عربي
كشفت البرازيل، أول من أمس الأربعاء، عن أول مقاتلة أسرع من الصوت مصنّعة محلياً، في خطوةٍ لافتة باتجاه تعزيز صناعاتها الدفاعية، واستبدال أسطول البرازيل الهرم من المقاتلات الجوية، في وقت تستشعر فيه برازيليا بعهد الرئيس العمّالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بارتفاع منسوب التحديات الجيوسياسية في أميركا اللاتينية وحول العالم، وزيادة المخاطر الناجمة عن تصاعد الخطاب اليميني المتطرف في القارة الأميركية، فضلاً عن الخطاب الحربي الذي تنتهجه الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب، خصوصاً مع اعتماد الأخير نسخةً متجددة من مبدأ مونرو (1823)، الذي ترى الولايات المتحدة من خلاله أميركا اللاتينية امتدادا حيويا وغير قابل للمنافسة، بخدمة مصالحها الحيوية، فضلاً عن شنّه حرباً على إيران دون مسوغات قانونية.
صفقة البرازيل و"ساب"
وكشفت البرازيل، أول من أمس الأربعاء، عن أول طائرة مقاتلة أسرع من الصوت مصنعة محلياً، وهي طائرة أف 39 إي غريبين من مجموعة "ساب" السويدية، في غافياو بيكسوتو بولاية ساو باولو، وبحضور لولا. وقالت الرئاسة البرازيلية، إن هذا الإنتاج المحلي "غير مسبوق في أميركا اللاتينية". وأضاف وزير الدفاع البرازيلي خوسيه موسيو، خلال المراسم، أن "هذا المشروع يسمح لنا بتعزيز قوتنا الرادعة، وزيادة قدرتنا على ضمان السيادة الوطنية والأمن الإقليمي". أما نائب لولا، جيرالدو ألكمين، والذي يشغل أيضاً منصب وزير الصناعة والتجارة والخدمات والإنماء، فرأى، أن "من يملك التكنولوجيا، يملك المستقبل"، مشدداً على "دور الصناعات الدفاعية في صون السيادة الوطنية وقيادة التطوير الصناعي".
تنضم البرازيل إلى دول قليلة عدة، في تصنيع مقاتلات أسرع من الصوت
وفي المجموع، طلبت البرازيل 36 مقاتلة أسرع من الصوت من "ساب"، وسيتم تصنيع 15 منها في منشآت شركة "إمبراير" البرازيلية لصناعة الطائرات في غافياو بيكسوتو. وفضّلت برازيليا الطائرة السويدية على طائرة "رافال" من شركة "داسو" الفرنسية وعلى طائرة "أف إيه 18 سوبر هورنت" من "بوينغ" الأميركية، علماً أن الأقرب إلى مواصفات الطائرة البرزايلية، أميركياً، هي "أف 16 بلوك 72/70 فايبر"، من شركة "لوكهيد مارتن"، والتي تتميز بقدرة تغيير أدوار المهام الجوية، ويمكنها اكتشاف الأهداف التي يصعب العثور عليها في الوقت الحرج وتتبعها في جميع الظروف الجوية. وقد تمّ تجهيز الطائرة البرازيلية الجديدة، وهي مقاتلة من الجيل التالي مصممة للدفاع الجوي والاستطلاع ومهام الهجوم، بأنظمة استشعار واتصالات متطورة، وفق تقارير محلية.
وتعود الصفقة مع "ساب" إلى العام 2014، وكانت شابتها اتهامات بالفساد، حيث اتهم لولا بالحصول على مليون دولار لدعم حصول "ساب" على الصفقة، لكن تحقيقات في السويد والبرازيل أغلقت لعدم العثور على أدلّة تفيد بوجود أي شبهات فساد من قبل "ساب"، كما أغلقت القضية في البرازيل بحق لولا دون توجيه أي اتهام له.
وتقوم الصفقة على نقل التكنولوجيا لصناعة هذه المقاتلة، من "ساب" إلى البرازيل، وقالت الشركة السويدية في بيان، إنها تتوقع أن تستخدم هذا الخط الإنتاجي في أميركا اللاتينية، مركزا للتصدير، خصوصاً أن هناك اتفاقاً آخر وقّعته الشركة مع كولومبيا العام الماضي، لحصول بوغوتا على مقاتلات "غريبين". وقال الرئيس التنفيذي للشركة، ميكائيل جوهانسون، "إنها المرة الأولى التي يتم فيها تصنيع مقاتلات من الشركة خارج السويد". وعلى موقعها الإلكتروني، أشادت "ساب" بـ"قوة الشراكة المبنية على الثقة والرؤية بعيدة الأمد"، بينها وبين برازيليا. وبحسب بوسك ودا كوستا جونيور، رئيس شركة "إمبراير" البرازيلية لصناعة الطائرات، فإن المقاتلة المصّنعة محلياً "قادرة على إنجاز مهمات بتفوق جوي والمساهمة في الدفاع عن سيادة البلاد". علماً أن "إمبراير" البرازيلية تشهد زيادة الطلبات الدولية على طائرتها للنقل والشحن العسكري من طراز سي 390 ميلينيوم. وكان سلاح الجو البرازيلي كشف أن تصنيع المقاتلة السويدية محلياً، أمّن نحو ألفي وظيفة بشكل مباشر، و10 آلاف أخرى بشكل غير مباشر.
"إمبراير" البرازيلية تشهد زيادة الطلبات الدولية على طائرتها للنقل والشحن العسكري
وتقدّم البرازيل نفسها على أنها بلد مُسالم، وهو ما يشدّد عليه لولا في خطاباته الدولية، حيث يدعو على الدوام إلى الاستثمار "في السلام بدل الحرب". لكن المسائل الدفاعية أصبحت تمثل قضية أساسية أخيراً في البرازيل، نظراً إلى السياق الجيوسياسي المضطرب، ولا سيما منذ أن عزّزت إدارة ترامب حضورها العسكري في مياه الكاريبي، ثم شنّت عدواناً على فنزويلا قامت خلاله بخطف الرئيس السابق نيكولاس مادورو واقتادته إلى نيويورك للمحاكمة في يناير/كانون الثاني الماضي. وعدّ لولا ذلك، بمثابة ناقوس خطر، رغم العلاقة الفاترة بين برازيليا وكاراكاس، والتي سادت خلال حكم مادورو. ولاحقاً، جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لتؤكد بالنسبة للولا، الجنوح الحربي للبيت الأبيض، والذي بات يعدّ مؤشراً على التبدلات التي تطرأ على النظام الدولي، خصوصاً أن هذه الحرب اعتبرت غير قانونية حتى من قبل حلفاء الولايات المتحدة.
وتنضم البرازيل اليوم، مع إنجازها الجديد، إلى دول غربية، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، كما إلى اقتصادات كبرى نامية مثل روسيا والصين والهند، في تصنيع مقاتلات أسرع من الصوت. ويأتي ذلك مع محاولة الحكومة العمّالية، تحديث أسطولها العسكري، وتخصيص ميزانية أكبر لهذا الهدف، من ميزانية الدفاع، علماً أن البرازيل تعاني من الكلفة العالية المخصصة في هذه الميزانية، للطواقم والأفراد (رواتب ومعاشات تقاعد وغيرها)، والتي تزيد عن 60%، على حساب التصنيع. كما أن إدارة لولا، بحسب موقع "فالور إنترناشونال" البرازيلي في تقرير له نشر في 3 فبراير/شباط الماضي، تضم أجنحة أكثر أيديولوجية، لطالما قاومت تاريخياً توسعة تمويل القوات المسلحة، وذلك بسبب تحفظاتها حيال الجيش خصوصاً على خلفية إرث مرحلة الديكتاتورية العسكرية، ثم تورط بعض أعضاء المؤسسة العسكرية في محاولة انقلاب بعد فوز لولا في 2022.
ولكن بحسب الموقع، فإن هذا النمط من التفكير تبدّل مع زيادة الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول، وإثر اختطاف مادورو، وهو ما عدّ غير مسبوق في المنطقة. وإثر ذلك، طلب لولا تقييماً من وزارة الدفاع ومن الضباط في الخدمة، حول الاستثمار المطلوب لحماية الأراضي البرازيلية بما يتناسب مع حجمها وأهمية البرازيل الجيوسياسية والاقتصادية. ووفق الموقع، فإن الخشية تمتد أيضاً على المصالح النفطية، بعدما تعهدت شركة "بتروبراس"، عملاق النفط البرازيلي، بتسريع وتيرة التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية، فضلاً عن الخشية من مطامع خارجية تتعلّق بالمعادن الأرضية النادرة في البلاد. ويفسّر ذلك ترداد لولا التعبير عن خشيته من "اجتياح" للبلاد، رغم علاقة المهادنة التي أرساها مع ترامب، إثر عودة الأخير إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
