عربي
ينهمك شبّان وشابات وأطفال بمدينة بعلبك شرقي لبنان في تجهيز الطعام والملابس والسلع الأساسية للنازحين والأسر الأكثر حاجة، رغم مخاطر القصف الإسرائيلي.
في قلب حربٍ إسرائيلية على لبنان تُدمِّر قرى وبلداتٍ منذ 2 مارس/آذار الجاري، وتهجِّر السكان، وتقتل مدنيين وأطفالاً وعائلات، يرتفع صوت المبادرات الإنسانية التي تُظهر تعاضد اللبنانيين وتكاتفهم في أشدّ اللحظات قتامةً، بحيث تفتح أبواب الأمل أمام الفئات الهشّة على وجه الخصوص، وسط ضعف قدرات الدولة والمؤسسات الرسمية على الاستجابة.
من مدينة بعلبك شرقي البلاد التي لم توفّرها الضربات الإسرائيلية، بل تُرتكب فيها المجازر، وتُدفع عائلاتٌ إلى ترك منازلها قسراً، يعمل شبّان وشابّات وحتى أطفال، بما يشبه خلية نحل من أجل تحضير وجبات الطعام وتجهيز الملابس والسلع الأساسية للنازحين والعاملين والعائلات الأكثر حاجة. يتنقّلون من دون تردّد لتأمين الأغراض وتوصيلها، رغم مخاطر القصف والاعتداءات والإنذارات الإسرائيلية، خصوصاً أنّ كثيراً منهم عاشوا سابقاً تجربة النزوح، ولا يريدون لغيرهم أن يذوقوا مرارتها.
حسين ياغي، رئيس جمعية "سايف سايد" التي تأسّست عام 2016، خصّص مطبخه لتحضير الطعام اليومي للأهالي الصامدين في أرضهم، وكذلك للنازحين وعناصر الدفاع المدني اللبناني وعمّال بلدية بعلبك. وقد سبق أن ساهم حسين بدعم أهالي المنطقة والفئات الأكثر هشاشة في مختلف الأزمات والظروف الصعبة، كما فعل خلال فترة جائحة "كوفيد - 19"، إذ حضّر حينذاك وجبات الطعام ووزّعها على المصابين الذين حُجروا في منازلهم. وواصل عمله الخيري خلال شهر رمضان وعيد الميلاد، وكذلك أثناء توسّع العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2024 والذي طاول حتى مطبخه، ما اضطرّه حينها إلى الانتقال نحو مدينة زحلة في محافظة البقاع (شرق)، وتوصيل الوجبات منها إلى بعلبك، قبل أن يعود لتشغيل مطبخه.
في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يشرح حسين أنّ جمعية "سايف سايد" تُعنى بحملات التوعية على الرصاص الطائش والسلاح المتفلّت، ويقول: "خلال الحرب الراهنة على لبنان نوزّع يومياً 300 وجبة غداء على عناصر الدفاع المدني وعمّال البلدية، والناس الصامدة في بيوتها، وعلى نازحين لجأوا أو قد يلجؤون إلى الكنيسة أو الحسينية ربطاً بالتطورات الأمنية وإنذارات الإخلاء الإسرائيلية، علماً أن الكميات التي نوزعها أقلّ ممّا كنّا نقدّمه في الحرب الماضية، فالجهات الداعمة قليلة، ولا سيّما في محافظة بعلبك - الهرمل".
ويتابع حسين: "هناك شحّ في المساعدات، لكننا نبذل كل جهدنا بمساعدة الخيّرين وأصحاب الأيادي البيضاء، لمواصلة هذا المشروع الذي يقف خلفه متطوّعون يعملون بكل إنسانية لتقديم الدعم اللازم. نوزّع الوجبات طيلة أيام الأسبوع، وكل يوم هناك وجبة مختلفة، إلى جانب تقديم الحلويات. كما نوزّع الملابس على مراكز الإيواء بمساعدة عددٍ من المتطوعين الذين يندفعون للعمل بكل قلبٍ كبير وروحٍ وطنية، رغم المخاطر وتحديات التنقل".
زينب محمد شمس، وهي ربّة منزل وأم لولدين، اختارت التطوّع في مطبخ "سايف سايد"، حيث تمضي ساعات طويلة في تحضير الوجبات وتنسيق العمل، لكنها في الوقت نفسه، تبذل كل جهدها للاهتمام بعائلتها وتدريس طفلَيها، فهي على حدّ تعبيرها "تقدّم الخير للناس، وتقوم بهذه الخطوة حبّاً منها للناس وللنازحين، هي التي عاشت شعور النزوح وتجربته، وتسعى بذلك للتخفيف من معاناته على الآخرين". زينب التي استقبلتنا بضحكة لم تفارق وجهها وبروحٍ متمسّكة بالحياة، دفعتنا حماستها إلى تذوّق المأكولات والحلويات التي افتُتحت في المطبخ حديثاً. بين جملة وأخرى، تؤكد الوالدة الثلاثينية أن لا شيء يجعلها تتردّد في الحضور، رغم كل المخاطر، "فما يكتبه ربّنا سيحصل"، كما تقول لـ"العربي الجديد"، و"بفضل الناس والمتبرّعين والمتطوّعين نتمكن من القيام بما نقوم به".
رافقتنا زينب إلى المكان المخصّص لتحضير الملابس وتوضيبها في بعلبك، قبل توزيعها على مراكز الإيواء، هناك حيث تقيم عائلة جعلت من إحدى غرف منزلها مكاناً للعمل التطوعي، يستقبل الشبان والشابات وحتى الأطفال، لتقديم يد المساعدة. ومن بين هؤلاء ملاك العوطة (20 عاماً) المتطوعة منذ العام 2021، والتي تُعرف بأنّها أول من يلبّي النداء في الظروف الصعبة، وتعمل بنفسها على الأرض، تتواصل مع التجار وأصحاب الأسواق والمحال من أجل جمع التبرعات، رغم كلّ التحديات والقصف الإسرائيلي.
وتقول ملاك لـ"العربي الجديد": "النازحون هم أهلنا وجيراننا ورفاقنا، وقد كنّا مثلهم، إذ نزحتُ في الحرب الماضية وذقتُ مرارتها، لذلك أشعر تماماً بما يعيشه كل نازح". وتضيف: "قرّرتُ هذه المرة البقاء، فهذه أرضنا وهؤلاء أهلنا، ويجب أن نقف إلى جانب بعضنا بعضاً، نحن أولاد بلد واحد ووطن واحد، ولن أتردد لحظة في المساعدة، لو كلّفني ذلك حياتي"، مشيرةً إلى أن المتطوّعين يأتون من مناطق مختلفة في البقاع رغم كل الصعوبات، ويعملون بكل نشاط وبشتّى الوسائل من أجل تأمين الملابس وتنظيفها وتوضيبها وتقسيمها، وتوزيعها على مراكز الإيواء.
وتشير ملاك إلى أن الدفعة الأولى وُزّعت على ثانوية دير الأحمر الرسمية (شمال غربي بعلبك)، وتضمنت أكثر من ثلاثة آلاف قطعة ملابس "وقد وُضّبت كل القطع ونُسّقت لتكون ملائمة ونظيفة، بعد أن حصلنا عليها من متبرّعين وأصحاب محال ألبسة جديدة ومستعملة". وتتابع: "أما الدفعة الثانية فكانت عبارة عن مبادرة فردية من المتطوّعين، حيث قصدنا سوق بعلبك، وتواصلنا مع تجار المنطقة ومحال الألبسة، والكثير من المحال الأخرى للحصول على مساعدات مثل ألعاب الأطفال والحليب والحفاضات والأدوية والمواد الغذائية وغيرها. كما أننا نقوم بتأمين الأدوية وتوزيع حصص غذائية، ونعمل على مبادرة لتأمين مادة المازوت للتدفئة، فالبرد قارس في المدينة، وعلينا أن نكون يداً بيد، ونساعد بعضنا بعضاً قدر الإمكان في هذه الظروف الصعبة".
وفي الغرفة التي تحوّلت إلى خزانة ملابس كبيرة، تقف خلية من المتطوّعين من أعمار مختلفة، يقومون بمهام التوضيب. من بينهم الطفلة مرام التي تبلغ من العمر 11 عاماً. تتنقل مرام في أرجاء المنزل، تعرض المساعدة على الجميع بكل فرح وحبّ، كأنها تلعب لعبتها المفضّلة، أو أنها تمضي وقتاً مع أصدقائها. تحاول التعويض عن "لا شيء" تفعله كما تقول لنا، منذ أن بدأت الحرب في 2 مارس وأقفلت معظم المدارس أبوابها أمام التعليم الحضوري. حتى إنّها حُرمت الاحتفال بعيد الفطر، فـ"كيف لي أن أحتفل وهناك ناس استشهدت؟"، وفق قولها.
وفي دردشةٍ معها، تُخبر مرام كيف أن "هذه المساعدات تمنح الفرح للكثيرين، ويكفي أن نُفرح قلب طفلٍ واحدٍ لم يعش أجواء العيد، حتى نكون سعداء"، مردّدةً "أنا بخير، وحياتي أكثر من جيدة الآن، لكن غيري في لبنان لا يعيش الشعور ذاته، هناك من استشهد وهناك من فقد بيته، ودُمّرت ممتلكاته، ومن يعيش في مدرسة أو نزح إلى مكانٍ آخر. هؤلاء، بمجرّد مساعدتهم أشعر كأنّني حققتُ نجاحاً كبيراً، خصوصاً أنّني نزحتُ في الحرب الماضية، والتجربة كانت صعبة".

أخبار ذات صلة.
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
الشرق الأوسط
منذ 29 دقيقة