وجوه سورية جديدة... من مقاعد المعهد إلى الشاشة الرمضانية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قدّم لنا الموسم الرمضاني الماضي مجموعةً من المواهب السورية الشابّة الواعدة في التمثيل، ممّن تخرّجوا من المعهد العالي للفنون المسرحيّة في السنتين الأخيرتين، أو طلابه الذين لم يتخرّجوا بعد. ليس مستوى التعليم الجيد، وأسلوب الأساتذة القديرين في المعهد، هو المُساعد وحده على إنضاج هذه المواهب، بل بالأكثر فرص العمل والأجواء الفنّيّة التي يجد فيها المتخرّجون أنفسهم فور إنهاء دراستهم. في السنة الماضية، وجد جميع متخرِّجي دفعة عام 2023 ـ 2024 أنفسهم أمام كاميرا المخرج الليث حجّو في مسلسل "البطل" (سيناريو الليث حجّو ورامي كوسا)، يتعاملون مع نصّ مكتوب بإتقان، ويؤدّون المشاهد إلى جانب بسام كوسا وغيره من الممثلين المخضرمين. هذا تحدٍّ يستفزّ القدرات ويشحذ العزيمة على إثبات الذات. من متخرِّجي دفعة المعهد قبل الأخيرة تلك، وحضروا كذلك في هذا الموسم، نور أبو صالح، التي أدّت شخصية سلمى في مسلسل "مولانا" (مجموعة كُتّاب، إخراج سامر البرقاوي). تضطر بنت القرية هذه إلى أن تكون قويّة الشخصيّة، بسبب موت والديها وكون شقيقها الوحيد يعيش مُتخفِّياً، لأنّه مُلاحقٌ ومطلوبٌ لتخلُّفه عن الخدمة العسكريّة، من جهة؛ ولأنّ خطيبها ضعيف الشخصيّة، يتعرّض لاستغلال زوج أمّه في البيت والعمل منذ طفولته، من جهة أخرى. تؤدّي أبو صالح هذا الدور بحرفيّة، من خلال رأسٍ مرفوع وملامح وجهٍ حادّة، وبمشيةٍ ساخطة تدقُّ خطواتها الأرض بصرامة. كما أنّها لا تتورّع عن خوض نقاشاتٍ عالية النبرة مع الرجال تتحدّاهم خلالها، أو تشارك في عراكاتهم المُسلّحة ولو عن طريق ضربهم بـ"الشحّاطة". كذلك، شهد مسلسل "مطبخ المدينة" (كتابة علي وجيه وسيف رضا حامد، إخراج رشا شربتجي) مشاركة عددٍ من الوجوه الجديدة اللافتة، نالت الإشادة بدرجاتٍ متفاوتة. لعلّ الشخصيّة القميئة التي أدّاها زكريّا فيّاض، الكريهة في جزئها الأول، شكّلت عائقاً أمام التعاطف معه وإنصاف أدائه بالمقارنة مع شخصيات شابة أخرى في المسلسل ذاته. يجسّد فياض ملمحين لشخصيّتين في شخصيّةٍ واحدة، وذلك من خلال متسوّل يُدمنِ في البداية شمّ الشعلة (مادّة لاصقة ذات رائحة قويّة)، ما ينعكس في ملامح وجهه المتراخية، ومشيته واسعة الخطوات، التي يُحاول عبرها السيطرة على الدوخة التي يسبّبها تأثير الاستنشاق على الجهاز العصبي المركزي، كما أنّه يُطلِق ضحكةً مميزةً أقرب إلى قهقهة النشوة التي يوصل إليها الاستنشاق كذلك. لكنّ حَمْل ابتسام (تسنيم العلي)، رفيقته في الشوارع وفي مكان الإقامة داخل مدينة الملاهي المُعطَّلة وشبه المُدمَّرة، إضافة إلى عيشه معنى اليُتم والتشرّد الذي سيكون مصير طفله القادم، يدفعه إلى ترك إدمانه، بعد أن كانت ردّة فعله الأولى على خبر الحمل التنكُّر لكلٍّ من الفتاة وجنينها، ما ينفض ملامح وجهه ويُرهِف تركيزه، مُحوِّلاً إيّاه إلى شخصيّةٍ أخرى مختلفة عن الأولى، تترك التسوّل في الشوارع وتجد عملاً ثابتاً تعيش منه بعد الزواج. الشخصيات الأخرى التي لفتت النظر عن استحاق في هذا المسلسل عديدة، نُشير من بينها إلى مايا، التي أدّت دورها ندى حمزة. تُعاني مايا اضطراباً نفسياً أودى بها إلى الاكتئاب، تسبّب به ترك أهلها لها وسفرهم إلى أوروبا، وفاقمه حتى أوصلها إلى الانتحار فشل قصّة حبها. تُحسِن الممثلة الشابة الانتقال بين الحالات النفسية المتناقضة؛ من الفرح المتفجّر الراقص برفقة حلقة أصدقائها، إلى الخمود والاستسلام للبكاء الصامت والإصرار على البقاء وحدها. كما أنّ لُجين دمج، الطالبة التي تخرّجت قبل أشهرٍ فقط، تؤدّي دور متسوِّلة أخرى هي زينة، لكن بطباع مختلفةٍ عن طِباع متسوّلي تجمُّع مدينة الملاهي. الأخيرون، خاصّةً البنات منهم، يخضعون لرقابة صارمة من المسؤولين عنهم، تمسح شخصيّاتهم وتجعلهم متشابهين، أمّا زينة فهي حُرّة، لا تتورّع عن التحرّش بالمارة لفظيّاً بينما تبيع الورد من دون وصيٍّ عليها، رغم ما يحمله ذلك من خطرٍ عندما تقتحم مناطق تقتسمها عصابات الشحاذين فيما بينها. لزينة مشية صبيانيّة متمايلة ببنطالٍ واطئ الخصر، وحركة ذراعٍ تنبع من الزند وتنتهي بالسبّابة الممدودة عبر مسارٍ مائل، تجعل الأمر الذي تُشير إليه بها فرضاً، لا طلباً أو تنبيهاً. كما أنّها تصفع فجر (علي خزامي)، الشاب الذي صار حبيبها ثم زوجها، في كلِّ مرَّةٍ يتخطّى فيها خطوطها الحُمر. تشارك لُجين دمج في مسلسلين آخرين، وهذه انطلاقة قويّة تُرتِّب عليها مسؤوليّة كبيرة. تحضر في "النويلاتي"، وفي "أنا وهي وهيا" (كتابة إياد أبو الشامات، إخراج نور أرناؤوط). تؤدّي في المسلسل الأخير شخصية بسمة، وهي في عمر زينة نفسه، لكنّها تختلف عنها تماماً في الطِّباع. تحتفظ بسمة بقهرها وانكسارها لنفسها، بسبب موت أبيها وزواج أمها من رجل آخر يعيش في مصر. يساهم انتقالها للعيش في لبنان، عند الوصيّ عليها وعلى شقيقها الصغير، والأجواء المنفتحة التي تلفُّها في المدرسة وخارجها، في تفريغ ما تعيشه من مشاعر، عن طريق أوّل شاب يُعرب عن اهتمامه بها؛ فرغم أنّها متزوّجة على الورق من طبيب التجميل كثير الانشغال، الذي تسبّب عن غير قصد في موت أبيها، فهي لا تجد من يسأل عنها ويهتمّ بها، فتدخل في علاقةٍ مع شابٍّ يعمل في دكّان قريب. ثم عندما ينكشف أمر حملها، ويمضي زوجها الطبيب في علاقته الغرامية ويقترب من طلاقها مع دنوّها من بلوغها سن الرشد، تُخرّب علاقته بحبيبته بقولها لها إنّها كانت حاملاً منه، أي أنّ زواجهما لم يكن مجرّد معاملةٍ ورقيّةٍ فحسب. هناك وجوهٌ أصغر لفتت النظر أيضاً، من دون أن تُشكِّل مفاجآت، إذ سبق أن فاجأتنا في ظهورها الأول، وبتنا نعرف الآن جودة موهبتها وأصالتها. نتحدّث تحديداً عن كلٍّ من شهد الزلق (16 سنة) وروسيل الإبراهيم (10 سنوات) في مسلسل "أنا وهي وهيا"، اللتين يجب الإشارة في حالتهما إلى دور مدرِّبي التمثيل وورشات إعدادهم، لكنّ هذا موضوعٌ آخر.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية