جون هيغز: القرن العشرون من الفردانية إلى الديكتاتورية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في مستهل القرن العشرين، كان العالم يبدو مثل ساعة سويسرية فاخرة؛ عقاربها منضبطة، وتروسها تتحرك وفق قوانين نيوتن الصارمة، واليقين يغلف كل شيء، إذ شعر الإنسان أنه سيد الكون وقد فك شفراته أخيراً، لكن سرعان ما انفجر كل هذا الهدوء. يرسم الكاتب الإنكليزي جون هيغز في كتابه "أغرب من آفاق تصورنا؛ محاولة لفهم القرن العشرين" (دار بيت الكتب، 2026/ ترجمة عبد الله يحيى) بورتريهاً لمئة سنة عاصفة بدأت بهدوء مخادع في مكتب براءات اختراع صغير، حيث أعاد شاب يدعى أينشتاين صياغة مفهومنا عن الزمن؛ إذ لم تكن النسبية معادلات في الفيزياء المتخصصة، بل لحظة أدرك فيها البشر أن الحقيقة ليست واحدة، وأن حدود المكان وموقع الإنسان بوصفه راصداً قد يغير وجه العالم الذي نراه. في تلك اللحظة بالذات، مزّق بيكاسو اللوحات ليعيد لصقها في تشويه مذهل ومبتكر في آن، وهكذا لم تعد العين ترى الأشياء كما هي، بل كما تشعر بها من زوايا متعددة. فهل انكسرت المرآة الثابتة التي كنا نرى فيها العالم بوضوح منذ ذلك الحين، أم نحاول تجميع الشظايا المبعثرة دون جدوى؟ ربما لم يعلم أينشتاين أنه بحديثه عن انحناء الضوء، سيمهد الطريق لجاك ديريدا ليفكك اللغة، ويخبرنا أن الكلمات لا تملك معنىً ثابتاً، وأنها ظلال تطارد بعضها بصرف النظر عن نتائجها.  ظلال الطغاة ووحشة الفرد ينتقل هيغز إلى زاوية مظلمة ومرعبة؛ حين يتبع خيطاً زمنياً تحولت فيه حرية الفرد إلى زنزانة كبرى؛ ففي القرن العشرين تخلص الإنسان من قيود القبيلة والكنيسة وتقاليدهما، ليقف وحيداً تحت شمس الحرية الحارقة. لكن الأنا المتضخمة لهذا الشعور الفردي الانعزالي، حين لم تجد ما تستند إليه، أصيبت بالدوار. وهنا يسعى الكتاب إلى تفكيك لغز مهم يجيب على سؤال: كيف ولدت الديكتاتوريات من رحم الفردانية؟ يحلل هيغز كيف ولدت الديكتاتوريات من الفراغ، فغياب الأباطرة تركنا مع حزمة من وجهات النظر المتناحرة، مما جعل الفردانية الأصولية التي روج لها بعض المفكرين سكيناً ذات حدين إذ يقول: "كان من الأيسر جعل ذاتك الفردية محور نظرتك للعالم.. افترضوا أن الفرد كان عضواً عقلانياً مكتفياً ذاتياً، متسلحاً بإرادة حرة. واتضح أن التعريف الحقيقي كان أكثر فوضوية بكثير". استثمر الطغاة هذه الفوضى، وتحالفت وسائط التكنولوجيا الحديثة لتجعل من الإبادة الجماعية صناعة عملية. وهنا يذكرنا هيغز بأن هتلر احتفظ بصورة لهنري فورد (رائد الإنتاج الضخم) في مكتبه، مطبقاً سياسة "خط التجميع" على القتل الجماعي، ومتبنياً برود ستالين في مقولته الشهيرة: "موت رجل واحد مأساة، أما موت آلاف ليس إلا إحصائيات". تشرح سطور متتالية من الكتاب خطورة أن تصبح إرادة الفرد هي المرجع الوحيد، إذ تتصادم ملايين الإرادات بلا رادع، وحينها يظهر الديكتاتور بوصفه الأنا الكبرى أو أنا أشد تفوقاً فتبتلع الجميع. إن هتلر وستالين لم يكونا مجرد حوادث سياسية، لقد ترعرعا شبحين خرجا من فراغ الروح الذي تركه انهيار الجماعة. لقد صرنا أحراراً جداً، لدرجة أننا لم نعد نعرف ماذا نفعل بهذه الحرية، فبعناها لأول من وعدنا بالأمان. يتساءل الكتاب كيف وُلدت الديكتاتوريات من رحم الفردانية؟ صرخة وقطة لا تموت بينما كان العلم يفكك المادة، كان فرويد ينبش في الطابق السفلي للنفس البشرية. أخبرنا أننا لسنا أسياداً في بيوتنا، وأن تحت قشرة التحضر التي نرتديها، يقبع "الهو"؛ ذاك الوحش الغريزي الذي يحركنا من وراء ستار، كما توازت هذه الصدمة المعرفية/ النفسية مع صدمة ثورة علم ميكانيكا الكم التي أعادت هيكلة المشترك الثقافي والمعرفي لكنها جرّت العقول إلى حيرة لا تستطيع استيعاب فرضية أن الجسيمات يمكن أن تكون في مكانين في وقت واحد، وأن قطة شرودنغر قد تكون حية وميتة معاً حتى نفتح الصندوق. هذا الغياب لليقين أفرز في تجلياته الفنية "مسرح العبث"؛ حيث وقف أبطال بيكيت ينتظرون غودو الذي لن يأتي أبداً. وهكذا أصبح العالم مكاناً لا يمكن التنبؤ به، تماماً كأحلامنا التي فضحها فرويد. الهروب إلى النجوم في منتصف القرن حين ضاقت الأرض بصراعاتها، قرر الإنسان أن يهرب إلى الفضاء. لم يكن غزو القمر مجرد سباق تكنولوجي، بل "هجرة روحية" بحثاً عن معنى جديد في صمت النجوم. لكن المفارقة الكبرى التي يرصدها هيغز هي أننا كلما ابتعدنا في الفضاء، اكتشفنا مدى ضآلتنا ووحدتنا. وفي السينما، تجلت الفردانية في شخصية "الرجل مجهول الهوية" الذي جسده كلينت إيستوود، حيث كانت "عزلته حجر أساس جاذبيته" إلا أن نهاية القرن شهدت تحولاً معقداً نحو الشبكات.  جاءت الثورة الكبرى مثل مراهق متمرد يرفض عالم الكبار، ليخلق ثقافة استهلاكية عالمية أذابت الحدود، ولم نعد نكتفي بقصص البطل الواحد، فانتقلنا إلى عوالم مارفل والمسلسلات الكبرى حيث يقول هيغز "المجموع أهم من مكوناته الفردية، ثم تحولنا من صخب الروك آند رول والتمرد الجنسي، لنصل إلى محطتنا الأخيرة من عالم الشبكات. تفتتت السلطة، وذاب الفرد في تيار الإنترنت الجارف، ولم نعد أشخاصاً بالمعنى التقليدي، إنما صرنا عقداً في شبكة لا تنتهي. والشاشة التي ننظر إليها الآن هي المرآة الجديدة؛ مرآة تعكس بياناتنا، ومخاوفنا، ورغباتنا التي تبرمجها الخوارزميات.  * ناقدة ومترجمة مصرية

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية