إب.. رصف أزقة ‹قرية محطب› بجهود مجتمعية
تقارير وتحليلات
منذ 5 ساعات
مشاركة

“كنت أخشى من هطول الأمطار في فصل الصيف، خوفاً مما تتركه السيول من مخلفات وتلوث في أزقتنا”، بهذه الكلمات بدأ علي محمد (38 عاماً)، أحد سكان ‹قرية محطب› بمديرية السياني في محافظة إب، حديثه والابتسامة ترتسم على وجهه وهو يتأمل الطريق المرصوف أمام منزله.

يروي علي لـ “ريف اليمن” حجم المعاناة السابقة قائلاً: “خلال مواسم الأمطار، كانت حاراتنا تتحول إلى مستنقعات من الوحل، حيث تختلط الأتربة بالمخلفات البلاستيكية، ليصبح التنقل سيراً على الأقدام مشقة مضاعفة. أما اليوم، فأشعر بسعادة وارتياح لا يوصف فنحن نسير على حجارة مرصوفة، والمنظر يسر الناظرين، كما أن نظافة الشوارع أعادت لقريتنا وجهها المشرق”.

ويتنفس محمد، ومعه المئات من أهالي قرية محطب، الصعداء بعد إنجاز مشروع رصف الطرقات والأزقة بالأحجار والأسمنت، بجهود ذاتية وتمويل كامل من الأهالي، حيث تأتي المبادرة بوصفها طوق نجاة للسكان، لحمايتهم من خطر الأمراض والأوبئة التي كانت تتربص بهم نتيجة تكدس القمامة والمخلفات، خاصة خلال فصل الصيف.


مواضيع مقترحة


رصف الطرقات

في نوفمبر 2025، وتحديداً في حارة المسجد القديم بقرية محطب تلك المنطقة الحيوية التي تضم باب الجامع وملتقى سوق القرية الشعبي ــ اتخذ الأهالي قراراً تاريخياً برصف طريق حارتهم الممتد لنحو 30 متراً. وبتمويل ذاتي خالص، بادر السكان بشراء الأحجار والإسمنت، وسرعان ما تحول الحي إلى ورشة عمل كبرى لا تهدأ، تضج بروح التعاون والإنجاز.

لم تقف التجربة عند حدود الحارة الأولى، بل انتقلت إلى الأحياء المجاورة، لتشمل أعمال الرصف نحو 6 شوارع حيوية متفرقة من القرية. ورغم التحديات التي واجهها السكان؛ من وعورة التضاريس التي جعلت نقل مواد البناء مهمة شاقة وعالية التكاليف، وصولاً إلى الارتفاع الجنوني في أسعار المواد.

يؤكد علي محمد، أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في كونه نابعاً من معاناة البسطاء، قائلاً لـ “ريف اليمن”: “لم ننتظر دعماً من جهة أو منظمة، بل اعتمدنا على سواعدنا وما تجود به أنفسنا؛ فرغم أن معظم سكان حارتنا في وسط القرية هم من العمال الذين يعيشون على الأجر اليومي ويكافحون لتوفير لقمة العيش، إلا أننا استطعنا جمع مبلغ 200 ألف ريال من خلال مساهمات رمزية من كل منزل”.

يضيف علي بنبرة ملؤها الفخر: “هذا المبلغ، رغم تواضعه في لغة الأرقام، إلا أنه صنع فارقاً هائلاً في واقعنا اليومي. ومن هنا، أحث جميع الأهالي في الأحياء المجاورة والقرى الأخرى على الاقتداء بهذه التجربة؛ فالمبادرة الذاتية هي الحل الأسرع والأكثر استدامة لتحسين جودة حياتنا، وحماية أطفالنا من الأوبئة، وإعادة الرونق لأزقتنا بجهدنا الخاص.

ريف إب: رصف أزقة قرية محطب بجهود مجتمعية
في نوفمبر 2025، وتحديداً في حارة المسجد القديم بقرية محطب تلك المنطقة الحيوية التي تضم باب الجامع وملتقى سوق القرية الشعبي ــ اتخذ الأهالي قراراً تاريخياً برصف طريق حارتهم (ريف اليمن)

ويصف محمد إسماعيل، صاحب بقالة لبيع المواد الغذائية، التحول الجذري قائلاً: “إن رصف الطريق أمام المحل منحه رونقاً خاصاً ونظافة لافتة، بعد أن كانت النفايات تتكدس في المكان”. وأضاف في حديثه لـ “ريف اليمن” أن طبيعة الشارع لم تكن تتطلب رصفاً كلياً بالأحجار، بل اكتفى الأهالي بصبة أسمنتية متقنة، مما أسهم في خفض التكاليف لتصل إلى نحو 100 ألف ريال فقط؛ وهي التكلفة الأقل مقارنة بالمبادرات الأخرى التي شهدتها القرية خلال الأشهر الماضية.

تأثيرات بيئية

لم يقتصر مشروع الرصف على تحسين المظهر الجمالي أو تسهيل حركة العبور فحسب، بل مثّل تحولاً بيئياً جذرياً؛ إذ يوضح نبيل جلال، أحد المشرفين الميدانيين على مبادرة وسط القرية، أن “المعضلة الكبرى كانت تكمن في التلوث، حيث كانت الحفر في الطرق الترابية تشكل بيئة خصبة لتراكم النفايات البلاستيكية والقمامة التي تجرفها السيول، ما يؤدي إلى انبعاث الروائح الكريهة وانتشار الحشرات”.

ويضيف جلال لـ “ريف اليمن”: “بعد إتمام الرصف، استعدنا السيطرة على نظافة الشوارع، ومن شأن تصريف مياه الأمطار أن بشكل انسيابي، واختفاء بؤر التلوث. واليوم، نلمس تنافساً إيجابياً بين السكان للحفاظ على نظافة المساحات أمام منازلهم، وهو ما انعكس بدوره على الصحة العامة، لاسيما للأطفال وكبار السن الذين كانوا الأكثر تضرراً، خاصة أثناء توجههم لأداء الصلاة في المسجد الواقع أسفل القرية”.

ريف إب: رصف أزقة قرية محطب بجهود مجتمعية
لم تقف التجربة عند حدود الحارة الأولى، بل انتقلت إلى الأحياء المجاورة، لتشمل أعمال الرصف نحو 6 شوارع حيوية متفرقة من القرية (ريف اليمن)

وتأتي التحركات المجتمعية في وقت تشكل فيه إدارة النفايات تحدياً كبيراً في اليمن؛ فوفقاً لدراسة صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي بعنوان الأزمة البيئية في اليمن: التداعيات المنسية لصراع دائم”، لا يتجاوز عدد مكبات النفايات الرسمية 21 مكباً، يخضع 6 منها فقط للإشراف، بينما تظل البقية مكبات مفتوحة. ويترك هذا التكدس آثاراً سلبية مباشرة على سكان الأرياف، ويزيد من مخاطر تفشي أوبئة فتاكة كالكوليرا والتيفوئيد والملاريا نتيجة انتشار النواقل من ذباب وبعوض وقوارض.

تكامل مجتمعي

تقول أم عمر( 40 عاماً) وهي ربة بيت في قرية محطب:”لقد انتهى كابوس الوحل الذي كان يطاردنا مع كل غيمة تمطر؛ ففي السابق، كان همي الأكبر هو ملابس أطفالي التي تتسخ بمجرد خروجهم للمدرسة، والروائح الكريهة التي كانت تزكم أنوفنا بسبب تراكم النفايات في الحفر الترابية أمام منازلنا.

وأوضحت لـ” ريف اليمن”، أصبحنا نتنفس الصعداء، فالطريق المرصوف لم يسهل الحركة فحسب، بل منحنا شعوراً بالنظافة والترتيب، وشجعنا جميعاً كنساء حارة على التعاون يومياً ليبقى هذا الطريق واجهة مشرفة لقريتنا، تماماً كما هو فخر لرجالنا الذين بذلوا جهوداً مضاعفة لإتمام رصف الطرق.

ريف إب: رصف أزقة قرية محطب بجهود مجتمعية
لم يقتصر مشروع الرصف على تحسين المظهر الجمالي أو تسهيل حركة العبور فحسب، بل مثّل تحولاً بيئياً جذرياً (ريف اليمن)

من منظور اجتماعي، تشير الصحافية خديجة خالد لـ “ريف اليمن” إلى أن المبادرات المجتمعية عززت الروابط الأخوية بين السكان، مؤكدة أن العمل المشترك والمساهمة المالية الجماعية يخلقان شعوراً عالياً بالمسؤولية والملكية تجاه المشروع، وهو ما يضمن استمرارية صيانته والحفاظ عليه مستقبلاً”.

وتجدر الإشارة إلى جهود الأهالي، تكللت بتكامل خدمي مع السلطات المحلية، حيث ساهم رصف بعض الأحياء في تسهيل مهمة نقل النفايات عبر قلاب القمامة الذي يأتي إلى القرية لنقل القمامة ونقلها إلى المكبات الرسمية في مناطق نائية، بعيداً عن التجمعات السكنية والمساحات الزراعية في محافظة إب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية