عربي
شهدت مناطق متفرقة في سورية، اليوم الثلاثاء، فيضانات واسعة جرّاء هطول أمطار غزيرة، وخلّفت وفيات بحوادث غرق في مناطق الشمال والشرق، وسط تحذيرات من خطورة الاقتراب من الأنهار والتجمعات المائية. ودعت دائرة الإنذار المبكر والتأهب في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر خلال الأيام المقبلة بسبب استمرار تأثير سلسلة منخفضات جوية على سورية مصحوبة بهطولات مطرية غزيرة وعواصف رعدية، وأوضحت أنّ الجو سيزداد سوءاً الخميس والجمعة.
وتوفي طفلان غرقاً في بركة مياه تشكّلت بفعل الأمطار في قرية الصبيحية بريف رميلان شمالي شرقي الحسكة، ما عكس حجم المخاطر التي خلّفتها السيول في المناطق المكشوفة والريفية التي تفتقر إلى البنى التحتية للحماية والتصريف.
وفي حادثة منفصلة، توفيت الطفلة نور عبدالله أحمد اللافي غرقاً داخل برميل مياه في بلدة الحوايج بريف دير الزور الشرقي، وعُثر على جثة رجل في مياه نهر الفرات في منطقة زور قرية حمرة ناصر بريف الرقة الشرقي، في وقت تتواصل عمليات البحث عن طفل فُقد بعدما غرق في نهر جغجغ بقرية تل طويل في محافظة الحسكة.
وشهد حي الميرديان في مدينة الحسكة غرق عدد من المنازل نتيجة فيضان نهر الخابور، إذ ارتفع منسوب المياه على نحوٍ ملحوظ وتدفقت إلى داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى أضرار مادية واسعة وتشريد عدد من العائلات.
وانهار جزء من السواتر الترابية في قرية السيحة في ريف حلب الجنوبي، وفاض نهر الخابور في ريف الحسكة، ما استدعى عمليات إجلاء واسعة للأهالي في ظل استمرار تحذيرات الجهات الرسمية من التأثيرات السلبية للمنخفضات جوية إضافية خلال الأيام المقبلة. وقال الحاج محمد المصطفى (55 عاماً)، وهو يحدق في مشهد تحوّل بيوت قرية السيحة إلى بحيرة، لـ"العربي الجديد": "سمعنا فجاة صوتاً مدوياً، ثم تدفقت المياه كسيل الجارف فخرجنا من بيوتنا، ولم نعرف إلى أين نتجه. كانت لحظات رعب حقيقية. خسرنا بيوتنا وممتلكاتنا وخرجنا بأرواحنا".
وروى المزارع أحمد الحماد (42 عاماً) من قرية تل العقارب، لـ"العربي الجديد"، مشاهد التضامن التي رآها بين الأهالي مع تدفق المياه فجأة، وقال: "بدا المشهد عصيباً منذ اللحظات الأولى، وخرج الجميع لمساعدة بعضهم البعض من دون تردد. رأيت شباباً يحملون كباراً في السن على أكتافهم في الظلام والمياه الباردة تغمر الطرق، فيما كانت الأمهات يركضن بأطفالهنّ بين أحضانهنّ والمياه تصل إلى أقدامهنّ. كان المشهد صعباً لكن روح التكاتف جمعت الناس في لحظة الخطر"، أضاف: "وصلت فرق الدفاع المدني بعد وقت قصير، وساعدت في إيصال الناس إلى أماكن إيواء آمنة. الأضرار كبيرة جداً، إذ غمرت المياه منازل كثيرة وأراضٍ زراعية، وقد فقدت العديد من العائلات كل ما تملكه من فرش وأثاث ومؤن غذائية كانت قد تخزنها للأشهر القادمة.
وناشد الحماد، باسم أهالي قرية تل العقارب والقرى المجاورة، الجهات المعنية في محافظة حلب ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، بالتدخل العاجل لتوفير الإغاثات الضرورية، وأكد الحاجة إلى مواد إيواء من فرش وبطانيات ومدافئ تتناسب مع برودة الطقس، إضافة إلى مواد غذائية ومياه صالحة للشرب، خاصّة أن المنطقة لا تزال تحت تأثير المنخفض الجوي ومخاطر ارتفاع منسوب المياه قائمة.
وتعمل الفرق المتخصّصة على تعزيز السواتر الترابية في تجمع مياه السيحة الشرقية (الكبيرة) الذي تقدر مساحته بنحو 3500 هكتار، وأيضاً على نقاط عدّة على طول مجرى نهر قويق. وقال مدير المكتب الإعلامي في منطقة سمعان الجنوبية عامر سليم لـ"العربي الجديد": "جلبنا تسع آليات ثقيلة من عدة محافظات سورية لتعزيز السواتر الترابية في مواقع عدة ومعالجة النقاط الأكثر خطورة، وشكلت لجنة فنية مشتركة لتقييم أضرار الفيضانات، وتحديد مواقع الضعف في السواتر والمنشآت الترابية، ووضع خطة عاجلة لأعمال الترميم والصيانة اللازمة، إضافة إلى إعداد تقارير يومية تتضمن التوصيات والإجراءات المطلوبة لمتابعة الوضع ميدانياً".
وفي محافظة الحسكة، فاض نهر الخابور مجدداً ليل أمس الاثنين، ما أدخل المياه إلى منازل الأهالي في أحياء الميرديان والنشوة وغويران، وسط حالة من الخوف بعدما ارتفع منسوب المياه إلى أكثر من أربعة أمتار، وأفاد فرع الهلال الأحمر العربي السوري في الحسكة بأنّ فرقه أجلت عدداً من العائلات من حي الميرديان إلى مناطق أكثر أماناً، وجهّزت مركز إيواء في مدرسة حسن خميس بفرش وبطانيات لاستقبال أسر متضرّرة، ونشرت فرق إسعاف.
وقالت خالدية ماردلي (48 عاماً) التي تقطن في حي الميرديان منذ أكثر من عشرين عاماً، لـ"العربي الجديد" :"فوجئنا بتسرّب المياه إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل. أيقظت أولادي ورأيت المياه تصعد بسرعة، وكانت باردة جداً فأخذت الأطفال وركضت، وخرج الجيران من بيوتهم مذعورين. اتصلنا بالهلال الأحمر، وجاءت فرق الإسعاف وأجلت الأطفال والنساء، كنا نركض والمياه تصل إلى الخصر، والخوف يملأ قلوبنا، نحن الآن في مركز إيواء مؤقت، لكن قلوبنا على منازلنا التي غمرتها المياه، ولا نعرف إذا كنا سنعود إليها".
وقال سليم كلش (35 عاماً)، أحد المتطوعين الذين ساعدوا في إجلاء الجيران قبل أن تصل فرق الإنقاذ، لـ"العربي الجديد": "سمعت الصراخ وخرجت مسرعاً. رأيت نساء يحملن أطفالهنّ، ورجالاً يحاولون إنقاذ ما يمكن. مشهد صعب جداً، لكن فرق الإغاثة تحركت بسرعة وساعدت في إيصال العائلات إلى أماكن آمنة. اعتدنا في الحسكة على مساعدة بعضنا البعض. وهذه الأيام الصعبة تذكرنا بأن قوتنا في تضامننا. نخشى من الأمطار القادمة، لكننا سنبقى متكاتفين".
وقال مدير البحث والإنقاذ والإطفاء في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث وسام زيدان لـ"العربي الجديد": "باشرت فرق الدفاع المدني سلسلة إجراءات ميدانية عاجلة، ونقلت مركبات ثقيلة من عدة مراكز إلى موقع الانهيار، ورفعت الجاهزية لمحاولة إصلاح الفتحة التي حدثت في الحاجز الترابي ضمن تجمع مياه السيحة، إلى جانب تعزيز السواتر في عدد من نقاط الضعف لتأمين الموقع وضمان عدم حدوث فتحات إضافية. وجرى التنسيق مع جهات متعدّدة، منها مديريات الموارد المائية والمحافظات، إضافة إلى وزارة الدفاع، التي أرسلت مركبات ثقيلة متخصّصة مزودة بأذرع طويلة، في محاولة لتجفيف الفتحة وتعزيز نقاط الضعف ضمن تجمع مياه السيحة"، وأشار إلى تضرّر نحو 300 عائلة، وإخلاء نحو 120 عائلة من مواقع خطرة على ضفاف نهر الخابور. ولا تزال مناطق قريبة من نهر الخابور في ريف الحسكة مهدّدة مع استمرار فعالية المنخفض الجوي. ومن بينها قرية الوسيطة".
