عربي
دخلت أزمة مرشح رئاسة الوزراء في العراق شهرها الخامس منذ إجراء الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بسبب تمسّك نوري المالكي بترشيحه الذي منحه إياه تحالف قوى "الإطار التنسيقي" الحاكم في البلاد، وما أعقبه من رفض أميركي والتلويح بعقوبات على العراق. وفي سياق التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تراجعت أطراف جديدة في "الإطار التنسيقي" عن خيار التمسك بالمالكي.
وخلال الشهرين الماضيين، مارست قوى سياسية شيعية أكثر من سلوك سياسي وإعلامي لقطع الطريق أمام المالكي وتغيير وجهة نظر الأحزاب المؤيدة له في هذا الترشيح، وهي "تيار الحكمة" بزعامة عمار الحكيم، وحركة "صادقون" بزعامة قيس الخزعلي، إلا أنّ مصادر سياسية أفادت "العربي الجديد"، اليوم الجمعة، بأنّ غالبية القوى الشيعية باتت تدرك أهمية سحب ترشيح المالكي من مهمة رئاسة الحكومة منعاً لتصعيد لا ينقص بغداد حالياً مع الولايات المتحدة.
وأضافت المصادر، وهي قريبة من تحالف "الإطار التنسيقي"، أنّ "التطورات الجديدة على المستوى الأمني في المنطقة، وعدم التوصل إلى حل لأزمة رئاستي الجمهورية والوزراء في العراق، دفعت غالبية الأحزاب العراقية، وتحديداً الشيعية، إلى إعادة تموضعها من جديد، ورسم خيارات سياسية تنسجم مع الحالة الجديدة التي ستعيشها المنطقة"، مؤكدة أن غالبية قوى "الإطار التنسيقي" باتت أمام خيار واحد وهو تغيير المالكي، وهذا الخيار نابع من قناعة بأن المالكي يمثل تحدياً للعراق ولدول الجوار والدول الصديقة للعراق، وأن هذا التوجه تدعمه القوى السياسية الموالية لإيران أيضاً.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، كتب ترامب عبر منصته "تروث سوشال": "في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة، غرق البلد في الفقر والفوضى العارمة. يجب ألّا يتكرر ذلك... بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا جرى انتخابه، فإن الولايات المتحدة لن تقدم مستقبلاً أي مساعدة للعراق". وسبقت هذه التدوينة تعليقات لزعماء سياسيين عراقيين، منهم عمار الحكيم وقيس الخزعلي ومحمد الحلبوسي، كانت تدعو كلها إلى عزل المالكي وإبعاده.
لكن المالكي أعلن تمسكه بالترشح لمنصب رئيس الحكومة، وقال في مقابلة مع وكالة فرانس برس إنه لن يسحب ترشحه لرئاسة الحكومة المقبلة، رغم معارضة واشنطن الخطوة. وأكمل: "لا نية عندي بالانسحاب أبداً، لأن لي احترامي للدولة التي أنتمي إليها ولسيادتها وإرادتها، وليس من حق أحد أن يقول لا تنتخبوا فلاناً وانتخبوا فلاناً"، وأضاف: "اتُّفق على هذا الترشيح، لذلك احتراماً للموقع لا أنسحب، وقلتها في تصريحات كثيرة إنه لا انسحاب وإلى النهاية".
وفي هذا السياق، قال عضو المكتب السياسي لحركة "صادقون" (الممثل السياسي لفصيل عصائب أهل الحق)، حسين الشيحاني إن "قوى تحالف الإطار التنسيقي مكونة من 12 جهة سياسية، وحين جرى ترشيح المالكي رفضته جهتان، وهي تيار الحكمة وحركة صادقون، إلا أن الوضع اختلف حالياً، وباتت في الإطار التنسيقي تسع جهات سياسية ترفض المالكي وثلاث جهات فقط تؤيد ترشيحه"، مبيناً في حديث لـ"العربي الجديد" أن "المرشحين لمنصب رئيس الوزراء كانوا ضمن قائمة تحتوي على تسعة أسماء، وآخرهم كان المالكي، بالتالي فإن الإطار التنسيقي قد يعود لدراسة ثمانية أسماء فقط بعد التخلي عن نوري المالكي لضرورات وطنية ومصالح عليا".
لكن القيادي في ائتلاف دولة القانون (الذي يتزعمه نوري المالكي)، جاسم محمد نفى وجود أي توجه لانسحاب المالكي من الترشح لرئاسة الحكومة، معتبراً في تصريحات صحافية أن حظوظ المالكي لتسلم منصب رئيس الحكومة العراقية للمرحلة المقبلة ما زالت "قوية". ورغم ذلك، فإن آخر اجتماع لتحالف "الإطار التنسيقي" جرى أول أمس الأربعاء، وكان من المفترض الإعلان عن سحب ترشيح نوري المالكي، الذي لم يحضر الاجتماع، إلا أن التطورات الأخيرة التي حصلت على المستوى الأمني وقصف مقرات "الحشد الشعبي" والجيش العراقي دفعت باتجاه اختيار موعد آخر لحسم أزمة المالكي، بحسب مصادر سياسية أفادت بذلك لـ"العربي الجديد".
وقالت إن "تحالف الإطار التنسيقي منسجم ولا توجد أي خلافات بين أطرافه، إلا في ما يتعلق بترشيح المالكي، فأغلبية أطراف الإطار التي كانت داعمة للترشيح يبدو أنها تراجعت عن اختيارها". ووفق المصادر، فإن "الأزمة السياسية بشأن المالكي تبدو جادة بين أطرافه، لدرجة أن زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم لوّح بالانسحاب من الإطار في حال استمرت بعض القوى الشيعية بدعم المالكي"، مؤكدة أن "الاجتماع الأخير كان من المفترض أن يكون حاسماً بهذا الموضوع، إلا أنه لم يناقش الملف".
بدوره، أشار الباحث في الشأن السياسي بالعراق عبد الله الركابي إلى أن "اختيار المالكي منذ البداية كان قراراً خاطئاً، وكان على الإطار التنسيقي اختيار شخصية لا تغضب الأميركيين ولا تزعج الحكومات في الخليج العربي وتركيا والسلطة الجديدة في سورية، بالتالي فإن منصب رئيس الحكومة العراقية لا يعني شأناً داخلياً، بل له انعكاسات كثيرة على شكل العلاقات الخارجية، ناهيك عن رسم السياسات المالية والاقتصادية"، لافتاً في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "المالكي لم يحضر الاجتماع الأخير للإطار التنسيقي، ما يعني أنّ العلاقات قد ساءت إلى حدّ معين، في حين أنّ دائرة الدعم للمالكي تضيق بشكل مستمر، خصوصاً مع ولادة وعي سياسي جديد رسمه (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب بالقوة للقوى السياسية العراقية حول شكل الوضع العام للمنطقة خلال المرحلة المقبلة".
