عربي
أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بأنّ العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان لليوم السادس والعشرين، يعمد إلى تهجير ما معدّله 19 ألف طفل يومياً، علماً أنّ ما نسبته 20% من سكان لبنان هُجّروا في غضون ثلاثة أسابيع فقط. وإذ أشارت المنظمة إلى أنّ البنية التحتية في لبنان تتعرّض لـ"ضغوط هائلة"، أوضحت أنّ "الأطفال يدفعون الثمن الأكبر". وبالتزامن، حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أنّ لبنان يواجه خطراً حقيقياً بشأن وقوع "كارثة إنسانية"، ولا سيّما أنّ حدّة الصراع تتصاعد بوتيرة متسارعة.
يأتي ذلك، في حين أعلنت وزارة الصحة العامة اللبنانية، مساء اليوم الجمعة، في واحد من عواجل مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لها، أنّ آلة الحرب الإسرائيلية قتلت ثلاثة أطفال من بين ستّة مواطنين سقطوا في غارتَين شنّتهما المقاتلات الإسرائيلية على بلدة السكسكية التابعة لقضاء صيدا، جنوبي لبنان، فيما أصابة سبعة أطفال آخرين بجروح من بين 17 جريحاً. وبذلك تكون حصيلة الأطفال الشهداء قد ارتفعت إلى 125، مع العلم أنّ آخر بيانات الوزارة كانت قد أشارت في تقريرها الصادر بعد ظهر اليوم إلى 122 طفلاً شهيداً. أمّا عدد الجرحى من الأطفال فارتفع بالتالي إلى 410، بعدما كان 403 في تقرير الوزارة الأخير. يُذكر أنّ إجمالي عدد الشهداء، حتى بعد ظهر اليوم، بلغ 1.142 شهيداً و3.315 جريحاً.
في سياق متصل، كان ممثّل منظمة يونيسف في لبنان ماركولويجي كورسي قد لفت إلى أنّ "التكلفة الإنسانية لهذا التصعيد صادمة"، مشيراً إلى عدد الضحايا من الأطفال قبل تحديث الحصيلة. وأضاف أنّ "أولئك الذين نجوا من القصف يستيقظون على واقع إنساني رهيب"، وقال: "نحن نرى عائلات تفرّ بالملابس التي ترتديها فقط، وتضطرّ إلى التنقّل مرّات عدّة في غضون أيام مع إصدار أوامر تهجير متكرّرة".
وبيّن كورسي، في خلال مؤتمر صحافي عُقد في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف اليوم الخميس، أنّ أكثر من 370 ألف طفل أُجبروا على ترك منازلهم في لبنان، أي ما معدّله 19 ألف فتاة وفتى على أقلّ تقدير في كلّ يوم، أضاف أنّ "من أجل فهم حجم ذلك، فإنّه يعادل مئات الحافلات المدرسية المليئة بالأطفال الذين يفرّون للنجاة بحياتهم كلّ 24 ساعة".
An average of 19,000 children are displaced every day, as escalating violence uproots 20% of Lebanon’s population in just three weeks.
Lebanon’s infrastructure is under pressure, with children paying the highest price.
Humanitarian assistance is no longer enough, and what is… pic.twitter.com/3BSaFooKY3
— UNICEF Lebanon (@UNICEFLebanon) March 27, 2026
وأكد ممثّل منظمة يونيسف في لبنان أنّ سرعة النزوح وحجمه "صادمان"، ولا سيّما أنّ "نحو 20% من سكان لبنان نزوحوا في أقلّ من شهر واحد". وأضاف أنّ "أكثر من مليون شخص اقتلعوا من ديارهم، في الوقت الحالي، كثيرون منهم للمرّة الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة، في كلّ أنحاء البلاد"، وأكد أنّه "نزوح جماعي مفاجئ وفوضوي"، من شأنه أن "يمزّق العائلات ويؤدّي إلى تفريغ مجتمعات بأكملها، مع عواقب سوف يتردّد صداها لفترة طويلة بعد انحسار العنف".
وتحدّث كورسي عن "إرهاق ذهني وعاطفي لدى أطفال لبنان"، واصفاً الأمر بأنّه "مدمّر"، وشرح أنّه "قبل أن تُتاح لهم لحظة واحدة للتعافي من صدمة التصعيد السابق"، الذي وقع في سبتمبر/ أيلول 2024 وانتهى قبل 15 شهراً فقط من بدء العدوان الأخير في الثاني من مارس/ آذار الجاري، فإنّهم "يُقتلَعون (من بيئتهم) بعنف مرّة أخرى". وتؤدي هذه الدورة المتواصلة من القصف والتهجير إلى تفاقم ندوبهم النفسية بشدة، ما يؤدي إلى ترسيخ خوف عميق وتهدد بإيذاء عاطفي عميق وطويل الأمد.
وأخبر المسؤول الأممي، في خلال مؤتمره الصحافي، بأنّه التقى بفتاة تُدعى زينب، تبلغ من العمر 11 عاماً، في أحد مراكز الإيواء في بيروت، مشيراً إلى أنّها اضطرّت مع عائلتها إلى النزوح من ضاحية بيروت الجنوبية والتوجّه إلى المدرسة نفسها التي لجأت إليها قبل 18 شهراً. وتابع كورسي أنّ زينب "أخبرتني بأنّها لم تتخيّل قطّ أنّها سوف تعيش مثل هذه الأيام مرّة أخرى، وتنام إلى جانب أشخاص كثيرين من حولها، وتسمع أصوات القصف والتفجيرات في كلّ ليلة تقريباً"، وأكمل أنّ الصغيرة ترغب فقط في العودة إلى المنزل، وإلى المدرسة، وإلى حياتها الطبيعية.
Mahdi and Mohamad were not expecting to meet again.
After the 2024 ceasefire, they returned to their villages and tried to move on with their lives.
But displacement brought them back together,
in a place no child should ever have to be.
For thousands of children in #Lebanon,… pic.twitter.com/z6mj42Xr9D
— UNICEF Lebanon (@UNICEFLebanon) March 27, 2026
وأوضح ممثّل منظمة يونيسف في لبنان أنّ الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال من أجل البقاء على قيد الحياة، وكذلك التي تُعَدّ حيوية من أجل مستقبلهم، صارت معطّلة. أضاف أنّ في مناطق مثل محافظتَي البقاع وبعلبك-الهرمل شرقي البلاد، أدّى القصف إلى تدمير خزانات المياه الحيوية ومحطات الضخّ، ما تسبّب في قطع المياه الصالحة للشرب عن عشرات آلاف الأشخاص. وإلى جانب ذلك، مع تحوّل نحو 435 مدرسة رسمية إلى مراكز إيواء للنازحين، توقّف تعليم أكثر من 115 ألف تلميذ فجأة.
وتابع كورسي أنّ "في الوقت نفسه، تتعرّض البنى التحتية المدنية الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجسور وشبكات المياه والصرف الصحي، التي يعتمد عليها الأطفال لمواصلة حياتهم، للهجوم والتخريب أو التدمير باستمرار".
وفي حين شدّد المسؤول الأممي على أنّ "يونيسف حاضرة على الأرض"، لتوفير الدعم لأطفال لبنان المتضرّرين، سواء كانوا في حالة نزوح متنقّل أو في مراكز الإيواء أو في مناطق يصعب الوصول إليها، رأى أنّ "المساعدات الإنسانية وحدها لا تستطيع حلّ الأزمة القائمة"، وشرح أنّ "قدرتنا على الاستجابة لحالات الطوارئ ضعفت بشدّة بسبب الهجمات المتكرّرة على المسعفين والعاملين الصحيين"، في حين أنّ "آلاف العائلات ما زالت معزولة في المناطق التي يصعب الوصول إليها، بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة ونقص وسائل النقل".
وحذّر ممثّل منظمة يونيسف في لبنان من أنّ ظروف النازحين المعيشية التي تزداد سوءاً، اليوم. وفيما أشار كورسي إلى لجوء أكثر من 135 ألفاً من هؤلاء إلى أكثر من 660 مركز إيواء جماعي رسمي، كثيرين منهم أطفال، بيّن أنّ عائلات نازحة كثيرة تتّجه إلى أماكن غير رسمية مكتظّة وغير آمنة، بما في ذلك مبانٍ لم ينتهِ إنشاؤها، وأماكن عامة، وحتى مركبات. ويكمل أنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان وبنيته التحتية الضعيفة كانتا تحدّان، بالأساس، من قدرة البلاد على تلبية الاحتياجات الأساسية لسكانها، واليوم تنهار هذه البنية التحتية تحت وطأة الضغوط المستجدّة.
واستناداً إلى العرض الذي قدّمه، أكد كورسي أنّ "الأطفال يدفعون الثمن الباهظ لهذا النزاع"، ودعا إلى "إيصال المساعدات الإنسانية من دون عوائق إلى جميع المحتاجين، بصورة عاجلة". كذلك دعا إلى "وقف فوري للهجمات على البنى التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات وشبكات المياه"، من دون أن يسمّي الجهة التي ترتكب ذلك؛ إسرائيل. وأكمل كورسي أنّ "الأطفال النازحين، البالغ عددهم 370 ألف طفل، يحتاجون قبل كلّ شيء إلى وقف فوري لإطلاق النار"، مشدّداً على أنّهم "في حاجة إلى التوقّف عن الهرب (النزوح القسري) والبدء بالعيش مثلما ينبغي أن يعيش الأطفال".
بدورها، أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأنّ الأطفال يمثّلون ثلث إجمالي نازحي لبنان الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية، والذين تخطّى عددهم المليون، وشدّدت على أنّ هؤلاء الصغار، الذين أُجبروا على النزوح هرباً من الغارات الإسرائيلية المتواصلة ومن أوامر الإخلاء التي يصدرها جيش الاحتلال "يستحقّون أكثر من مجرّد البقاء على قيد الحياة" أو "النجاة". أضافت: "إنّهم يستحقّون طفولة"، ببساطة.
More than 1 million people are now displaced in Lebanon, fleeing continued Israeli strikes and evacuation warnings.
1/3 are children.
They deserve more than survival.
They deserve a childhood. pic.twitter.com/Rso20PmzZI
— UNHCR, the UN Refugee Agency (@Refugees) March 27, 2026
ويمضي الاحتلال في استهداف الأطفال أينما وُجدوا، منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي استمرّت لأكثر من عامَين ابتداءً من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي وُصفت بأنّها "حرب على الأطفال"، وقد حذّر أكثر من مسؤول أممي أخيراً من أنّ إسرائيل تلجأ في خلال عدوانها على لبنان إلى النسق نفسه الذي سبق أن اعتمدته في خلال عدوانها على غزة، وذلك في أكثر من ناحية.
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، راحت منظمة يونيسف تندّد بالواقع الذي يعيشه أطفاله، ولا سيّما أنّ "الحرب تسلبهم سلامتهم وطفولتهم ودفء منازلهم"، مشدّدةً على أنّه "لا ينبغي لأيّ طفل أن يعيش حياة مماثلة". وإلى جانب ما تقدّمه من دعم على الأرض ومساعدات باختلاف أنواعها، تحاول المنظمة مواكبة الأهل للإحاطة بصغارهم. في هذا السياق، تنشر إرشادات، عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، من شأنها أن تشرح لهؤلاء كيفية تهدئة الأطفال وطمأنتهم ومساعدتهم لمواجهة مخاوفهم وقلقهم، وسط القصف والأصوات المخيفة والمقلقة الصادرة عن الغارات وجدار الصوت والمسيّرات وما إليها، على سبيل المثال.
