عربي
وجّهت الحرب في المنطقة صدمة قاسية لقطاع العقار المصري، الذي يعاني من ركود المبيعات على مدار عامين بسبب ارتفاع الأسعار وهبوط القوة الشرائية لدى المستهلكين، إذ جاءت الحرب لتدفع بأسعار مواد البناء إلى ما يزيد عن 20%، مع هبوط الجنيه بنحو 10%، بما يهدد بدخول النشاط العقاري في مرحلة ركود تضخمي جديدة. في قلب المتناقضات التي يعيشها السوق العقاري، يؤكد محمد سامي سعد، رئيس الاتحاد المصري لمقاولي البناء والتشييد، أن الشركات ستلجأ إلى زيادة الأسعار لرغبتها في التحوط للزيادة الكبيرة التي طرأت على أسعار المحروقات والشحن والواردات مع تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الصعبة.
يشير سعد لـ"العربي الجديد" إلى أن نسب التحوط ستراعي الزيادة التي شهدتها أسعار مواد البناء والتي تراوحت ما بين 5% إلى 10% في الأسمنت والحديد، و50% في أسعار الشحن، حيث يعتمد قطاع البناء على استيراد 40% من مكوناته، بالإضافة إلى زيادة أسعار المحروقات التي قفزت إلى نحو ضعف القيمة محلياً بنحو 20% ومرشحة للزيادة في حالة استمرار الحرب لفترة زمنية أطول. يوضح سعد أن شركات المقاولات خاطبت الحكومة والمطورين العقاريين لبحث تعويض فروق الأسعار للمشروعات التي يجري تنفيذها حالياً، لوجود الحرب كـ"قوة قاهرة" تقتضي زيادة الأسعار المتفق عليها عند توقيع العقود.
وسط حالة من الترقب، تتصاعد تقديرات داخل السوق المحلي بإمكانية ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، وهو ما يعتبره عمر الطيبي، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير عقاري "ذا لاند ديفلوبرز"، "تقديراً واقعياً وحذراً" لمواجهة ظروف استثنائية تفرض على الشركات بناء هامش أمان لمواجهة تقلبات مفاجئة في سلاسل الإمداد. يقول الطيبي في بيان صحافي، إن المطورين الملتزمين بتسليم مشروعات قائمة، يسعون عبر هذه الزيادات إلى ضمان استمرارية التنفيذ وعدم التعثر، مشيراً إلى أن السوق قد يشهد تعافياً سريعاً في حال انتهاء الحرب، مدفوعاً بتدفقات استثمارية محتملة من الخليج والخارج، في ظل ما يعتبره "تسعيراً أقل من القيمة الحقيقية للعقار المصري".
في المقابل، يرى أحمد شلبي، الرئيس التنفيذي لشركة "تطوير مصر" المملوكة للدولة مع مساهمين من القطاع الخاص، أن الحديث عن زيادة بنسبة 20% "مبالغ فيه"، مؤكداً في تصريحات صحافية، أن الزيادات الواقعية في الوقت الحالي يجب أن تكون "محدودة ومدروسة"، وقد تتراوح بين 3% و5% فقط، وهي في الأساس امتداد طبيعي لمعدلات التضخم السنوية.
بين الاتجاهين، يقف طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، محذراً، في رسالة لـ"العربي الجديد"، من تسرع المطورين في إعلان زيادات كبيرة دون قراءة دقيقة للسوق، مشيراً إلى أن حالة الحرب وعدم اليقين الحالية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، أربكت عملية التسعير. ويكشف شكري عن مؤشرات أكثر خطورة، أبرزها قيام بعض موردي مواد البناء، وعلى رأسها الألومنيوم، بتعليق التسعير مؤقتاً، في ظل تقلبات حادة في التكلفة، وهو ما يعكس عمق الارتباك داخل سلاسل الإمداد.
ترصد "العربي الجديد" فرض شركات الأسمنت زيادة بنحو 14% الأسبوع الماضي، وزاد سعر طن الألومنيوم بنحو أربعة آلاف جنيه للطن والحديد ما بين ألف إلى 2500 جنيه في الطن، يرجعها أحمد الزيني، رئيس الشعبة العامة لمواد البناء بالغرف التجارية، إلى زيادة التكلفة في أسعار المحروقات والنقل ومع فرض الحكومة رسوم إغراق على واردات "البليت" بنسبة 16.2%، حتى نهاية إبريل/ نيسان المقبل مع ارتفاع سعر الدولار بنسبة 10% أمام الجنيه وتحوط التجار من ارتفاعات متوقعة خلال الأيام المقبلة في أسعار الشحن والدولار.
من جانبه، يشير محمد البستاني، رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة، لـ"العربي الجديد" إلى أن التباطؤ الذي سبق الحرب في المبيعات قد يحد من قدرة الشركات على تمرير كامل الزيادات إلى المشترين، مرجحاً أن تضطر بعض الشركات إلى امتصاص جزء من ارتفاع التكاليف للحفاظ على زخم البيع وتجنب ركود أعمق. في سياق متصل، يحذر فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، من أن الشركات التي لجأت إلى البيع بأسعار منخفضة قبل الحرب قد تواجه ضغوطاً مالية حادة إذا استمر الصراع لفترة طويلة، مؤكداً أن طول أمد الحرب سيقود حتماً إلى مزيد من الارتفاع في التكاليف، ومن ثم الأسعار.
يراهن مطورون عقاريون على قوة الطلب الكامن في السوق المصري، مبينين أن الطلب الحقيقي على العقار لا يزال قائماً، وأن السوق قد يستعيد نشاطه سريعاً في حال استقرار الأوضاع، خاصة مع استمرار النظر إلى العقارات كونها ملاذاً آمناً في أوقات عدم اليقين، مشيرين إلى تراجع الذهب "الملاذ الآمن المنافس للعقار" عند عموم المصريين.
تعزز هذه الرؤية تحليلات تشير إلى أن تراجع الجنيه والذهب قد يدفع شريحة من المشترين للعودة إلى السوق، باعتبار العقار أداة لحفظ القيمة، وهو ما يؤكده محمد البستاني، مستشهداً بتجارب سابقة شهدت إقبالاً على الشراء رغم ارتفاع الأسعار، خلال الفترة الممتدة ما بين 2022 و2024، والتي ارتبطت بتعويم الجنيه المصري لمرتين متتالتين، حيث شهد تراجعاً حاداً أمام الدولار هبطت به من مستوى 18 جنيهاً للدولار إلى نحو 30 ثم إلى نحو 50 جنيهاً ضمن اتفاقين منفردين مع صندوق النقد الدولي على تعويم العملة وتحرير سعر الصرف.
يشير مطورون إلى أن ملاحقة الشركات العقارية بزيادات متتالية في تكاليف النقل والطاقة والتمويل، يضعها أمام معادلة صعبة بين رفع الأسعار أو المخاطرة بتباطؤ المبيعات، ليظل الخطر الأبرز الذي يلوح في الأفق هو دخول السوق في حالة "ركود تضخمي"، ترتفع فيها الأسعار مدفوعة بالتكاليف، بينما تتراجع القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى تباطؤ حاد في المبيعات، يجعل أغلب المطورين متفقين على أن السوق يضع أسعاره وفقاً للمخاطر المستقبلية، في وقت تظل فيه بوصلة الأسعار معلقة بتطورات الحرب، أكثر من أي عامل اقتصادي تأثرت به خلال العامين الماضيين اللذين عانى فيهما تراجع القوة الشرائية وتضخماً في الأسعار.
