عربي
تترقّب الأوساط الاقتصادية في تونس قرارات مجلس إدارة البنك المركزي بشأن نسب الفائدة، وسط تصاعد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، في ظل التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية، وما قد تفرزه من ارتفاع جديد في سعر الفائدة الأساسي، حيث تعيد الحرب سيناريوهات تشديد السياسة النقدية أداة تقليدية لكبح التضخم. وخلال أكثر من سنتين، اعتمد البنك المركزي التونسي آلية سعر الفائدة وسيلة لمكافحة التضخم، قبل أن يبدأ في خفض سعر الفائدة الأساسي بنهاية عام 2025، معلناً في مناسبتين تخفيضها بنصف نقطة أساس لتستقر عند حدود 7%.
ورغم المسار التنازلي النسبي لمعدل التضخم في الأشهر الأخيرة، يؤكد البنك المركزي في أكثر من مناسبة أن هذا التحسن يبقى هشاً، في ظل ارتباط الاقتصاد التونسي القوي بالأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والحبوب، ما قد يدفع إلى مراجعة نسبة الفائدة نحو الترفيع مجدداً.
ويؤكد الخبير الاقتصادي، ورئيس الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص، أن كل المعطيات تشير إلى أنه في ظل ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، ووسط اضطراب سلاسل التوريد العالمية، بسبب إغلاق مضيق هرمز، ومع ترجيح سيناريوهات تصاعد هاتين الأزمتين بسبب الحرب، فإن كلفة الواردات في تونس سترتفع، وبالتالي ستنعكس على الأسعار المحلية.
ويشرح حواص في تصريح لـ"العربي الجديد" أن تزايد الإنفاق العمومي على دعم الطاقة والمواد الأساسية قد يفاقم الضغوط المالية، ويدفع نحو تغذية التضخم. ويعتبر المتحدث أن الترفيع في سعر الفائدة بات خياراً وارداً لكبح أي انفلات تضخمي محتمل، غير أن البنك المركزي قد يؤجل هذا القرار لبعض الأشهر، مرجحاً أن يجري الترفيع مع بدء موجة التضخم فعلياً. ويقول: "في ظل الضبابية التي تكتنف المشهد الدولي، يبدو أن قرار الفائدة المقبل سيكون محكوماً بتطورات خارجية، بقدر ما هو مرتبط بالوضع الداخلي، ما يجعل كل السيناريوهات مفتوحة في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة".
ويعتمد البنك المركزي عادة على سعر الفائدة أداة رئيسية لضبط التضخم، إذ يؤدي رفعها إلى تقليص السيولة، والحد من الاستهلاك والاقتراض، ما يخفف من الضغوط السعرية، لكن هذا الخيار لا يخلو من تبعات سلبية، خاصة في اقتصاد يعاني من ضعف الاستثمار وتباطؤ النمو. وقد شهدت تونس خلال السنوات الماضية سلسلة من الزيادات في سعر الفائدة، في إطار مواجهة موجة تضخم قوية بلغت مستويات قياسية، حيث انتقل السعر المديري تدريجياً من مستويات منخفضة نسبياً إلى حدود تقارب 8%، وهو من أعلى المستويات في السنوات الأخيرة.
ويؤكد حواص أن المسار التشديدي لسياسة البنك المركزي النقدية ساهم نسبياً في كبح التضخم، لكنه في المقابل أثّر في كلفة التمويل، سواء بالنسبة للمؤسسات أو الأفراد، ما انعكس على نسق الاستثمار والاستهلاك. ويعتبر أن رفع سعر الفائدة، في حال إقراره، ستكون له انعكاسات متعددة على المؤسسات، من بينها زيادة كلفة القروض، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل مشاريع التوسع، أو تقليص الاستثمار، خاصة في القطاعات الحساسة للتمويل. ويشير حواص في سياق متصل إلى أن تشديد السياسة النقدية عادة ما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى دفع النمو وخلق فرص عمل، فضلاً عن ارتفاع كلفة خدمة الدين، خاصة أن جزءاً من الدين الداخلي مرتبط بأسعار الفائدة وفق قوله.
ويضيف: "لن يكون المواطن أيضاً في منأى عن تداعيات ارتفاع سعر الفائدة، حيث ستزيد أقساط القروض البنكية، وخاصة القروض السكنية والاستهلاكية ذات الفائدة المتغيرة". ويرى متعاملون اقتصاديون أن أي قرار برفع الفائدة يجب أن يوازن بين ضرورة كبح التضخم والحفاظ على الحد الأدنى من الديناميكية الاقتصادية، خاصة في ظل هشاشة النسيج الاقتصادي التونسي.
وتؤكد دراسة تحليلية صدرت عن المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني "تشاتام هاوس" حول "تداعيات الحرب الإيرانية"، أن الاقتصادات المتأثرة بالحرب، ومن بينها دول شمال أفريقيا، قد تشهد انكماشاً يفوق 10% في حالات التصعيد، مؤكدة أن الحرب أحدثت ضغطاً كبيراً على أسواق النفط والغاز. وتشير الدراسة إلى أن هذه الدول تواجه خطر "الطوارئ المالية" نتيجة صدمة الطاقة، وضعف التمويل، ومخاطر التضخم.

أخبار ذات صلة.
لندن تستدعي السفير الإيراني
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة