفكيره مسبقًا. يُسمح له بأن يسأل، لكن داخل دائرة مرسومة بعناية. أن يناقش، لكن من دون أن يقترب من الأسس. أن يستخدم عقله، لكن فقط لتأكيد ما هو قائم، لا لمُساءلته. وهنا يفقد العقل وظيفته الأساسية، لا لأنّه غاب، بل لأنه تحوّل، من أداة كشف إلى أداة تبرير، من قوّة تحرّر إلى آلية دفاع.
والأخطر من ذلك، أنّ هذا التحوّل لا يُقدَّم بوصفه قيدًا، بل بوصفه حماية. يُقال للإنسان إنّه في أمان، فقط لأنه توقّف عن الشك. إنّه مستقر، فقط لأنه تخلّى عن القلق. إنّه على الطريق الصحيح، فقط لأنه لم يعد يسأل. وهنا يبلغ الوهم ذروته: حين يصبح تعطيل التفكير شرطًا للطمأنينة، ويصبح الخوف من الحرية شكلًا من أشكال التديّن.
لكن أيّ طمأنينة هذه التي تقوم على إلغاء جزء أساسي من إنسانيتنا؟ أيّ يقين هذا الذي لا يتحمّل سؤالًا بسيطًا؟ وأيّ إيمان هذا الذي يحتاج إلى كلّ هذه الحواجز ليبقى قائمًا؟
يفقد العقل وظيفته الأساسية، لا لأنه غاب، بل لأنه تحوّل، من أداة كشف إلى أداة تبرير، من قوة تحرّر إلى آلية دفاع
قد تكمن المشكلة الأعمق في أننا لم نعد نميّز بين الإيمان والخوف، بين اليقين والفكرة التي لم تُختبر، بين الحقيقة وما اعتدنا أن نصدّقه. فالإيمان الحقيقي لا يولد من الهروب من الأسئلة، بل من القدرة على مواجهتها. لا يقوم على الحماية، بل على الفهم. لا يخاف من العقل، لأنّه يعرف أنّ العقل، في جوهره، ليس خصمًا، بل طريق آخر نحو المعنى.
إنّ الأفكار التي لا تمرّ عبر الشك، تظلّ دائمًا مُهدّدة، مهما بدت قوية. لأنّها لم تُبنَ من الداخل، بل وُضعت من الخارج. لم تنشأ من تجربة، بل من تكرار. ولهذا، فهي تحتاج دائمًا إلى من يحرسها، إلى من يدافع عنها، إلى من يمنع الآخرين من الاقتراب منها. وهنا، يتحوّل الإنسان، من دون أن يشعر، من كائن يبحث عن الحقيقة، إلى كائن يحرس فكرة.
والمفارقة المؤلمة، أنّ هذا الحارس يظنّ نفسه مؤمنًا، بينما هو في كثير من الأحيان لا يدافع عن الحقيقة، بل عن الصورة التي اعتادها. لا يحمي الإيمان، بل يحمي نفسه من القلق الذي قد يسبّبه التفكير. وهكذا، يصبح الخوف من السؤال ليس مجرّد موقف عابر، بل بنية كاملة، نمط حياة، طريقة في رؤية العالم.
الحرية هي الشرط الوحيد لأي معنى حقيقي
لكن، ماذا لو قلبنا الصورة؟ ماذا لو اعتبرنا أنّ السؤال ليس تهديدًا، بل بداية؟ أنّ الشك ليس ضعفًا، بل شجاعة؟ أنّ القلق ليس علامة ضياع، بل دليل حياة؟ ماذا لو فهمنا أنّ الحقيقة، إن كانت حقًا حقيقة، لا يمكن أن تنهار أمام سؤال، بل تتجلّى من خلاله؟
ربما آن الأوان لأن نُعيد التفكير في الطريقة التي نؤمن بها، لا في ما نؤمن به. أن نحرّر الإيمان من الخوف الذي علق به، وأن نعيد للعقل مكانته الطبيعية، لا باعتباره خصمًا، بل شريكًا. لأنّ الإنسان، في نهاية الأمر، لا يصبح أكثر إيمانًا حين يتوقّف عن التفكير، بل حين يفهم لماذا يؤمن.
هناك فرق دقيق، لكنّه حاسم، بين من يبحث عن إجابات ليهدأ، ومن يطرح الأسئلة ليقترب. الأوّل يريد نهاية، والثاني يعيش الطريق. الأول يخاف من الحرية لأنها تربكه، والثاني يدرك أنّ الحرية هي الشرط الوحيد لأيّ معنى حقيقي.
وفي هذا الفرق الصغير، الذي قد يبدو غير مهم، يتحدّد كلّ شيء: شكل وعينا، طبيعة إيماننا، ونوع الإنسان الذي نصبحه.
أخبار ذات صلة.
دمار الحربين يثقل كاهل الدولة اللبنانية
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق