مغتربو لبنان... حربٌ مضاعفة وكوابيس لا تفارقهم
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يعيش مغتربو لبنان شعوراً مزدوجاً بين القلق على الأهل والذنب لبُعد المسافات، بعضهم عالقٌ بين واقعين والبعض الآخر بين حربين، وكأنّ الاستقرار حلم بعيد المنال. "أهلي لا يعلمون أننا في الاغتراب نعاني أيضاً، لكن بطريقة مختلفة. لا أعرف كيف أشرح حجم التوتر الذي نشعر به". بهذه الجملة يختصر المغترب اللبناني حسن سلمان حال جيلٍ كاملٍ من اللبنانيين المنتشرين حول العالم، والمشدودين نحو حربٍ لا تغادرهم رغم المسافات. منذ تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان، لم يعد الاغتراب ملاذاً آمناً كما كان يظنّ كثيرون. يعيش اللبنانيون في الخارج، كما في الداخل، على إيقاع الإنذارات والقصف والتهديد بالتصعيد. الفارق الوحيد أنّهم يشاهدون كل ذلك خلف الشاشات من دون أن ينجوا فعلياً. حسن، المتحدّر من مدينة صور جنوبي لبنان والمقيم في بلجيكا، لم يعد يفارق هاتفه. يتفقده عشرات المرات يومياً، يتنقل بين نشرات الأخبار، ومجموعات "واتساب"، ومنصات التواصل الاجتماعي. ويقول لـ"العربي الجديد": "الأمر صعب جداً. أطمئنّ طوال الوقت على عائلتي، خصوصاً أن أخي يذهب أحياناً إلى مدينة صور". يردّد حسن سلمان كلماته كمَن يحاول التمسك بحياةٍ تتفلت من بين أصابعه. من ولاية نيوجيرسي الأميركية، تقول إليسار عباس، التي تركت أهلها في بيروت، إنّ المسافة لم تصنع فرقاً حقيقياً، وتضيف لـ"العربي الجديد": "لا يمكنني القول إنّني أعيش الحرب عن بُعد. أن تكون لبنانياً يعني أن تعيش الحرب. نحن نعيشها، ليست حالنا كما حال الموجودين تحت القصف، لكننا نعيشها، هذه هي الحقيقة". بغصةٍ تسرد معاناتها وتقول: "نواصل حياتنا هنا، نذهب إلى العمل، نلتزم بإيقاع البلد الذي نعيش فيه… لكنّنا في الداخل عالقون بين واقعين". الليل بالنسبة إلى إليسار ليس وقتاً للراحة. "رأيت كابوساً فقدتُ فيه عائلتي بالكامل"، تقول. وعلى الرغم من محاولات المحيطين بها إبداء التعاطف، تعترف بأن الكلام الحقيقي لا يحدث إلا مع لبنانيين آخرين، لأنّهم وحدهم يفهمون ما لا يُقال. بالنسبة إلى فراس فرحات المقيم في أبيدجان، لم تعد الحرب خبراً، بل تهديداً لذاكرة كاملة. بعد دعوات إخلاء جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان، صار السؤال أكبر من مجرد أمان مؤقت. ويقول لـ"العربي الجديد": "لا أعلم إن كان أهلي سيتمكنون يوماً من العودة إلى قريتنا". يصمت فراس قليلاً، وكأنّه يستعيد صورة بعيدة، ثم يقول: "قضيتُ الصيف الماضي على شاطئ صور… لديّ هناك ذكريات كثيرة. أخاف ألا أستطيع العودة مرة أخرى". فالحرب لا تدمّر الأمكنة فقط، بل تفتح أبواباً قديمة في الداخل. ويتابع: "كانت الحرب الإسرائيلية السابقة في العام 2024 قاسية. ثلاثة أشهر لم أستطع النوم خلالها، ظننتُ أنّني لن أعيش ذلك مجدداً، لكنّني أعيشه الآن. كما أنّ طريقة تعاطي إسرائيل مع هذه الحرب مخيفة. وما حدث في قطاع غزة يجعل التهديد هذه المرة أثقل. منذ أيام لا أنام، وكلنا هنا نعيش هذا الشعور المزدوج؛ القلق والذنب". في دبي، لم تكن ريم بحاجة إلى صوت الانفجارات لتُدرك أنّ الحرب قد لحقت بها. في الليلة الأولى التي عبرت فيها الصواريخ الإيرانية سماء الإمارات، خرج الجيران إلى الشرفات للتصوير. أما هي، فأغلقت الستائر. "غادرتُ لبنان بعد الحرب الماضية بحثاً عن الاستقرار، لا لأعيش الحرب مجدداً"، تقول الشابة الثلاثينية المتحدرة من محافظة البقاع (شرقي لبنان). كانت ريم تظنّ أنّها تركت القلق خلفها، لكن منذ اندلاع العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، عاد كل شيء بشكل مضاعف. حرب في الخليج وأخرى في لبنان. تقول لـ"العربي الجديد": "عندما استُهدفت قطر، اتصل بي والداي للاطمئنان عليّ، لكنّهما لم يتخيّلا أن تصل الحرب إلى هنا. غير أنّني في الحقيقة كنتُ أنا الخائفة عليهما، كنتُ أعلم أن لبنان على حافة الانفجار. ومنذ ذلك الحين، تسألها والدتها يومياً عن الصواريخ والانفجارات ونقص السلع. لسنا في لبنان يا أمي". ثم تنقلب الأدوار سريعاً: "هل أيقظتك الغارات هذه الليلة؟". وفي أبو ظبي، يعيش كريم الانقسام نفسه. يتابع التوترات الأمنية في دول الخليج، كما يتابع القصف في لبنان عبر مجموعة العائلة على تطبيق واتساب. عندما يتّصل بوالدته في مدينة صيدا (جنوبي لبنان)، تبدأ في الحديث كأنّ شيئاً لم يكن، ويقول لـ"العربي الجديد": "تسأل عنّي وعن الأولاد، ثم تخبرني عن الغارات، عن نقص الغاز والمازوت، وعن بيوتٍ أصابها القصف". يُغلق الهاتف معها بإحساسٍ ثقيل دائماً، ويردف: "هنا ننتظر نهاية الحرب لنكمل حياتنا، أمّا في لبنان فينتظرون نهايتها لترميم سقف المنزل وإعادة بنائه قبل الحرب المقبلة. أنام هنا بلا قلق، لأنّني أعرف أنّ هناك نظاماً يحمينا، لكن الطمأنينة لا تكتمل. أفكّر دائماً بوالديّ في لبنان، خصوصاً أنّ مدينة صيدا تُستهدف بين حين وآخر".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية