مصر في عتمة قسرية: الحكومة تغلق المحال التجارية لمواجهة أزمة الطاقة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أحلك الأزمات في إدارة الطاقة خلال السنوات الأخيرة، تُسرّع الحكومة المصرية خطواتها نحو تطبيق نظام صارم لترشيد استهلاك الكهرباء، اعتبارًا من اليوم السبت، عبر الغلق المبكر للمحالّ والمراكز التجارية والصناعية عند الساعة التاسعة مساءً، في محاولة لاحتواء أزمة تتصاعد تحت ضغط كلفة المحروقات واضطرابات الإمدادات. وفي خطوة تهدف إلى حماية النشاط السياحي، وافقت الحكومة على استثناء المنشآت والمطاعم السياحية من قرار الإغلاق المبكر، وأكد وزير السياحة والآثار شريف فتحي استمرار العمل الطبيعي في المقاصد الرئيسية مثل الغردقة وشرم الشيخ والأقصر وأسوان، مع الحفاظ على مستويات الخدمة المعتادة. وأخطرت الحكومة أصحاب المشروعات بالقرار ظهر الأربعاء الذي يأتي بعد أيام من خفض إنارة الشوارع وإطفاء الإعلانات ليلاً، في عودة إلى سياسة "الترشيد القسري" التي طُبقت بحزم صيف 2024، فأثارت موجة اعتراضات واسعة، خاصة بين التجار وأصحاب الأنشطة التي تعتمد على العمل بالفترات المسائية. توقيت يضرب السوق داخل أحد المراكز التجارية الكبرى بالعاصمة القاهرة، يقف أسامة محمود (34 عامًا)، أمام متجره شبه الخالي، يراقب تعميم إدارة المركز للقرار الحكومي، قبيل ساعات من التنفيذ. يقول أسامة بحسرة: "شغلنا الحقيقي يبدأ قبيل حلول المساء، حيث يأتي الناس للتسوق ليلاً، خصوصًا مع اقتراب موسم الصيف، لكن هذا القرار يعني أن نصف يوم العمل قد جرى محوه تمامًا". يعمل محمود بنظام فترتين صباحية ومسائية لمدة 14 ساعة لتأمين الحد الأدنى من الدخل، يرى نفسه الآن أمام خيارين كلاهما مرّ؛ إما تقليص ساعات عمله وخسارة جزء كبير من دخله، أو ترك العمل المسائي بالكامل. في لقائه بـ"العربي الجديد"، يستعيد محمود مرارة تجربة سابقة قائلاً: "في 2024 حينما حصلت مشكلة نقص المحروقات وضعف توليد الكهرباء، كنا نغلق مبكرًا، وفي الوقت نفسه ظلت المقاهي في الشوارع مفتوحة. الناس الذين يتمنون العمل أُغلقت في وجوههم الأبواب، بينما المتعطلون والمتسيبون وجدوا أمامهم الفرصة كاملة لقضاء أوقاتهم دون رقابة صارمة نُفذت بالفعل على كافة المناطق الصناعية والتجارية". ويضيف محمود بمرارة: "نحن لا نطلب دعمًا، بل نرجوهم فقط أن يتركونا نشتغل". تشير تقديرات سوقية إلى أن الأنشطة التجارية تعتمد على الفترة من السابعة مساءً حتى منتصف الليل التي تشهد ذروة المبيعات. بحسب هذه التقديرات، فإن الغلق عند التاسعة مساءً قد يؤدي إلى فقدان ما بين 30% و50% من الإيرادات اليومية للمحال التجارية، وهو ما يضع آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة تحت ضغط مباشر ويعيد ملايين الشباب إلى دائرة البطالة. وتؤكد الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي لـ"العربي الجديد" أن تقليص ساعات العمل قد يؤدي إلى انخفاض دخول العاملين وزيادة البطالة وتراجع الحصيلة الضريبية، مشيرة إلى أن طبيعة الاستهلاك في مصر تعتمد على حركة التجارة المسائية، بما يعني أن تقليص النشاط مساءً قد يؤدي إلى ركود تجاري يعمق أزمة القطاع الصناعي غير النفطي الذي يدور في تلك الدائرة منذ سنوات. مع ذلك، لن يحقق هذا القرار أي وفر حقيقي في النفقات العامة، مبينة أن الترشيد الحقيقي يجب أن يبدأ من تقليل الإنفاق في القطاعات الحكومية والمشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وليس فقط تحميل القطاع الخاص والمواطنين عبء أزمة ليسوا مسؤولين عنها، لا سيما أن الحكومة رفعت أسعار المحروقات وفي سبيلها إلى زيادة أسعار الكهرباء في منتصف العام الجاري. استثناء السياحة في المقابل، تراهن الحكومة على خفض الاستهلاك في ساعات الذروة، في ظل قفزة حادة في كلفة استيراد الغاز، التي ارتفعت من نحو 650 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، وبلغت 20 مليار دولار سنويًا - وفق تقديرات مؤسسة الرئاسة - يُتوقع أن تتصاعد مع حلول فترة الصيف واستمرار الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران وامتداد تأثيرها على مصادر إنتاج الغاز والنفط بالخليج ودول المنطقة. يواجَه القرار بمعارضة كبيرة من التجار، اشتدت وتيرتها بين العاملين في القطاع السياحي بعد تقلص عدد السائحين القادمين لمنطقة الشرق الأوسط ومصر بنسب تصل إلى 15% ومرشحة للزيادة في حال استمرار الحرب. إلا أن الحكومة استثنت المنشآت والمطاعم السياحية من قرار الإغلاق المبكر. وقال مصدر في إحدى شركات السياحة الأوروبية لـ"العربي الجديد" إن "الطلب على زيارة مصر لا يزال قائما، لكنه أصبح أكثر حذرا من جانب الأفراد، مع زيادة الاستفسارات من قبل وكلاء السفر الخارجيين حول الأوضاع الأمنية وخطط الإخلاء" في حال تصاعد الحرب. ورغم استثناء الفنادق والمنشآت السياحية، فإن تأثير هذه الإجراءات يمتد بشكل غير مباشر، إذ يواجه السائحون تغييرات في نمط الحياة اليومية، مثل إغلاق المتاجر والمرافق العامة مبكرا، واحتمال حدوث انقطاعات محدودة للكهرباء. كما زادت رسوم تأشيرة الوصول إلى نحو 30 دولارا اعتبارا من 24 مارس/ آذار، لتصبح 30 دولارا بدلا من 25 دولارا للسائح، بما يضيف عبئا ماليا إضافيا على الزوار، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية بين الوجهات السياحية. ويقول الخبير السياحي عماد حمدي لـ"العربي الجديد" إن هذا الموسم يمثل "اختبارا حقيقيا" لقدرة مصر على الحفاظ على جاذبيتها السياحية في ظل الظروف الحالية، خاصة مع تزايد المنافسة من وجهات بديلة أقل توترا من الناحية الجيوسياسية. تحذيرات صناعية وأمنية يثير القرار مخاوف أمنية، ويقول البائع أسامة محمود إن "الظلام لا يؤثر فقط على كفاءة العمل، وإنما يثير الخوف في قلوب المستهلكين"، مشيرًا إلى أن ضعف الإضاءة في بعض المناطق سابقًا خلق شعورًا بعدم الأمان يدفعهم إلى تجنب الخروج والبقاء في منازلهم بمجرد انتهائهم من العمل أو الدراسة، مبينًا أن هذه المخاوف، وإن لم تُعلن إلا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تعكس جانبًا آخر من كلفة القرار تتجاوز الاقتصاد إلى الإحساس العام بعدم الاستقرار. على مستوى أوسع، حذر مصنعون من أن تقليص ساعات العمل قد يضر بقدرة مصر التنافسية، خاصة مقارنة بدول تواجه أزمة الطاقة نفسها لكنها اختارت مسارًا مختلفًا. وأشار عضو في اتحاد الصناعات المصرية، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن دولاً مثل تركيا والأردن، رغم اعتمادها الكبير على استيراد المحروقات وارتفاع كلفة الطاقة لديها، تتجه إلى تعويض ذلك بزيادة ساعات العمل والإنتاج والتصدير، بدلاً من تقليص النشاط، بما يضمن قدرتها على تدبير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد المحروقات، وتوفير الطاقة للقطاعات الصناعية والإنتاجية على مدار الساعة دون مخاوف من انقطاعات لا مبرر لها. يرى المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن استمرار القيود التي تفرضها الحكومة دون العودة لمسؤولي الغرف الصناعية والتجارية، قد يدفع بعض الصناعات إلى فقدان حصتها في الأسواق الإقليمية، في وقت تحتاج فيه البلاد بشدة إلى تعزيز الصادرات.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية