عربي
قبل البدء في مناقشة آثار الحرب على إيران ودول المنطقة والعالم، من المهم تثبيت حقيقة أساسية عُرف بها النظام الإيراني، وهي أنه في حال نجاته من السقوط في هذه الحرب، فإنه سيتغير بشكل جذري بعد الحرب، وهي حالة مشابهة لما حدث لهذا النظام بعد حربه مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أدت خسائر النظام الكبيرة بعد نهاية تلك الحرب إلى انكفاء إيران على نفسها، ما جعلها دولة لا تتدخل بشؤون غيرها، لكن بعد تغيّر الظروف وسقوط النظام العراقي عام 2003، رجع النظام الإيراني إلى سابق عهده وإلى سابق تدخلاته.
غياب المرشد علي خامنئي
يعتبر غياب المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، عن الساحة السياسية، بعدما استهدفته الطائرات الأميركية والإسرائيلية في اليوم الأول من هذه الحرب، من العوامل الرئيسية التي أثرت وستؤثر على قرارات إيران وتوجهاتها، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، بل وحتى على سلوكها في هذه الحرب الجارية الآن. فمن المرجح أن إيران ستتجه إلى التشدد في مواقفها السياسية وإجراءاتها العسكرية، ويمكننا تلخيص هذه الإجراءات التي تقوم بها إيران وما ستقوم به لاحقاً بما يلي:
سارعت إيران إلى تنفيذ خطتها برفع أسعار النفط، من خلال ضرب الناقلات النفطية المارة في مضيق هرمز، وضرب محطات تصدير النفط في الدول العربية المطلة على الخليج، الأمر الذي رفع سعر النفط والغاز بشكل أزعج العالم المستهلك للنفط، وبالأخص أوروبا. ومن المرجح أن إيران ستستمر بهذه السياسة طالما الحرب مستمرة، ما سيدفع دول الخليج إلى طلب الحماية من الولايات المتحدة وأوروبا. ويرجح أيضاً أن تتدخل أوروبا عسكرياً ضد إيران، ليس دعماً لواشنطن، إنما دفاعاً وحماية لمصالحها النفطية. ينطبق هذا الكلام على دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ومن الممكن أن تلحق بهم إسبانيا التي كانت في البداية غير داعمة للحرب على إيران.
بضرباتها الموجهة إلى دول الخليج، كسبت إيران عداوة هذه الدول، في الوقت الذي كانت تعتمد عليها اقتصادياً، وهي دول رافضة للحرب على إيران، وبعضها كان ينسق للوساطة بينها وبين الولايات المتحدة، مثل سلطنة عمان. ويعتبر هذا العمل أحد أبرز تخبطات إيران السياسية بحجة رفع أسعار النفط لزيادة تكلفة الحرب على دول الغرب. ولم تشفع اعتذارات وزير الخارجية الإيراني لدول الخليج، ونفيه أحياناً لتلك الضربات، وتعهدات الرئيس الإيراني بعدم ضرب دول الخليج، التي ذهبت هباءً أمام بيانات الحرس الثوري الإيراني، الذي غالباً ما يعلن مسؤوليته عن تلك الضربات.
طاولت الضربات الإيرانية أيضاً دولا مثل تركيا وقبرص، وقبرص عضو بالاتحاد الأوروبي، وبذلك تُثير إيران العداء لها أوروبياً، وعداوة حلف الناتو الذي تتمتع تركيا بعضويتها الكاملة فيه. وشملت ضربات إيران دولة أذربيجان التي أعلنت أنها جاهزة للرد على الضربات الإيرانية.
طاولت ضربات إيران أيضاً إقليم كردستان العراق، الأمر الذي أثار حفيظة الكرد، وليس مستبعداً أن تدعم قيادة الإقليم تحركات الكرد المعارضين الإيرانيين ضدها، وبتشجيع وبدعم وتجهيز أميركي.
من ناحيتها، وجهت باكستان تهديدات واضحة لإيران، وذكّرتها بأن لديها اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية، وحذرتها من مغبة استمرار الضربات الإيرانية على السعودية.
بسبب شعور إيران بأن هذه الحرب من الممكن أن تتحول إلى حرب وجودية تهدد نظامها، بل وتهدد الكيان الإيراني بجغرافيته الحالية، قامت وبشكل مبكر باستخدام جميع أوراقها في المنطقة
ثانياً: توريط الوكلاء بالمنطقة
بسبب شعور إيران بأن هذه الحرب من الممكن أن تتحول إلى حرب وجودية تهدد نظامها، بل وتهدد الكيان الإيراني بجغرافيته الحالية، قامت وبشكل مبكر باستخدام جميع أوراقها في المنطقة للدفاع عن كيانها، وأهم تلك الأوراق هي ورقة الوكلاء المسلحين المنتشرين في دول المنطقة، فقامت بالتالي:
أوعزت إلى الفصائل المسلحة العراقية بالدخول سريعاً لدعمها في حربها، من خلال القيام بضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيرة، طاولت مصالح أميركية في إقليم كردستان وبعض دول الجوار، كذلك استهدفت منشأة نفطية في الإقليم والبصرة لتعطيل صادرات النفط العراقي ورفع سعر النفط عالمياً دعماً لخطة إيران. وضربت مصالح اقتصادية داخل الكويت والسعودية، وأخيراً الأردن. وهو أمر مُضر جداً لعلاقات العراق بجيرانه على المدى البعيد. استدعى ذلك ضربات أميركية وإسرائيلية داخل العراق لمقرات الفصائل وبعض قادتها، والأمر مفتوح للتطور في هذا الشأن.
المفاجأة التي فجرها حزب الله اللبناني، حينما انخرط في الحرب لدعم إيران، وقام بفتح مواجهة عسكرية مع إسرائيل بالرغم من صعوبة الظرف الذي يمر به، وهو الأمر الذي استغلته تل أبيب للانتقام من الحزب ومن البنية التحتية اللبنانية، ولا نستبعد أن تقوم باجتياح الجنوب ورسم خط حدودي جديد بينها وبين لبنان.
المفاجأة الثانية التي لاحظناها، هي عدم تدخل جماعة الحوثيين في هذه المعركة حتى الآن، وكأنهم قد قرؤوا المشهد بشكل دقيق ورجّحوا المصلحة اليمنية على مصالح إيران، وهي نقطة تحسب لهم إذا ثبت الحوثيون عليها.
ثالثاً: تأثيرات الحرب على العالم
استدعت هذه الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تأثيراً دولياً بالغاً في شقه الاقتصادي، ولربما قريباً ينتقل هذا التأثير إلى الشق العسكري في حال استمر التصعيد على هذا المنوال، لكن يمكننا وفق المعطيات الحالية رصد هذه التأثيرات على المستوى الدولي:
كما هو متوقع من حرب في منطقة حساسة مثل الخليج، ارتفع سعر النفط، وارتفعت أسعار السماد الزراعي المعتمد على الغاز الطبيعي، الأمر الذي سيؤثر لا محالة على الإنتاج الزراعي بشكل عام ورفع أسعاره.
ولَّدت هذه الحرب تصميماً غربياً على أن النظام الإيراني لا بد أن يُزال، أو على الأقل تقليم أظافره للدرجة التي لا يعود يشكل خطراً على مصالح العالم، وبالأخص في مجال الطاقة. وهناك بوادر تشكيل تحالف غربي ضد إيران يشمل، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وحتى كندا، وبذلك تكون إيران قد وحدت العالم ضدها بعدما كان منقسماً على نفسه.
من غير المتوقع أن تتدخل الصين وروسيا في دعم إيران، لأن علاقتهما مصلحية وليست تحالفاً. والضربات الأخيرة أضرت بالاقتصاد الصيني المعتمد بما يقارب 50% على نفط الخليج، فيما استفادت روسيا من ارتفاع أسعار النفط، والإعفاءات الأميركية لتصدير نفطها إلى الهند وغيرها من الدول للحد من ارتفاع أسعار النفط.
من الصعب التكهن بسيناريوهات دقيقة لهذه الحرب، بسبب كثرة الانعطافات التي تمر بها وتطورها على أكثر من مسار
رابعاً: الآفاق المستقبلية لهذه الحرب
من الصعب التكهن بسيناريوهات دقيقة لهذه الحرب، بسبب كثرة الانعطافات التي تمر بها وتطورها على أكثر من مسار، لكن مع ذلك يمكن تلمس بعض التطورات والآثار المستقبلية على المنطقة والعالم:
من المتوقع أن هذه الحرب لن تكون قصيرة كما يصرح بذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيراً، وبنفس الوقت لن تكون طويلة مثل الحرب الروسية الأوكرانية. فالمرجح أنها ستستمر بما لا يقل عن بضعة أسابيع، وليس أكثر من بضعة أشهر، ويعتمد ذلك على مدى صمود إيران ووكلائها. ولكن بشكل عام، نرى أن الجهد العسكري الإيراني لم يكن بالقوة التي رأيناها في حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل، لكنها ربما ستكون أكثر صموداً هذه المرة، مع ملاحظة أن أكثر صواريخها ومسيراتها تتجه لدول الخليج، وعلى ما يبدو أنه تخطيط استراتيجي إيراني يبتغى فيه إطالة الحرب، وهي بذلك تقتصد بعدد صواريخها ومسيراتها.
ضربات إيران التي استهدفت دولاً غير مشاركة بالحرب ستزيد الدول المعادية لإيران، وسيحولها إلى دولة منبوذة لا تستطيع تلقي المساعدات من أحد، وهو أمر في غاية الخطورة على النظام الإيراني على المدى البعيد.
ليس مستبعداً أن تجنح إيران إلى لغة التعقل، والبدء بحوار مع واشنطن، في سبيل الحفاظ على نظامها من السقوط، والحفاظ على جغرافيتها من التفكك، ولربما تتنازل عن دورها الإقليمي المؤثر خشية من سيناريوهات لا تستطيع احتمالها.
بالنسبة لوكلائها في لبنان والعراق، فمن المرجح أن يتم القضاء عليهم بشكل كامل على المدى المتوسط والبعيد، إما سلمياً (من خلال حل وسحب سلاحهم) أو عسكرياً من خلال استمرار الضربات التي تستهدفهم. مع الإشارة إلى أن جماعة الحوثي ربما تنجو هذه المرة من هذا المستقبل إذا ما بقيت متعقلة ولم تنخرط في هذه الحرب.
في العراق، وهو الحليف الأكثر أهمية لإيران، ربما ستقوم واشنطن بإعادة رسم العملية السياسية الحالية فيه بشكل جذري، وأبعاد أي تأثير إيراني فيه.
أخبار ذات صلة.
بري: نأمل باتفاق يوقف الحرب علينا
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق
صواريخ من العراق على قاعدة عسكرية في الحسكة
الشرق الأوسط
منذ 21 دقيقة
لندن تستدعي السفير الإيراني
الشرق الأوسط
منذ 34 دقيقة