عربي
في إطار العملية الأميركية لوضع فروع جماعة الإخوان المسلمين في قائمة الإرهاب الدولي، صدر قرار بتصنيف الفرع السوداني للجماعة، في 9 مارس/ آذار الجاري، كياناً إرهابياً عالمياً، أُضيف فيه العامل الإيراني سبباً مُحفّزاً على الجرائم الإرهابية. وهنا، تأتي أهمية تناول سياقات صدور القرار الأميركي في زمن الحرب واتجاهات تأثيره، خصوصاً ما يرتبط بمسار العقوبات الأميركية تجاه السودان وتداخل الحركة الإسلامية والسلطة.
على نحو غير تقليدي، قام القرار الأميركي على مبرّرَين: الأول، المشاركة في الحرب الأهلية عبر استخدام كتيبة البراء بن مالك "العنفَ المفرطَ" ضدّ المدنيين بشكل ساهم في تقويض جهود حلّ النزاع في السودان بارتكاب "عمليات إعدام جماعية بحقّ المدنيين"، الثاني، ترويج الجماعة أيديولوجيا "الجهاد" وممارسة العنف والعمل ذراعاً للاستراتيجية الإيرانية ضمن برامج الحرس الثوري لتأهيل الشبكات الإسلامية وتدريبها. وهنا، يكتسب وضع الحركة السودانية تحت تصنيف "خاص" سِمةً إضافيةً ترتبط بتهديد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، تُقدَّم فيه جماعةُ الإخوان المسلمين نشاطاً فرعياً للسياسة الإيرانية. ويعكس المعياران جانباً من توظيف الولايات المتحدة صراعاتها الخارجية في تصنيف خصومها، فبينما ربطت تصنيف مصر والأردن ولبنان بمساندة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، فقد اتهمت الفرع السوداني بالارتباط سياسياً وعسكرياً مع إيران، لتعكس عملية مُركّبة تربط ما بين المُجريات في الساحة السودانية وحرب الخليج الجارية بشكل يُمهّد لتوسيع إدراج فروع أخرى تحت تصنيف التعاطف مع النظام الإيراني، إذ بدا الهدف الأميركي متمثّلاً في منع أنشطة إيران الإقليمية من تكوين ملاذ آمن للإسلاميين في السودان.
بشكل عام، لا يُعد هذا التوجّه الأول تجاه السودان، إذ يتناسق قرار وزارة الخارجية مع سياق طويل من العقوبات الأميركية على نظام الجبهة الإسلامية للإنقاذ/ المؤتمر الوطني، بدأ مع "قانون سلام السودان" 2005، ثم قرارات مجلس الأمن الخاصّة بانتهاكات دارفور، وأخيراً، خلال النزاع الراهن، فُرضت عقوبات على الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، علي كرتي، وعلى قوات الدعم السريع، في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ولاحقاً، صنّف الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر/ أيلول 2025 "البراء بن مالك" ذراعاً مُسلّحاً للجماعة.
وفي إطار التضامن المتبادل، اعتبرت السياسةُ الأميركية قرارَ اللجنة الرباعية ووزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات على "البراء بن مالك" ووزير المالية جبريل إبراهيم، بتصنيف "الإخوان" منظّمةً متطرّفة، في مرحلة تمهيدية لوضعها على قوائم الإرهاب العالمي، وذلك استناداً إلى تقييم "الرباعية" بأنّ الجماعة أحالت السودان ساحةً للأنشطة الإرهابية.
وإزاء صدور القرار الأميركي، وقعت استجابة السودانيين ما بين التحفّظ والترحيب. فمن ناحيتها، أبدت الحكومة السودانية، في 10 مارس الجاري، موقفاً عاماً لرفض كلّ صور الإرهاب والعنف من دون الإشارة إلى حركة الإخوان المسلمين، بل شرحت موقفها بضرورة تعميم السياسة الأميركية ضدّ كل الجماعات المُرتكِبة للجرائم ضدّ الإنسانية، وطالبت بالاستجابة إلى دعوات تصنيف "الدعم السريع" منظّمةً إرهابية لارتكابها جرائم الحرب والإبادة الجماعية في العديد من المدن، ليبدو الموقف الرسمي صيغة مقايضة ومبادلة على أرضية تحفظ الحدّ الأدنى من التقارب مع الإسلاميين.
بشكل عام، يتقارب بيان الخارجية مع قرار القائد العام للجيش عبد الفتّاح البرهان بتعيين مستشارين منتمين إلى المؤتمر الوطني، مع تناول الحركة الإسلامية والمؤتمر قرار الخارجية الأميركية، إذ يشتركان في أنه لا يوجد إطار شكلي أو موضوعي لطلب الولايات المتحدة وضع "الإخوان" في قائمة الإرهاب، سواء بالقول إنه لا توجد حركة تحت اسم "الإخوان" أو أنه يستهدف الحكومة لحساب "الدعم السريع"، وهي مساحة تسمح برغبة مشتركة لبقاء تضافر الحاضنة الاجتماعية والسياسية في دعم التداخل بين الجيش والحركة الإسلامية.
تصنيف "الإخوان" لا يخلو من إثارة الصراع بين المكوّنات المدنية والعسكرية، خصوصاً في ظلّ تفكّك (وغياب) السلطة القادرة على تطبيق القانون أو فرض الأمر الواقع
على مدى مرحلة حكم جبهة الإنقاذ/ المؤتمر الوطني، ظلّ النظام السياسي في السودان عاجزاً عن توفير حاضنة اجتماعية بديلة من الحركة الإسلامية. فعلى الرغم من انقسامات الجماعة وأحزابها، بقيت الحليف القريب من دائرة السلطة حتى مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر (2018). وتشير خريطة الانقسامات إلى بقاء الإسلاميين في الضفة الأخرى من أحزاب اليسار والقوى الاجتماعية، فلم تؤدّ الخلافات إلى تغيير الأيديولوجيا أو التحلّل من شبكات الإسلاميين الدولية، فقد احتفظت مشتقّات حركة الإخوان المسلمين السودانية بالروابط التنظيمية والسياسية مع نظرائها خارج السودان. وهو ما ينطبق على تداعيات الخلاف بين عمر البشير وحسن الترابي في ديسمبر / كانون الأول 1999، وما تبعها من ظهور المؤتمر الشعبي ("الإصلاح الآن")، ثم انقسام الجيش في ديسمبر 2022، وانشقاق المؤتمر الوطني إلى جناحَين. هذه الظواهر ذات أثر مزدوج؛ إذ تُضعف فاعلية الحركة، لكنّها تسمح بتلاقيها ضدّ الخصوم السياسيين. في ظلّ هذه الظروف، سعت الحركة الإسلامية إلى تجميع شبكاتها المحلّية والدولية في مواجهة أحزاب اليسار وكيانات "الحرية والتغيير"، فيما ظلّت متوزّعة بين جانبي الجيش و"الدعم السريع"، ليتسع مفهوم "الإخوان" فيشمل طيفاً فضفاضاً يصعب تأطيره. فوفقاً لتدوينات متعدّدة، كان من بينها (وهو ما أشار إليه أمين حسن عمر) التداخل التنظيمي والبعد الاجتماعي في تشكيل حالة الإسلاميين بصورة تعكس انتشارهم في السياسة السودانية.
وفق خلفية سياسية، تمثّل الحالة السودانية مُتغيّراً مهمّاً بين الحركات الإسلامية، فهي الوحيدة التي بقيت في السلطة ثلاثة عقود، تمكّنت فيها من تشكيل سلطات الدولة وأجهزتها الإدارية. وتفرض هذه الحالة من التغلغل والانتشار صعوبةً في استبعاد تأثيرها السياسي. فمنذ انعقاد "المؤتمر الشعبي الإسلامي" (1992)، سعت إلى أن تكون مركز نشاط الإسلام السياسي، كما بنت علاقات هيكلية مع الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية، شملت التدريب العسكري والمساندة السياسية للحكومة السودانية. كانت هذه الخلفية عامل امتزاج بين جبهة الإنقاذ والتجربة الثورية الإيرانية، ما يفسّر تركّز وعي الإسلاميين حول الوضعية الإيرانية على حساب المصالح الوطنية.
في هذا السياق، تقع الحكومة السودانية تحت صعوبة التحرّك بعيداً من التحالف مع الإسلاميين. وفي سياق الحرب الأهلية الجارية، تبنّت الحركة الإسلامية سياسة مقاومة لقوانين "الحرية والتغيير" لاجتثاث الإسلاميين. في البداية، شكّلت "التيار الإسلامي العريض" في إبريل/ نيسان 2022 إطاراً يضمّ كيانات الحركة السودانية والتنظيم الدولي لـ"الإخوان"، ليكون بمثابة رابطة عابرة للحدود لمساندة الجيش، ظهرت أنشطتها عبر قناة طيبة. وفي ديسمبر الماضي، كانت محاولة ثانية من فروع الجماعة في الخارج لتدشين حملة إعلامية وإغاثية لدعم الحكومة السودانية، جرت أنشطتها تحت عنوان "معاً لدعم السودان"، إذ صارت على وعي بأهمية إجراء جراحة عميقة لمصادر التهديد التي يمثّلها مؤيّدو "الدعم السريع" للسلطة.
ظلّ النظام السياسي في السودان عاجزاً عن توفير حاضنة اجتماعية بديلة من الحركة الإسلامية
بالعودة إلى ملامح السياسة الأميركية، يمكن ملاحظة أن تصنيف "الإخوان" لا يخلو من إثارة الصراع بين المكوّنات المدنية والعسكرية، خصوصاً في ظلّ تفكّك (وغياب) السلطة القادرة على تطبيق القانون أو فرض الأمر الواقع. فعلى كلّ المستويات، تشهد البلاد انقسامات دائمة، تُشكل بيئةً مناسبةً لتقويض القضاء وانفلات السلاح. ثمّة تقدير بأنّ التصنيف لا يؤدّي إلى وقف الحرب بقدر ما يفتح صراعات أخرى بسبب تطلّع الجماعة إلى البقاء في المشهد وارتباطها بدوائر خارجية، وعدم جاهزية المعارضة ("تأسيس" و"صمود") لملء الفراغ أو إزاحة الجيش وحلفائه الإسلاميين.
يوضح السياق السوداني جانباً من تحدّيات فاعلية القرار الأميركي، وبشكل عام، تشير نتائج العقوبات الأميركية في السودان ومناطق أخرى إلى ظهور نتائج عكسية، فقد ظلّت قرينةً بعدم الاستقرار السياسي وبقاء القوى المستهدفة في دائرة الفاعلين السياسيين، إذ تنجح في تجنّب آثار العقوبات والحفاظ على مصالحها عبر سياستَين للتغلغل في الدولة؛ توظيف التخلّف الاقتصادي في التمكّن من السلطة، والاستفادة من الحرب الأهلية في تشكيل هيئات عسكرية موازية للجيش.
ورغم هذه الميّزات، والقوة النسبية، لتيارات "الإخوان"، تواجه الجماعة أعباء القرار الأميركي على مستويات عدّة؛ تلاقي مواقف الاتحاد الأوروبي و"تحالف قوى الحرية والتغيير" (قحت) على استبعاد الجماعة من المشهد السياسي، ومحاكمتها على فترة وجودها في السلطة، إذ تواجه طيفاً واسعاً من الدول المتضامنة على تمكين "القوى المدنية" من السلطة واستعادة وضع ما قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2021، ودعم خيارات الحكومة الموازية.
يمكن القول، مع انخفاض أفق الحلّ السياسي، إن السياسة الأميركية تواجه معضلتَين في استبعاد الإسلاميين؛ تتمثّل الأولى في عدم امتلاكها مشروعاً يؤمن بقاء الجيش، لينحصر الجهد الأساسي في الاستثمار في الصراع والإقصاء، وتتمثّل الثانية في أن إدخال الولايات المتحدة للعامل الإيراني يربط مصير الجماعة بنتائج حرب الخليج الجارية وأحداثها، وليس بعوامل سودانية فقط، بشكل يثير المزيد من تحدّيات عدم الاستقرار.

أخبار ذات صلة.
نصائح عسكرية
العربي الجديد
49 دقيقة من الآن
مؤشرات حصار إماراتي للأصول الإيرانية
العربي الجديد
منذ 34 دقيقة