عربي
في 25 مارس الجاري منح الرئيس التونسي قيس سعيد بعدما زار مؤسسة الصيدلية المركزية إذن تأمين اعتمادات مالية للمؤسسة، كي تزود السوق بالأدوية بشكل دائم.
في صيدلية عمومية وسط العاصمة تونس تسأل امرأة خمسينية تحمل وصفة طبية عن دواء لمرض مزمن، فيأتي الرد الاعتيادي بأن هذا الدواء مقطوع وتغادر المكان بخيبة أمل وتبدأ برحلة بحث عن هذا الدواء في صيدليات أخرى أو بالتفكير في خيار آخر قد لا يمكن إيجاده.
لم يعد هذا المشهد استثناءً في تونس، بل تحوّل إلى جزء من يوميات آلاف المرضى في ظل تواصل أزمة نقص الأدوية التي طاولت خلال السنوات الأخيرة أصنافاً أساسية، من بينها أدوية أمراض مزمنة وسرطانية. لكن التعهدات الأخيرة للرئيس قيس سعيد بتمويل الصيدلية المركزية أعادت الأمل في إمكان حصول انفراج قريب، باعتبار أن المؤسسة العمومية هي الحلقة الأساسية في توريد الأدوية وتوزيعها، وأي اختلال في توازنها المالي ينعكس مباشرة على توفر الدواء في البلاد.
ويُعوّل على هذه التمويلات في فك الاختناق المالي الذي تعاني منه الصيدلية المركزية، وتسديد جزء من ديونها الكبيرة للمختبرات الأجنبية، واستئناف التوريد مجدداً بطريقة منتظمة، لكن الأمل يظل مشروطاً بمدى القدرة على تجاوز الأسباب العميقة للأزمة التي تطاول كل حلقات المنظومة الصحية وصندوق التأمين على المرض الذي يُنظر إليه بوصفه بنك الدواء للتونسيين.
وعلى مدار السنوات الماضية، عانى التونسيون من أزمات نقص الأدوية واختفائها وعودتها مرات. ويرى مهنيون في القطاع أن ما يحدث لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل نتيجة خلل هيكلي في منظومة الصحة، إذ تجد الصيدلية المركزية التونسية نفسها في قلب أزمة مالية خانقة بسبب تراكم ديونها من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تأخر استخلاص مستحقاتها لدى مستشفيات عمومية وصناديق التأمين، علماً أن المختبرات الدولية تعتمد على الدفع المسبق أو في آجال محددة، ما يجعل أي تأخير في التسديد يعطّل التزود بالأدوية.
يقول رئيس هيئة عمادة الصيادلة مصطفى العروسي لـ"العربي الجديد": "سيُعالج التعهد الرئاسي بضخ تمويلات فورية للصيدلية المركزية قسماً أساسياً من أزمة الدواء القائمة منذ سنوات، علماً أن الصيدلية المركزية تحتاج، باعتبارها المورد الحصري للدواء، إلى سيولة دائمة لتسديد فواتير المختبرات الأجنبية". ويؤكد أن "أزمة نقص الدواء ليست استثنائية في تونس، إذ تعاني منها دول عدة حول العالم في ظل نقص المواد الحيوية لصناعات الأدوية. وضخ الأموال، رغم ضرورته، يمثل حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بجوهرها بالطريقة المطبقة في تمويل المنظومة الصحية، بدءاً من الصناديق الاجتماعية، وعلى رأسها الصندوق الوطني للتأمين على المرض الذي يعاني بدوره من عجز، ما يؤدي إلى تأخير تسديد مستحقات المستشفيات، وبالتالي مستحقات الصيدلية المركزية".
ويُطالب مهنيون في قطاع الصحة في تونس السلطات المعنية بتنفيذ إصلاحات عميقة، من بينها إعادة هيكلة التمويل الصحي عبر إصلاح الصناديق الاجتماعية وضمان تدفق مالي مستقر داخل المنظومة يسمح بتفادي تراكم الديون الذي يتسبب في انقطاع الدواء.
ورغم أن تونس قطعت أشواطاً في تصنيع الأدوية الجنيسة، لكن تعزيز هذا الأمر مهم لتقليص التبعية للتوريد وتأمين جزء من السيادة الصحية، إذ يعتبر المصنعون أن الأسعار الحالية للأدوية الجنيسة لا تغطي الكلفة، ما يؤدي إلى سحب بعض الأدوية من السوق.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حذرت نقابات مسددي الخدمات الصحية من "مخاطر انهيار شامل للمنظومة الصحية في تونس، ما يتطلب دعوة سلطة الإشراف إلى الجلوس مع كل الهياكل المعنية في أقرب وقت لإيجاد حلول مستوجبة قبل فوات الأوان".
وقبل أشهر قدّر رئيس نقابة الصيادلة زبير قيقة عدد الأدوية المفقودة التي لا بديل لها في السوق المحلية بنحو 20، وتلك التي يشهد توزيعها اضطراباً كبيراً بنحو 69، وقال لـ"العربي الجديد": "أزمة الدواء في تونس نتيجة تراكمات تعود إلى أكثر من عشر سنوات بسبب تأخر السلطات في إصلاح منظومة تمويل الصحة بمختلف حلقاتها، ما راكم ديون الصيدلية المركزية لدى المزودين الأجانب وعطّل مواصلة الصناديق الاجتماعية وصندوق التأمين على المرض مهماتها في توفير التغطية الصحية".
وفي تونس، تُصرف الأدوية الخصوصية ومن بينها تلك الخاصة بمرض السرطان وأيضاً تلك باهظة الثمن التي تستوردها الصيدلية المركزية حصرياً عبر شبكة المصحات التابعة لصناديق الضمان الاجتماعي، في حين لا تتوفر سوى نسبة محدودة منها في الصيدليات لغير المنخرطين في الصناديق الاجتماعية.

أخبار ذات صلة.
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
الشرق الأوسط
منذ 29 دقيقة